خورخي رافائيل فيديلا رأس الديكتاتورية التي اختفى فيها آلاف الأرجنتينيين
قاد انقلاب 24 آذار 1976 وحكم خمس سنوات باسم «عملية إعادة التنظيم الوطني»، وفي عهده عملت مئات المعتقلات السرية واختفى آلاف الأشخاص وسُرق أطفال المحتجزات. حوكم عام 1985 وحُكم عليه بالسجن المؤبد، ثم عُفي عنه، ثم أُعيد سجنه ومات في زنزانته عام 2013. ملف مرجعي.
بوينس آيرس – ArgentiNews
في فجر 24 آذار/مارس 1976 أطاح الجيش بالرئيسة إيزابيل بيرون وأغلق الكونغرس وحلّ الأحزاب. وبعد خمسة أيام أدّى الجنرال خورخي رافائيل فيديلا القسم رئيساً بحكم الأمر الواقع، فبدأت أطول وأعنف ديكتاتورية في تاريخ الأرجنتين، وسُمّيت رسمياً «عملية إعادة التنظيم الوطني».
كانت حصيلتها بحسب المنظمات الحقوقية نحو ثلاثين ألف مختفٍ، و340 معتقلاً سرياً، ومئات الأطفال المولودين في الأسر ونُسبوا إلى عائلات أخرى. وهذه سيرة الرجل الذي قادها ثم حوكم عليها مرتين.

ضابط من مدرسة الكاثوليكية العسكرية
وُلد في 2 آب/أغسطس 1925 في مدينة ميرسيدس بمقاطعة بوينس آيرس لعائلة عسكرية. تخرّج من الكلية العسكرية عام 1944، وتدرّج في سلك المشاة والأركان، ودرّس في الكلية الحربية، واشتهر بصورة الضابط المتديّن الصامت القليل الكلام. في آب/أغسطس 1975، وفي عهد إيزابيل بيرون نفسها، عُيّن قائداً عاماً للجيش — وهو المنصب الذي انقلب منه على الحكومة بعد سبعة أشهر.

آلة القمع
قامت المنظومة على مراكز احتجاز سرية أشهرها «إسما» (مدرسة ميكانيكا البحرية) في قلب بوينس آيرس، و«لا بيرلا» في قرطبة، و«أوتوموتوريس أورليتي». كان المعتقل يُخطف من بيته أو عمله على يد «مجموعة عمل» بلباس مدني، فيُعذَّب ثم يختفي؛ وأُلقي كثيرون أحياءً في البحر في ما عُرف بـ«رحلات الموت». وسُرق نحو خمسمئة طفل وُلدوا في الأسر أو خُطفوا مع أهاليهم، ولا تزال «جدّات ساحة مايو» تستعيد هوياتهم واحداً بعد آخر حتى اليوم.
وفي أيلول/سبتمبر 1979 زارت البلاد لجنة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ووثّقت الانتهاكات في تقرير شكّل أول اعتراف دولي بما يجري. أمام الصحافة قال فيديلا عبارته الشهيرة عن المختفي: «ليس له كيان… لا هو حيّ ولا ميت، إنه مختفٍ».
الاقتصاد: انفتاح ودين
سلّم الاقتصاد لوزيره خوسيه ألفريدو مارتينيث دي هوث الذي فتح الاستيراد وحرّر الأسعار وقيّد الأجور وأطلق ما سُمّي «الطبلية» في سعر الصرف. النتيجة: تفكيك قطاعات صناعية واسعة، وارتفاع الدين الخارجي من نحو 7 مليارات إلى نحو 40 مليار دولار بين 1976 و1981، وقفزة في الفقر من 5.8% عام 1974 إلى 37.4% عام 1980. وتولّت الدولة ديون شركات خاصة كبرى في نهاية العهد.
مونديال 1978 والحرب التي لم تقع
استضافت الأرجنتين كأس العالم 1978 وفازت بها، وسُخّرت البطولة لتلميع صورة النظام بينما كان معتقل «إسما» يعمل على بعد كيلومترات من ملعب النهائي. وفي 1978 أيضاً بلغ النزاع مع تشيلي على قناة بيغل حافة الحرب قبل أن توقفه وساطة البابا يوحنا بولس الثاني.

المحاكمة والعفو والعودة إلى السجن
ترك فيديلا الرئاسة في 29 آذار/مارس 1981 لصالح روبرتو فيولا. وبعد عودة الديمقراطية حوكم في «محاكمة المجالس العسكرية» عام 1985، فأُدين بـ469 جريمة — بينها 66 قتلاً و306 عمليات خطف و97 حالة تعذيب — وحُكم عليه بالسجن المؤبد والتجريد من رتبته.
في 29 كانون الأول/ديسمبر 1990 شمله عفو الرئيس كارلوس منعم فخرج بعد خمس سنوات. لكن العفو لم يشمل سرقة الأطفال، فأُعيد توقيفه عام 1998، ثم قضت المحاكم عام 2007 ببطلان العفو. أُدين مجدداً عام 2010 بالسجن المؤبد في ملف إعدام سجناء في قرطبة، وعام 2012 بخمسين سنة في ملف «الخطة المنهجية لسرقة الأطفال». توفي في 17 أيار/مايو 2013 في سجن ماركوس باث عن 87 عاماً، غير نادم على شيء بحسب مقابلاته الأخيرة.

لماذا يبقى الاسم حاضراً
لأن ما جرى في عهده هو المرجع الأخلاقي الذي تقيس عليه الأرجنتين نفسها: عبارة «لن يتكرر أبداً»، ومسيرة 24 آذار/مارس السنوية، ومئات المحاكمات التي ما زالت تُعقد حتى اليوم، والجدل المتجدّد كلما شكّك سياسي في رقم الثلاثين ألفاً أو طالب بـ«ذاكرة كاملة». لا يمكن فهم حساسية الأرجنتينيين تجاه ملف حقوق الإنسان من دون قراءة هذه السنوات الخمس.

الصور: ويكيميديا كومنز — وكالة تيلام ومجلة خِنتِه وأرشيفات عامة (ملكية عامة).










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.