الموازي1,545الرسمي1,53513°غائمبوينس آيرس
الجمعة، 11 سبتمبر
راؤول ألفونسين أبو الديمقراطية الأرجنتينية الذي حاكم الجنرالات وهزمه التضخمويكيميديا كومنز — Víctor Bugge / رئاسة الأرجنتين (CC BY 2.0)

راؤول ألفونسين أبو الديمقراطية الأرجنتينية الذي حاكم الجنرالات وهزمه التضخم

أول رئيس منتخب بعد سبع سنوات من الديكتاتورية العسكرية، حاكم قادة الانقلاب في محاكمة لا مثيل لها في أميركا اللاتينية، ثم خرج من الحكم قبل ستة أشهر من نهاية ولايته تحت وطأة التضخم المفرط. ملف مرجعي عن راؤول ألفونسين (1927-2009).

بوينس آيرس – ArgentiNews

حين وقف راؤول ريكاردو ألفونسين في كانون الأول/ديسمبر 1983 يتلو ديباجة الدستور أمام حشد في بوينس آيرس، كانت الأرجنتين خارجةً لتوّها من أعنف سبع سنوات في تاريخها: نحو ثلاثين ألف مختفٍ بحسب منظمات حقوق الإنسان، وحرب خاسرة في مالفيناس، ودين خارجي تضاعف أربع مرات. صار ألفونسين أول رئيس منتخب بعد الديكتاتورية، ومن يومها يُذكر في الأرجنتين بوصفه «أبا الديمقراطية».

ولايته اختصرت مفارقة البلاد كلها: نجاحٌ سياسي وأخلاقي لا سابق له في القارة — محاكمة قادة الانقلاب وهم في أوج نفوذهم — وفشلٌ اقتصادي انتهى بتضخم مفرط أخرجه من الحكم قبل ستة أشهر من موعده. هذا ملف مرجعي عن الرجل وعهده.

راؤول ألفونسين شاباً في مطلع مسيرته السياسية
راؤول ألفونسين شاباً في مطلع مسيرته السياسيةويكيميديا كومنز (ملكية عامة)

من تشاسكوموس إلى رئاسة الحزب الراديكالي

وُلد ألفونسين في 12 آذار/مارس 1927 في بلدة تشاسكوموس بمقاطعة بوينس آيرس، لعائلة من أصول إسبانية وألمانية تملك متجراً. تخرّج محامياً من جامعة بوينس آيرس عام 1950، وانخرط باكراً في «الاتحاد المدني الراديكالي»، أقدم أحزاب الأرجنتين، فكان مستشاراً بلدياً ثم نائباً في برلمان المقاطعة ثم نائباً وطنياً.

وما ميّزه عن أبناء جيله أنه في كانون الأول/ديسمبر 1975 — قبل ثلاثة أشهر من الانقلاب العسكري — شارك في تأسيس «الجمعية الدائمة لحقوق الإنسان»، ثم أمضى سنوات الديكتاتورية محامياً متطوعاً يرفع دعاوى إحضار للمختفين ويوقّع بيانات ضد القمع، في وقت كان الصمت فيه هو القاعدة. هذا الرصيد الأخلاقي هو ما جعله مرشحاً لا يُنازَع عام 1983.

ورقة اقتراع الاتحاد المدني الراديكالي في انتخابات 1983
ورقة اقتراع الاتحاد المدني الراديكالي في انتخابات 1983ويكيميديا كومنز (ملكية عامة)

انتخابات 1983: أول هزيمة للبيرونية في صندوق حر

في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1983 نال ألفونسين 51.7% من الأصوات مقابل 40.1% لمرشّح البيرونية إيتالو لودر، وكانت المرة الأولى في التاريخ التي تخسر فيها البيرونية انتخابات رئاسية نزيهة. تسلّم الحكم في 10 كانون الأول/ديسمبر 1983، وهو التاريخ الذي صار منذها يوم تسلّم كل رئيس أرجنتيني، ويُعدّ بداية أطول حقبة ديمقراطية متصلة في تاريخ البلاد.

راؤول ألفونسين بالوشاح الرئاسي
راؤول ألفونسين بالوشاح الرئاسيويكيميديا كومنز — رئاسة الأرجنتين (CC BY 2.5 AR)

كوناديب ومحاكمة المجالس العسكرية

بعد ثلاثة أيام على تسلّمه أصدر المرسومين 157 و158 لعام 1983: الأول بمحاكمة قادة التنظيمات المسلّحة، والثاني بمحاكمة أعضاء المجالس العسكرية التسعة الذين حكموا البلاد. وشكّل «اللجنة الوطنية للمختفين» (CONADEP) برئاسة الكاتب إرنستو ساباتو، التي سلّمت تقريرها «لن يتكرر أبداً» (Nunca Más) في 20 أيلول/سبتمبر 1984 موثّقاً 8961 حالة اختفاء مثبتة و340 معتقلاً سرياً. طُبع التقرير أربعين ألف نسخة ونفد، وأُعيدت طباعته عشر مرات خلال ستة أشهر، وصار نموذجاً لكل لجان الحقيقة في العالم بعده.

وفي 1985 جرت «محاكمة المجالس»: محكمة مدنية تحاكم جنرالات حكموا قبل عامين فقط، بشهادات مباشرة بُثّت على التلفزيون. حُكم على خورخي رافائيل فيديلا وإيميليو ماسيرا بالسجن المؤبد، وعلى آخرين بأحكام متفاوتة، وبُرِّئ بعضهم. ختم المدّعي العام خوليو ستراسيرا مرافعته بعبارة صارت جزءاً من الذاكرة الوطنية: «لن يتكرر أبداً».

غلاف تقرير «لن يتكرر أبداً» الذي وثّق جرائم الديكتاتورية
غلاف تقرير «لن يتكرر أبداً» الذي وثّق جرائم الديكتاتوريةويكيميديا كومنز — Eudeba (ملكية عامة)

ضغط الثكنات وقانونا العفو

لكن الجيش لم يقبل. بين 1987 و1990 وقعت ثلاث تمرّدات لضباط عُرفوا بـ«الوجوه المدهونة» (carapintadas)، أولها في أسبوع الفصح 1987 حين خرج ألفونسين من الكاسا روسادا إلى الحشد قائلاً «البيت مرتّب… عيد فصح سعيد». وتحت هذا الضغط أُقرّ قانونان أضعفا مسار العدالة: «النقطة النهائية» (كانون الأول/ديسمبر 1986) الذي حدّد مهلة ستين يوماً لرفع الدعاوى، و«الطاعة الواجبة» (1987) الذي أعفى الضباط الأدنى رتبة بحجة تنفيذ الأوامر. أغلق القانونان نحو 3600 ملف، وظلّا الوصمة الكبرى في سجلّه إلى أن أبطلهما الكونغرس عام 2003 وأقرّ القضاء بطلانهما عام 2005.

الاقتصاد: خطة الأوسترال ثم الانهيار

ورث ألفونسين ديناً خارجياً بنحو 45 مليار دولار وتضخماً ثلاثي الخانات. في حزيران/يونيو 1985 أطلق وزير اقتصاده خوان سوروييه «خطة الأوسترال»: عملة جديدة بدل البيسو، وتجميد للأسعار والأجور، وضبط للإنفاق. نجحت الخطة أشهراً — هبط التضخم من أكثر من 1000% سنوياً إلى نحو 50% — ثم عادت الأسعار إلى الارتفاع مع عجز مزمن وتوقّف التمويل الخارجي بعد تعثّر عام 1988.

وفي أيار/مايو 1989 انفجر التضخم المفرط: وصل المعدل الشهري إلى نحو 200% في تموز/يوليو، وخرجت أعمال نهب للمتاجر في روساريو وقرطبة، وأُعلنت حالة الحصار. كان الناتج المحلي قد تراجع من 103 مليارات دولار عام 1983 إلى 76 ملياراً عام 1989. وبعد خسارة انتخابات أيار/مايو أمام كارلوس منعم، سلّم ألفونسين الحكم مبكراً في 8 تموز/يوليو 1989، قبل خمسة أشهر من نهاية ولايته.

ألفونسين مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في البيت الأبيض عام 1986
ألفونسين مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في البيت الأبيض عام 1986ويكيميديا كومنز — البيت الأبيض (ملكية عامة)

السياسة الخارجية: سلام مع تشيلي ومولد ميركوسور

في 1984 وقّع ألفونسين مع تشيلي «معاهدة السلام والصداقة» التي أنهت نزاع قناة بيغل الذي كاد يشعل حرباً عام 1978، وطرحها على استفتاء شعبي فأيّدها 82% من الناخبين. ومع البرازيل وقّع سلسلة اتفاقات تكامل مع الرئيس خوسيه سارني بين 1985 و1988 صارت الأساس الذي قامت عليه السوق المشتركة الجنوبية «ميركوسور» عام 1991. وأدرج بلاده في «مجموعة الدول الثماني» ودعم حركة عدم الانحياز.

ما بعد الرئاسة

بقي ألفونسين زعيماً للحزب الراديكالي، ووقّع مع منعم عام 1993 «ميثاق أوليفوس» الذي فتح الباب أمام التعديل الدستوري لعام 1994 مقابل تقليص صلاحيات الرئيس وتقصير الولاية إلى أربع سنوات وإحداث منصب رئيس الوزراء — صفقة انتقدها كثيرون من حزبه واعتبرها هو ثمناً لتفادي أزمة مؤسسية. شغل مقعداً في مجلس الشيوخ (2001-2002)، وتوفي في 31 آذار/مارس 2009 عن 82 عاماً بسرطان الرئة. شُيّع في مبنى الكونغرس وسط حشود ضخمة، ودُفن في مقبرة ريكوليتا.

وفي استطلاعات الرأي اللاحقة يتصدّر ألفونسين باستمرار قائمة أكثر رؤساء الحقبة الديمقراطية قبولاً، رغم أن ولايته انتهت بأزمة اقتصادية خانقة: يُحاسَب على الاقتصاد، ويُذكر بالمحاكمة.

الصور: ويكيميديا كومنز — Víctor Bugge ورئاسة الأرجنتين (CC BY 2.0 وCC BY 2.5 AR)، البيت الأبيض ودار Eudeba وأرشيفات عامة (ملكية عامة).

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo