كارلوس منعم ابن المهاجرين السوريين الذي ربط البيسو بالدولار وغيّر وجه الأرجنتين
من أنيلياكو في لاريوخا إلى الكاسا روسادا: كارلوس سعول منعم، ابن مهاجرَين سوريين من يبرود، حكم الأرجنتين عشر سنوات، وأنهى التضخم المفرط بقانون التحويل، وباع شركات الدولة، وانتهى عهده بركود وبطالة قياسية وملفات قضائية. ملف مرجعي (1930-2021).
بوينس آيرس – ArgentiNews
لا اسم في تاريخ الأرجنتين الحديث يعني للقارئ العربي ما يعنيه اسم كارلوس سعول منعم: رجل من أب وأم هاجرا من يبرود في ريف دمشق، وصل إلى قصر الرئاسة في بوينس آيرس وحكم عشر سنوات وخمسة أشهر — أطول ولاية رئاسية متصلة في الحقبة الديمقراطية.
وهو أيضاً أكثر رؤساء الأرجنتين إثارةً للانقسام: عنده أنهى التضخم المفرط وأدخل البلاد عصر الاستقرار والاستهلاك والسفر والاستيراد؛ وعند خصومه باع الدولة قطعةً قطعة وترك بلداً بلا صناعة وبربع سكانه عاطلين. هذا ملف مرجعي عن سيرته وعهده.

من يبرود إلى أنيلياكو
وُلد كارلوس سعول منعم في 2 تموز/يوليو 1930 في بلدة أنيلياكو بمقاطعة لاريوخا الفقيرة شمال غرب البلاد، لأبوين مسلمَين سوريين هما سعود منعم ومهيبة عقيل، هاجرا من يبرود مطلع القرن العشرين وعملا في التجارة. درس الحقوق في جامعة قرطبة، وانضمّ إلى الحركة البيرونية في شبابه بعد لقاء مع خوان دومينغو بيرون، وكان لاعب سلة ومحبّاً للسيارات الرياضية وللحياة العامة الصاخبة. اعتنق الكاثوليكية عام 1983، إذ كان الدستور آنذاك يشترط أن يكون الرئيس كاثوليكياً — شرطٌ أُلغي في تعديل 1994 الذي أجراه هو نفسه.
انتُخب حاكماً للاريوخا عام 1973، وأطاح به انقلاب 1976 فسُجن نحو سنة وثمانية أشهر من دون محاكمة ونُفي داخلياً. عاد حاكماً للمقاطعة مع الديمقراطية عام 1983، ومن هناك بنى ماكينته السياسية.
1989: الوصول في ذروة الانهيار
فاز منعم بالانتخابات التمهيدية للحزب البيروني على أنطونيو كافييرو (53.94% مقابل 46.06%)، ثم بالرئاسة في أيار/مايو 1989 على المرشح الراديكالي إدواردو أنخيلوث. وبسبب التضخم المفرط الذي كان يلتهم البلاد تسلّم الحكم مبكراً في 8 تموز/يوليو 1989.
وخلافاً لخطابه الانتخابي («ثورة الإنتاج» و«الطفرة الكبرى»)، انعطف فور وصوله إلى أقصى اليمين الاقتصادي: سلّم الاقتصاد لمديرين من مجموعة «بونخي وبورن» الخاصة، وأصدر قانوني «إصلاح الدولة» و«الطوارئ الاقتصادية» اللذين فتحا باب الخصخصة وتجميد الالتزامات.
قانون التحويل: بيسو واحد يساوي دولاراً واحداً
في نيسان/أبريل 1991 أطلق وزير الاقتصاد دومينغو كافايو «قانون التحويل» (Convertibilidad): سعر صرف ثابت بالقانون بيسو واحد مقابل دولار واحد، ومنع البنك المركزي من إصدار نقود بلا غطاء من الاحتياطيات. كانت النتيجة فورية ومذهلة: تضخم 3079% عام 1989 هبط إلى خانة الآحاد عام 1993 ثم إلى ما دون الصفر أواخر العقد.
ورافقت ذلك أكبر موجة خصخصة في تاريخ البلاد: شركة الهاتف «إنتِل»، والخطوط الجوية الأرجنتينية، وشركة النفط الوطنية YPF، والكهرباء والغاز والمياه والسكك والموانئ والطرق السريعة. دخلت البلاد أموالٌ وسلعٌ مستوردة رخيصة، وصار السفر إلى ميامي في متناول الطبقة الوسطى — وتقلّصت الصناعة من نحو 42% إلى 26% من الناتج، وارتفعت البطالة إلى 18.4% عام 1995 مع تسريح مئات الآلاف من موظفي الشركات المخصخصة.

«العلاقات الحميمة» مع واشنطن
في السياسة الخارجية اتّبع وزير خارجيته غيدو دي تيا ما سُمّي «العلاقات الحميمة» (relaciones carnales) مع الولايات المتحدة: خرجت الأرجنتين من حركة عدم الانحياز، وأرسلت سفينتين إلى حرب الخليج عام 1991 — وهي الدولة اللاتينية الوحيدة التي شاركت — وفكّكت برنامج صاروخ «كوندور 2»، ونالت عام 1998 صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو». وفي المقابل جمّدت خطاب السيادة على مالفيناس واكتفت بـ«سياسة الإغراء» تجاه سكان الجزر.
التفجيران والملفات السوداء
شهد عهده أخطر اعتداءين في تاريخ البلاد: تفجير سفارة إسرائيل في بوينس آيرس (17 آذار/مارس 1992، 22 قتيلاً)، وتفجير مركز آميا اليهودي (18 تموز/يوليو 1994، 85 قتيلاً وأكثر من 300 جريح) — وهو أكبر اعتداء في تاريخ الأرجنتين ولم يصدر فيه حكم إدانة حتى اليوم، فيما لاحقت منعمَ لاحقاً اتهاماتٌ بعرقلة التحقيق حُوكم بشأنها وبُرِّئ في بعضها.
وفي 1995 انفجر مصنع الذخيرة في ريو تيرثيرو (13 قتيلاً)، وتبيّن لاحقاً ارتباطه بملف تهريب السلاح إلى كرواتيا والإكوادور الذي حُكم على منعم فيه بالسجن سبع سنوات ونصف عام 2013 قبل أن تُلغى الإدانة ثم تُعاد وتسقط بمرور الزمن. أما العفو الرئاسي الذي أصدره في 1989 و1990 عن قادة المجالس العسكرية ومن حُوكموا معهم، فكان أشدّ قراراته إثارةً للغضب، وقضت المحاكم ببطلانه عام 2007.

تعديل الدستور وولاية ثانية
مكّنه «ميثاق أوليفوس» مع ألفونسين من إجراء التعديل الدستوري لعام 1994، الذي أتاح إعادة انتخاب الرئيس مرة واحدة وقلّص الولاية من ست سنوات إلى أربع، وأنشأ منصب رئيس الوزراء ومجلس القضاء، وألغى شرط كاثوليكية الرئيس، ومنح مدينة بوينس آيرس حكماً ذاتياً. فاز بولاية ثانية عام 1995 بنحو 49.9%، لكن النصف الثاني من التسعينيات كان ركوداً متواصلاً بعد أزمتَي المكسيك 1994 والبرازيل 1999، فانتهى عهده في 10 كانون الأول/ديسمبر 1999 وسط بطالة مرتفعة ودين متضخّم ونظام صرف ثابت صار قيداً خانقاً — هو نفسه الذي انفجر بعد عامين في أزمة 2001.
ما بعد الرئاسة والوفاة
حاول العودة عام 2003 فتصدّر الجولة الأولى بـ24.45% أمام نستور كيرشنر (22%)، لكنه انسحب من جولة الإعادة حين أظهرت الاستطلاعات هزيمة ساحقة، فصار كيرشنر رئيساً بأدنى تفويض في التاريخ. انتُخب بعدها عضواً في مجلس الشيوخ عن لاريوخا من 2005 حتى وفاته، وهي الصفة التي حمته من السجن الفعلي في أكثر من ملف. توفي في 14 شباط/فبراير 2021 عن 90 عاماً، وشُيّع في مبنى الكونغرس، ودُفن في المقبرة الإسلامية في سان خوستو إلى جانب والديه وابنه.
وللقارئ العربي في الأرجنتين يبقى منعم علامةً مزدوجة: دليلٌ على أن أبناء الهجرة السورية واللبنانية بلغوا قمة الدولة، وموضوعُ سجالٍ لا ينتهي حول ما فعله بها.

الصور: ويكيميديا كومنز — Víctor Bugge ورئاسة الأرجنتين (CC BY 2.0)، البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية ومجلس الشيوخ الأرجنتيني (ملكية عامة)، Jaluj (CC BY-SA 4.0).










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.