رؤساء الأرجنتين: المنصب وصلاحياته ورجاله من ريفادافيا إلى ميلي
رئيس الأرجنتين هو رئيس الدولة والحكومة والقائد الأعلى للقوّات المسلّحة، يُنتخب بالاقتراع المباشر لأربع سنوات ويحكم من الكاسا روسادا في بوينس آيرس. يشرح الملفّ قواعد المنصب ورموزه، ثمّ يمرّ على تاريخ الرئاسة في مراحلها، من برناردينو ريفادافيا عام 1826 إلى خافيير ميلي.
جلس على كرسيّ الرئاسة في الأرجنتين رجالٌ منتخبون وجنرالات جاؤوا بالدبّابات ورؤساء لأيّامٍ معدودة، وفي أواخر 2001 تعاقب على المنصب خمسة رجال في أقلّ من أسبوعين.
المنصب في الدستور
الأرجنتين جمهوريةٌ رئاسية فدرالية، والرئيس فيها هو رأس الدولة ورأس الحكومة معاً، والقائد الأعلى للقوّات المسلّحة. يعيّن الوزراء ويقيلهم، ويصدر اللوائح التنفيذية، ويملك حقّ الاعتراض على القوانين، كما يحقّ له في حالاتٍ محدّدة إصدار «مراسيم الضرورة والاستعجال» التي تكون لها قوّة القانون إلى أن ينظر فيها الكونغرس.
وضع دستور 1853 قواعد المنصب، وكانت مدّة الولاية ستّ سنوات بلا تجديدٍ متتالٍ، وينتخب الرئيسَ مجمعٌ انتخابي. ثمّ غيّر إصلاح 1994 هذه القواعد: صارت الولاية أربع سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة متتالية، وصار الانتخاب مباشراً من الشعب. ويفوز المرشّح من الجولة الأولى إذا نال 45% من الأصوات، أو 40% مع فارق عشر نقاطٍ عن الثاني، وإلّا جرت جولة إعادة.
ويشترط الدستور أن يكون الرئيس مولوداً في الأرجنتين أو ابناً لمواطنٍ أرجنتيني إن وُلد في الخارج، وألّا يقلّ عمره عن 30 عاماً. وتبدأ الولاية تقليدياً في 10 ديسمبر، وإذا غاب الرئيس حلّ محلّه نائبه، ثمّ الرئيس المؤقّت لمجلس الشيوخ، ثمّ رئيس مجلس النوّاب، إلى أن يختار الكونغرس خلفاً.
ونائب الرئيس يُنتخب في القائمة نفسها، ويرأس مجلس الشيوخ. وأضاف إصلاح 1994 منصب «رئيس مجلس الوزراء» الذي يعيّنه الرئيس ويكون مسؤولاً أمام الكونغرس، لكنّ السلطة التنفيذية بقيت في يد الرئيس وحده.
الكاسا روسادا والعصا والوشاح
يعمل الرئيس في الكاسا روسادا، أي «البيت الوردي»، على ساحة مايو في وسط بوينس آيرس. ويُنسب لونه إلى دومينغو فاوستينو سارمينتو الذي أراد أن يجمع الأحمر والأبيض، لونَي الحزبين المتنافسين آنذاك. ومن شرفته خاطب رؤساء كثيرون الجماهير المحتشدة في الساحة.
أمّا الإقامة الرسمية فهي قصر أوليفوس في ضاحيةٍ شمال العاصمة، وهو بيتٌ تحيط به حدائق واسعة أوصى به مالكه كارلوس بيلاتي أولاغير للدولة عام 1918، فصار مسكن الرؤساء وأسرهم.
ورمزا المنصب هما الوشاح الرئاسي بلونَي العلم السماوي والأبيض تتوسّطه شمس مايو، والعصا الرئاسية. يتسلّمهما الرئيس الجديد من سلفه في حفل التنصيب. وفي ديسمبر 2015 لم تحضر كريستينا فرنانديز دي كيرشنر تسليمهما إلى ماوريسيو ماكري بعد خلافٍ على مكان الحفل، فتولّى الرئيس المؤقّت لمجلس الشيوخ الرئاسة نحو اثنتي عشرة ساعة ليُتمّ المراسم.


من ريفادافيا إلى أوركيسا
أوّل من حمل لقب الرئيس هو برناردينو ريفادافيا، الذي انتخبه مؤتمرٌ تأسيسي في فبراير 1826 رئيساً «للمقاطعات المتّحدة لريو دي لا بلاتا». أراد حكومةً مركزية قوية، وأسّس مؤسّسات وأطلق مشاريع، لكنّ المقاطعات رفضت دستوره المركزي، وجاءت الحرب مع البرازيل لتزيد الضغط، فاستقال عام 1827.
خلفه فيسنتي لوبيس إي بلانيس، مؤلّف النشيد الوطني، أسابيع قليلة، ثمّ انحلّت السلطة المركزية. وطوال ربع قرنٍ تقريباً لم يكن في البلاد رئيس، بل حكّام مقاطعات، أقواهم خوان مانويل دي روساس حاكم بوينس آيرس.
انتهى عهد روساس عام 1852 بهزيمته في معركة كاسيروس أمام خوستو خوسيه دي أوركيسا، حاكم إنتري ريوس. ودعا أوركيسا إلى مؤتمرٍ وضع دستور 1853، ثمّ صار أوّل رئيسٍ دستوري بين 1854 و1860، لكن من دون بوينس آيرس التي انفصلت سنوات.
خلفه سانتياغو ديركي، وفي عهده عاد القتال بين الاتحاد وبوينس آيرس. وبعد معركة بافون عام 1861 استقال ديركي وتولّى نائبه خوان إستيبان بيدرنيرا السلطة فترةً قصيرة قبل أن ينحلّ الحكم الاتحادي.


الرئاسات التاريخية الثلاث
مع بارتولومي ميتري (1862–1868) توحّدت البلاد تحت حكومةٍ واحدة. وتلاه دومينغو فاوستينو سارمينتو (1868–1874)، الكاتب والمربّي الذي وسّع التعليم العام وأجرى أوّل تعدادٍ للسكّان عام 1869. ثمّ جاء نيكولاس أفيشانيدا (1874–1880) الذي شجّع الهجرة الأوروبية، وفي آخر عهده صارت مدينة بوينس آيرس عاصمةً فدرالية عام 1880.
ويسمّي المؤرّخون هذه الرئاسات الثلاث «الرئاسات التاريخية»، لأنّها بنت مؤسّسات الدولة الحديثة: الجيش الوطني والمحاكم والمدارس والسكك الحديدية.

النظام المحافظ وروكا
بين 1880 و1916 حكم البلاد تحالفٌ من النخب المحافظة عُرف بـ«الحزب الوطني الاستقلالي»، وكان رجله الأقوى خوليو أرخنتينو روكا الذي حكم مرّتين (1880–1886 و1898–1904)، وكان قبل رئاسته الأولى وزيراً للحرب قاد الحملة العسكرية على أراضي الشعوب الأصلية في الجنوب عامَي 1878 و1879. وكانت الانتخابات تُحسم غالباً بالتزوير وشراء الأصوات، بينما عرف الاقتصاد نموّاً سريعاً بفضل تصدير الحبوب واللحوم.
في عهد ميغيل خواريس سيلمان انفجرت أزمةٌ مالية وثورةٌ مسلّحة عُرفت بـ«ثورة الحديقة» عام 1890، فاستقال وخلفه نائبه كارلوس بيشيغريني. ثمّ تعاقب لويس ساينس بينيا، الذي استقال بدوره، وخوسيه إيباريستو أوريبورو، ثمّ مانويل كينتانا الذي توفّي في منصبه، وخوسيه فيغيروا ألكورتا.

قانون ساينس بينيا وإيريغوشين
تغيّر المشهد مع روكي ساينس بينيا (1910–1914)، الذي أصدر عام 1912 القانون المعروف باسمه، فجعل التصويت سرّياً وإلزامياً وعامّاً للرجال. وبعد وفاته أكمل فيكتورينو دي لا بلاسا الولاية، وأُجريت عام 1916 أوّل انتخاباتٍ رئاسية بالقانون الجديد.
فاز فيها إيبوليتو إيريغوشين، زعيم «الاتحاد المدني الراديكالي»، وحكم بين 1916 و1922، وخلفه من حزبه مارسيلو تي. دي ألبيار (1922–1928). وفي ولاية إيريغوشين الأولى بقيت الأرجنتين على الحياد في الحرب العالمية الأولى، وانطلق «الإصلاح الجامعي» في قرطبة عام 1918، وأُسّست شركة النفط الحكومية عام 1922. ثمّ عاد إيريغوشين بأغلبية واسعة عام 1928، لكنّ الأزمة الاقتصادية العالمية أضعفت حكومته.

عصر الانقلابات
في 6 سبتمبر 1930 أطاح الجنرال خوسيه فيليكس أوريبورو بإيريغوشين في أوّل انقلابٍ عسكري ناجح في القرن العشرين. واعترفت المحكمة العليا بحكومة الانقلاب بعد أيّام، فصار ذلك سابقةً استند إليها الانقلابيون بعد ذلك. وتلته فترةٌ يسمّيها المؤرّخون «العقد المشين»، حكم فيها أغوستين بيدرو خوستو ثمّ روبرتو أورتيس ثمّ رامون كاستيشو، بانتخاباتٍ شابها تزويرٌ واسع.
وفي 4 يونيو 1943 أطاح انقلابٌ آخر بكاستيشو، فتولّى أرتورو راوسون أيّاماً قليلة، ثمّ بيدرو بابلو راميريز، ثمّ إديلميرو فاريل. وفي حكومة هؤلاء صعد نجم عقيدٍ شابّ تولّى وزارة العمل ثمّ نيابة الرئاسة. وحين اعتُقل في أكتوبر 1945 خرجت حشودٌ من العمّال إلى ساحة مايو يوم 17 أكتوبر تطالب بالإفراج عنه، فأُطلق سراحه في الليلة نفسها، وصار ذلك اليوم عيداً لأنصاره.
بيرون
ذلك العقيد هو خوان دومينغو بيرون، الذي فاز في انتخابات 1946 وحكم حتّى 1955، وإلى جانبه زوجته إيفا بيرون. وسّع حقوق العمّال والضمان الاجتماعي، وأُقرّ في عهده حقّ المرأة في التصويت عام 1947، وأُعيد انتخابه عام 1951 بعد إصلاحٍ دستوري أجاز ذلك.
انقسم المجتمع بين مؤيّدين يرون فيه نصير الفقراء ومعارضين يرون فيه حكماً سلطوياً ضيّق على الصحافة والمعارضة. وفي سبتمبر 1955 أطاح به انقلابٌ عسكري، فنُفي ثمانية عشر عاماً، وبقيت «البيرونية» أقوى تيّارٍ سياسي في البلاد حتّى اليوم.

من 1955 إلى 1983: حكوماتٌ لا تكمل ولاياتها
بعد بيرون حكم العسكريان إدواردو لوناردي ثمّ بيدرو أرامبورو. ومُنعت البيرونية من خوض الانتخابات، ففاز أرتورو فروندي عام 1958 وأطاح به الجيش عام 1962، وخلفه رئيس مجلس الشيوخ خوسيه ماريا غيدو. ثمّ انتُخب أرتورو إيشيا عام 1963، وأطاح به انقلابٌ في يونيو 1966.
حكم بعدها ثلاثة جنرالات: خوان كارلوس أونغانيا، ثمّ روبرتو ليفينغستون، ثمّ ألخاندرو لانوسي الذي نظّم انتخابات 1973. وفي عهد أونغانيا اقتحمت الشرطة الجامعات في ما عُرف بـ«ليلة العصيّ الطويلة» عام 1966، واندلعت عام 1969 انتفاضة العمّال والطلّاب في قرطبة. فاز إكتور كامبورا واستقال بعد شهرٍ ونصف، وتولّى راؤول لاستيري الرئاسة مؤقّتاً، ليعود بيرون رئيساً للمرّة الثالثة في أكتوبر 1973. وحين توفّي في 1 يوليو 1974 خلفته نائبته وزوجته إيزابيل بيرون.
في 24 مارس 1976 أطاح الجيش بإيزابيل بيرون وبدأ أشدّ حكمٍ عسكري في تاريخ البلاد، تعاقب عليه خورخي رافائيل فيديلا وروبرتو فيولا وليوبولدو غالتييري ورينالدو بينيونيه. واختفى في تلك السنوات آلاف الأشخاص، إذ وثّقت لجنةٌ رسمية نحو 9 آلاف حالة، بينما تقدّر منظّمات حقوق الإنسان العدد بنحو 30 ألفاً. وقاد غالتييري حرب جزر المالفيناس عام 1982 التي انتهت بالهزيمة وعجّلت بنهاية الحكم العسكري.
عودة الديمقراطية: ألفونسين ومنعم
في 10 ديسمبر 1983 تسلّم راؤول ألفونسين الرئاسة، وفي عهده أعدّت لجنةٌ رسمية تقرير «لن يتكرّر أبداً» عن المختفين، وحوكم قادة المجالس العسكرية عام 1985 وصدرت بحقّ بعضهم أحكامٌ بالسجن المؤبّد. ثمّ أصدر الكونغرس تحت ضغط تمرّداتٍ عسكرية قانونين أوقفا معظم المحاكمات الأخرى. لكنّ التضخّم المفرط اشتدّ في آخر ولايته، فسلّم السلطة قبل موعدها بأشهر عام 1989 إلى كارلوس منعم.
خصخص منعم الشركات العامّة وربط البيسو بالدولار بسعرٍ واحد مقابل واحد، فهبط التضخّم. وأصدر عفواً عن قادة الحكم العسكري المسجونين عامَي 1989 و1990، وهو قرارٌ أثار احتجاجاتٍ واسعة. واتّفق مع ألفونسين على إصلاح الدستور عام 1994، فأُعيد انتخابه عام 1995 وحكم حتّى 1999.

أزمة 2001: خمسة رؤساء في أسبوعين
فاز فرناندو دي لا روا بانتخابات 1999، لكنّ الركود والديون وتجميد الودائع المصرفية فجّرت احتجاجاتٍ واسعة، فاستقال في 20 ديسمبر 2001 وغادر الكاسا روسادا بطائرة مروحية. تولّى السلطة مؤقّتاً رئيس مجلس الشيوخ، ثمّ اختار الكونغرس أدولفو رودريغيز سا الذي أعلن التوقّف عن سداد الديون واستقال بعد أسبوع، فتولّى رئيس مجلس النوّاب السلطة يومين.
وفي 1 يناير 2002 اختار الكونغرس إدواردو دوهالدي، فأنهى ربط البيسو بالدولار، وأكمل الفترة حتّى مايو 2003.
من الكيرشنرية إلى ميلي
فاز نستور كيرشنر بالرئاسة عام 2003، وخلفته زوجته كريستينا فرنانديز دي كيرشنر بين 2007 و2015 لولايتين، فصارت أوّل امرأةٍ تُنتخب للرئاسة. وفي تلك السنوات أعادت الحكومة جدولة الديون المتعثّرة وسدّدت ديون صندوق النقد الدولي عام 2006، وأُلغيت قوانين العفو فاستؤنفت محاكمات الحكم العسكري، وتوفّي نستور كيرشنر عام 2010. وفي 2015 فاز ماوريسيو ماكري في أوّل جولة إعادة رئاسية في تاريخ البلاد، وهو أوّل رئيسٍ منتخب منذ عقود لا ينتمي إلى البيرونية ولا إلى الحزب الراديكالي، فرفع القيود على شراء العملات الأجنبية، ثمّ لجأ إلى قرضٍ كبير من صندوق النقد الدولي عام 2018 مع عودة الأزمة. وعاد البيرونيون عام 2019 مع ألبرتو فرنانديز، وكانت كريستينا فرنانديز دي كيرشنر نائبةً له، وواجهت حكومته جائحة كورونا وارتفاع التضخّم.
وفي نوفمبر 2023 فاز الاقتصادي خافيير ميلي في جولة الإعادة بنحو 56% من الأصوات، وتسلّم الرئاسة في 10 ديسمبر 2023. وقد جاء من خارج الحزبين التقليديين، ووعد بخفض الإنفاق العام وتقليص دور الدولة. خفّضت حكومته الإنفاق بشدّة فتراجع التضخّم الشهري، بينما احتجّت النقابات والجامعات على آثار الخفض. وفي الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2025 حلّ حزبه «الحرّية تتقدّم» في المركز الأول.











التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.