خافيير ميلي.. من شاشة التلفزيون إلى الكاسا روسادا: ملف مرجعي عن رئيس الأرجنتين
مَن هو خافيير ميلي، وكيف وصل إلى الرئاسة، وما الذي فعله بالاقتصاد الأرجنتيني منذ كانون الأول/ديسمبر 2023؟ ملف مرجعي يجمع سيرته وأفكاره وقراراته الكبرى وأرقام التضخم والفقر والنمو، وأزماته السياسية والقضائية، وسياسته الخارجية، وما يعنيه كل ذلك للمقيمين في الأرجنتين. محدَّث حتى 10 أيلول/سبتمبر 2026.
بوينس آيرس – ArgentiNews
في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2023 وقف اقتصاديٌّ لم يُدِر في حياته وزارةً ولا بلدية على درج الكونغرس في بوينس آيرس، وأدار ظهره لقاعة النواب ليخاطب الحشد في الساحة بجملةٍ صارت عنوان ولايته كلها: «لا يوجد مال». كان خافيير خيرالدو ميلي قد فاز قبل ثلاثة أسابيع بأعلى عدد أصوات ناله مرشّح رئاسي في تاريخ الأرجنتين، على وعدٍ بأن يقطع مع سبعين عاماً من سياسات الإنفاق والعجز والتضخم.
بعد أقل من ثلاث سنوات، صار ميلي أكثر رؤساء الأرجنتين إثارةً للجدل منذ عودة الديمقراطية عام 1983، وواحداً من أكثر قادة العالم حضوراً في نقاش اليمين الجديد عالمياً. أنصاره يرون أنه أوقف قطاراً كان يسير نحو التضخم المفرط؛ ومعارضوه يرون أن الفاتورة دفعها المتقاعدون والجامعات والأجور. والأرقام الرسمية، كما سيمرّ في هذا الملف، تحتمل القراءتين معاً.
هذا ملفٌّ مرجعي نعود إليه في «أخبار الأرجنتين» كلما ورد اسم الرئيس في خبر: من هو الرجل، وما الذي فعله فعلاً بالاقتصاد والدولة، وأين وصلت أزماته، وما الذي يعنيه ذلك لمن يعيش في هذا البلد. محدَّث حتى 10 أيلول/سبتمبر 2026.

بطاقة تعريف
الاسم: خافيير خيرالدو ميلي (Javier Gerardo Milei).
الميلاد: 22 تشرين الأول/أكتوبر 1970 في حي باليرمو ببوينس آيرس، لأب كان سائق حافلة قبل أن يصير صاحب شركة نقل، وأم ربة منزل، وله شقيقة واحدة هي كارينا.
المهنة: اقتصادي وأستاذ جامعي ومؤلف، قبل أن يدخل السياسة عام 2021.
المنصب: رئيس جمهورية الأرجنتين منذ 10 كانون الأول/ديسمبر 2023، وولايته الدستورية أربع سنوات تنتهي في كانون الأول/ديسمبر 2027.
الحزب: «الحرية تتقدّم» (La Libertad Avanza)، وهو تحالف أسّسه عام 2021.
المدرسة الفكرية: المدرسة النمساوية في الاقتصاد، ويصف نفسه بأنه «ليبرتاري رأسمالي فوضوي» فيما يمارس الحكم بوصفه «ليبرتارياً بحدّ أدنى من الدولة».
الحالة الاجتماعية: غير متزوج وبلا أولاد، ويعيش مع كلابه من فصيلة الماستيف الإنكليزي التي يسمّيها «أبناءه ذوي الأربع قوائم»، وأشهرها «كونان».

حارس مرمى ومغنّي روك ثم اقتصادي
قبل الاقتصاد كانت كرة القدم. لعب ميلي حارساً للمرمى في فرق الناشئين بنادي تشاكاريتا خونيورس، وغنّى في فرقة تؤدّي أغاني «الرولينغ ستونز»، وكان تلميذاً صاخباً نال في المدرسة لقب «المجنون» (El Loco) الذي ما زال يستخدمه عن نفسه حتى اليوم. يقول إن ما دفعه إلى الاقتصاد هو ما رآه في التضخم المفرط الذي ضرب الأرجنتين عام 1989.
درس الاقتصاد في جامعة بلغرانو، وأكمل دراستين عليا في بوينس آيرس، ثم عمل نحو خمسة عشر عاماً كبيرَ اقتصاديي مجموعة «كوربوراسيون أميركا» المملوكة لرجل الأعمال إدواردو إيورنيكيان، ودرّس في عدد من الجامعات. وأصدر كتباً عدة أبرزها «طريق الليبرتاري» و«نهاية التضخم» و«الرأسمالية والاشتراكية والمصيدة النيوكلاسيكية».
لكن شهرته لم تأتِ من الجامعة بل من الشاشة. صار منذ 2016 ضيفاً شبه يومي على البرامج الحوارية، يشتم «الطبقة السياسية»، ويرسم على السبورة منحنيات العرض والطلب، ويصرخ بعبارته الشهيرة: «تحيا الحرية، اللعنة!». في عام 2018 وحده كان أكثر اقتصادي تجري معه المقابلات في التلفزيون الأرجنتيني.
من الشاشة إلى الكونغرس ثم إلى الرئاسة في عامين
في تشرين الأول/أكتوبر 2021 دخل ميلي معترك الانتخابات لأول مرة، فحصلت قائمته على نحو 17% من أصوات مدينة بوينس آيرس وحلّت ثالثة، ودخل مجلس النواب. لم يقدّم خلال سنتين مشروع قانون واحد، وكان يقترع على راتبه البرلماني شهرياً بالقرعة بين متابعيه، في خطوةٍ اعتبرها خصومه دعاية واعتبرها أنصاره اتساقاً مع خطابه ضد امتيازات السياسيين.
وفي انتخابات 2023 قلبَ كل التوقعات. تصدّر الانتخابات التمهيدية في آب/أغسطس بنحو 30%، ثم جاء ثانياً في الجولة الأولى في 22 تشرين الأول/أكتوبر بـ29.99% خلف وزير الاقتصاد آنذاك سيرخيو ماسا (36.78%)، ليحسم جولة الإعادة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر بـ55.65% مقابل 44.35% — نحو 14.5 مليون صوت، وهو أعلى رقم مطلق نالَه مرشّح رئاسي في تاريخ البلاد. رافقته على البطاقة الرئاسية المحامية فيكتوريا فيلاروِيل نائبةً للرئيس.

أفكاره: المدرسة النمساوية و«أفويرا»
ينتمي ميلي فكرياً إلى المدرسة النمساوية في الاقتصاد (ميزس، هايك، روثبارد)، ويرى أن التضخم ظاهرة نقدية سببها الوحيد إصدار النقود لتمويل عجز الدولة، وأن «العدالة الاجتماعية» مفهوم قسري لأنها تقوم على أخذ أموال بالضرائب. من هنا جاءت شعاراته الثلاثة التي عرفها الأرجنتينيون في الحملة: «أفويرا» (خارجاً!) وهو ينزع لافتات الوزارات عن لوحة، والمنشار الكهربائي رمزاً لتقليص الإنفاق، ووصف الطبقة السياسية بـ«الطبقة الطفيلية».
وعدَ في الحملة بدولرة الاقتصاد وإغلاق البنك المركزي، وهما وعدان لم ينفَّذا حتى اليوم؛ إذ اختار بدلاً منهما مساراً تدريجياً: فائض مالي أولاً، ثم رفع قيود الصرف، ثم منافسة العملات. وفي مواقفه الاجتماعية يعارض الإجهاض وينتقد ما يسمّيه «النسوية الراديكالية»، ويؤيد حق حيازة السلاح، ويرفض ما تسمّيه حكومته «أجندة 2030» و«الاشتراكية الثقافية».

الصدمة الأولى: تعويم البيسو والمرسوم 70/2023
ورث ميلي اقتصاداً تضخّم فيه المؤشر 211.4% خلال عام 2023، واحتياطيات صافية سالبة، وسوقاً موازية للدولار تتجاوز السعر الرسمي بأكثر من الضعف. وبعد يومين على تسلّمه أعلن وزير الاقتصاد لويس كابوتو حزمة طوارئ: خفض قيمة البيسو من نحو 366 إلى 800 مقابل الدولار دفعةً واحدة، ووقف الأشغال العامة الجديدة، وتقليص الدعم على الطاقة والنقل، وخفض التحويلات إلى المقاطعات، وإلغاء قيود الاستيراد.
وفي 20 كانون الأول/ديسمبر 2023 أصدر المرسوم 70/2023 بأكثر من ثلاثمئة إجراء لتحرير الاقتصاد: إلغاء قانون الإيجارات، وتحرير أسعار السلع، وفتح باب خصخصة شركات الدولة، وتعديلات على قانون العمل عُلّقت لاحقاً بقرار قضائي. خرجت التظاهرات في اليوم نفسه، ونظّم اتحاد العمال الأرجنتيني إضراباً عاماً في كانون الثاني/يناير 2024 هو الأول من ثلاثة إضرابات عامة واجهت الحكومة في عامها الأول.

«قانون الأسس» وميزانية بلا عجز
دخل ميلي الكونغرس بأقلّية صغيرة: نحو 38 نائباً من 257 و7 مقاعد في مجلس الشيوخ. لذلك كان تمرير «قانون الأسس» معركته التشريعية الأولى، وقد رُفض في شباط/فبراير 2024 قبل أن يعود مختصراً ويُقَرّ في 27 حزيران/يونيو 2024، حاملاً صلاحيات تشريعية استثنائية للرئيس، وخصخصة جزئية لعدد من الشركات، ونظام حوافز الاستثمارات الكبرى (RIGI) الذي يمنح استقراراً ضريبياً ثلاثين عاماً للمشاريع التي تتجاوز مئتي مليون دولار في الطاقة والتعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا والغابات.
وفي 9 تموز/يوليو 2024 وقّع مع ثمانية عشر حاكم مقاطعة «ميثاق أيار» في توكومان، وهو إعلان مبادئ من عشر نقاط للانضباط المالي وإصلاح الضرائب والعمل. وفي الشهر نفسه أُنشئت وزارة «إلغاء القيود وتحويل الدولة» برئاسة فيدريكو ستورسينيغر، التي ألغت أو عدّلت مئات القواعد التنظيمية وأغلقت وكالات حكومية.
النتيجة المالية كانت أبرز ما تباهت به الحكومة: أغلقت الأرجنتين عام 2024 بفائضٍ ماليٍّ إجمالي قدره 0.3% من الناتج المحلي بعد عجزٍ تجاوز 6% في 2023، وهو أول فائض سنوي منذ أكثر من عقد، تحقّق عبر خفض الإنفاق الحقيقي بنحو الثلث وتسريح عشرات الآلاف من موظفي الدولة وتجميد الأشغال العامة.
الأرقام: التضخم والفقر والنمو
التضخم: 211.4% في 2023، ثم 117.8% في 2024، ثم نحو 31.5% في 2025 وهو أدنى مستوى منذ سبع سنوات. وفي صيف 2026 استقرّ المعدل الشهري بين 1.9% و3%، ليبقى المعدل السنوي في حدود الثلاثين بالمئة؛ أي أن التضخم كُسر لكنه لم يُقتل بعد.
الفقر: ارتفع أولاً بفعل الصدمة من 41.7% في النصف الثاني من 2023 إلى 52.9% في النصف الأول من 2024 — وهو أعلى مستوى منذ عشرين عاماً — ثم تراجع إلى 38.1% في النصف الثاني من 2024، و31.6% في النصف الأول من 2025، وقرابة 28% في نهاية 2025 بحسب المعهد الوطني للإحصاء.
النمو: انكمش الاقتصاد 1.7% في 2024، ثم نما نحو 4.4% في 2025 مدفوعاً بالاستهلاك الخاص والصادرات وقفزة في الاستثمار، وتتوقع المؤسسات الدولية نمواً بين 3% و4% في 2026.
الأجور: هنا يقع الخلاف. تجاوزت الأجور المسجَّلة التضخم في 2024 لأول مرة منذ سنوات، لكنها لم تعوّض ما خسرته في صدمة كانون الأول/ديسمبر 2023، وبقيت أجور القطاع العام والعمل غير المسجَّل دون مستواها السابق. أما المتقاعدون فكانوا الحلقة الأضعف: جمّدت الحكومة زيادات المعاشات وربطتها بالتضخم الشهري، واعترضت بالفيتو على قوانين رفعها التي أقرّها الكونغرس أكثر من مرة، وصار «ثلاثاء المتقاعدين» أمام الكونغرس موعداً أسبوعياً للاحتجاج.

نهاية «الكيبو» واتفاق صندوق النقد
في نيسان/أبريل 2025 حصلت الأرجنتين على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي بقيمة عشرين مليار دولار، وأعلنت في الحادي عشر منه رفع معظم قيود الصرف المعروفة محلياً باسم «الكيبو» بعد نحو ست سنوات من فرضها: صار بإمكان الأفراد شراء الدولار بحرية، وتحرّك سعر الصرف داخل نطاقٍ بين ألف وألف وأربعمئة بيسو يتّسع 1% شهرياً.
غير أن النظام تعرّض لضغط شديد في أيلول/سبتمبر 2025، حين باع البنك المركزي أكثر من مليار دولار في ثلاثة أيام دفاعاً عن سقف النطاق وارتفع مؤشر المخاطر إلى نحو 1200 نقطة. عندها تدخّلت الخزانة الأميركية بخط مبادلة عملات (سواب) بقيمة عشرين مليار دولار، اشترت بموجبه البيسو ودعمت الاحتياطيات — سابقة نادرة في العلاقة بين واشنطن وبوينس آيرس، ردّت الأرجنتين جزءاً منها مطلع 2026. وبحلول آب/أغسطس 2026 كانت احتياطيات البنك المركزي قد قاربت 51 مليار دولار، بينما وافق صندوق النقد في أيار/مايو 2026 على المراجعة الثانية للبرنامج وأفرج عن مليار دولار، محذّراً في الوقت نفسه من أن تراكم الاحتياطيات ما زال دون المستهدف.
الكلفة الاجتماعية والاحتجاجات
لم تمرّ سنوات التقشّف بهدوء. شهدت البلاد ثلاثة إضرابات عامة، ومسيرتين جامعيتين مليونيتين في نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر 2024 دفاعاً عن ميزانية الجامعات الوطنية المجانية، واحتجاجات أسبوعية للمتقاعدين شهد بعضها مواجهات مع الشرطة وإصابة مصوّر صحفي بجروح خطرة في آذار/مارس 2025.
وتشمل قائمة انتقادات المعارضة: خفض ميزانيات الصحة والأدوية للأمراض المزمنة، وتفكيك برامج اجتماعية، وتجميد تمويل الجامعات والبحث العلمي، والاستخدام الواسع للمراسيم والفيتو لتجاوز الكونغرس. أما الحكومة فتردّ بأن البديل كان التضخم المفرط، وأن انخفاض الفقر منذ 2024 هو الدليل على أن الصدمة كانت قصيرة ومجدية.

الدائرة الضيقة.. وأزمتان قضائيتان
الدائرة الأقرب إلى الرئيس صغيرة ومغلقة: شقيقته كارينا ميلي الأمينة العامة للرئاسة التي ينادِيها «الرئيس» (El Jefe) ويقول إنها «العقل الاستراتيجي» للمشروع، والمستشار الرئاسي سانتياغو كابوتو، ووزير الاقتصاد لويس كابوتو. وقد وُجّهت إلى هذه الدائرة أزمتان كبيرتان:
قضية «ليبرا»: في 14 شباط/فبراير 2025 نشر ميلي على حسابه رابطاً لعملة رقمية باسم LIBRA وصفها بأنها تموّل المشاريع الصغيرة الأرجنتينية، فارتفعت قيمتها ثم انهارت خلال ساعات وخسر آلاف المستثمرين أموالهم. حذف الرئيس المنشور وقال إنه «لم يروّج بل نشر» ولم يكن على علم بالتفاصيل. القضية ما تزال أمام القضاء الفدرالي، وفي نيسان/أبريل 2026 طلب الادّعاء الخاص استجواب الرئيس وشقيقته وأربعة عشر آخرين، وتتحرّك دعاوى موازية في الولايات المتحدة.
قضية الوكالة الوطنية للإعاقة: في آب/أغسطس 2025 سُرّبت تسجيلات صوتية منسوبة إلى دييغو سباغنولو، المدير السابق للوكالة والمحامي السابق للرئيس، يتحدث فيها عن عمولات بنسبة 8% في عقود أدوية للمعوّقين ويشير إلى كارينا ميلي وإلى إدواردو «لولي» مينم. نفى الجميع، وأُقيل سباغنولو وفُتح تحقيق قضائي، لكن الأثر السياسي كان فورياً لأن الاتهام مسّ صميم خطاب مكافحة الفساد.
هزيمة أيلول وانتصار تشرين الأول 2025
جاء الامتحان الانتخابي بعد أسابيع من الفضيحة. في 7 أيلول/سبتمبر 2025 خسر حزب الرئيس انتخابات مقاطعة بوينس آيرس — أكبر مقاطعات البلاد — أمام البيرونيين بفارق 47% إلى 33%، فاهتزّت الأسواق وتحدّث كثيرون عن نهاية «ظاهرة ميلي».
لكن في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025 قلبت انتخابات التجديد النصفي الصورة: نال حزب «الحرية تتقدّم» 40.84% مقابل 31.63% للبيرونيين، في اقتراع بلغت نسبة المشاركة فيه 67.85% وهي الأدنى منذ 1983. ارتفع تمثيل الحزب إلى نحو 95 نائباً من 257 و21 عضواً من 72 في مجلس الشيوخ — أقلية ما تزال، لكنها تكفي لحماية الفيتو الرئاسي وللتفاوض من موقع أقوى. وقفزت السندات الأرجنتينية والبورصة بعد النتيجة، وتراجع مؤشر المخاطر بنحو 40%.
على أثر ذلك أُعيد تشكيل الحكومة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025: استقال رئيس الوزراء غييرمو فرانكوس وخلفه الناطق باسم الرئاسة مانويل أدورني، وتولّى بابلو كيرنو وزارة الخارجية، ودخل دييغو سانتيلي وزارة الداخلية.

2026: إصلاح قانون العمل وتبدّل في القمة
استثمر ميلي كتلته البرلمانية الجديدة في أكبر إصلاح تشريعي منذ التسعينيات. ففي شباط/فبراير 2026 أقرّ الكونغرس «قانون تحديث العمل»: صادق عليه مجلس الشيوخ بـ42 صوتاً مقابل 28 وامتناع اثنين، ثم مجلس النواب في العشرين منه بـ135 مقابل 115. يغيّر القانون نظام تعويضات الفصل من دون سبب، ويفتح الباب أمام تعديل ساعات العمل والإجازات، ويضبط حق الإضراب والتجمّعات داخل أماكن العمل، ويعدّل اقتطاعات النقابات، ويقدّم حوافز لتسجيل العمالة غير الرسمية التي تقارب 40% من سوق العمل، ويتضمّن فصلاً ضريبياً محدوداً. ونُظّم تطبيقه بالمراسيم 406 إلى 409. النقابات تعتبره تفكيكاً لقرنٍ من الحقوق العمالية، والحكومة تعتبره الشرط الأخير لعودة التوظيف الرسمي.
وفي حزيران/يونيو 2026 اهتزّت قمة الحكومة مجدداً: استقال رئيس الوزراء مانويل أدورني على خلفية تحقيق في إثراءٍ غير مشروع، وعيّن ميلي مكانه دييغو سانتيلي، وهو رابع رئيس وزراء في أقل من ثلاث سنوات. أما نائبة الرئيس فيكتوريا فيلاروِيل فقد قطعت الرئاسة علاقتها بها عملياً بعد خلافات متراكمة منذ 2024، وأعلن ميلي أن القطيعة «بلا رجعة»، على أن يختار نائباً آخر لبطاقته في انتخابات 2027.
وعلى صعيد الرأي العام، تُظهر استطلاعات صيف 2026 صورةً منقسمة: تأييد يراوح بين 34% و38%، ورفض بين 58% و62%، مع تحسّن طفيف في آب/أغسطس بعد أشهر من التراجع.

سياسة خارجية على محور واشنطن والقدس
أعاد ميلي رسم البوصلة الخارجية للأرجنتين منذ يومه الأول: ألغى انضمام بلاده إلى مجموعة «بريكس» الذي كان مقرّراً مطلع 2024، وتقدّم بطلب لتصبح الأرجنتين شريكاً عالمياً لحلف شمال الأطلسي، وربط مصير البلاد بالولايات المتحدة — ثمانية لقاءات على الأقل مع الرئيس دونالد ترامب، وخط المبادلة مع الخزانة الأميركية، ومظلة سياسية واضحة.
وفي المقابل بنى علاقة استثنائية مع إسرائيل: زار القدس ووقّع في حزيران/يونيو 2025 مذكرة «الديمقراطية والحرية» مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتعهّد بنقل سفارة بلاده إلى القدس، والتقى نتنياهو مجدداً في نيسان/أبريل 2026. ويهتمّ ميلي شخصياً بالدراسات اليهودية ويتحدّث عن قرب من التوراة، وإن بقي كاثوليكي المولد. هذا الانحياز جعل موقف بوينس آيرس من الحرب على غزة أحد أكثر المواقف اللاتينية تأييداً لإسرائيل، وأثار انتقادات واسعة من الجاليات العربية والمنظمات الحقوقية في الأرجنتين، فيما حافظت البلاد على علاقاتها التجارية مع الدول العربية وعلى موقعها كأحد أكبر مورّدي اللحوم والحبوب إليها.
أما العلاقة مع الجيران فمتوترة أيديولوجياً وعملية اقتصادياً: خلافات علنية مع البرازيل وكولومبيا وتشيلي، مع بقاء ميركوسور واتفاقها مع الاتحاد الأوروبي على الطاولة، وزيارات إلى الحلفاء الأقرب مثل الإكوادور والسلفادور والمجر وإسرائيل والولايات المتحدة.


مالفيناس تعود إلى الواجهة
في مطلع أيلول/سبتمبر 2026 فتح ميلي جبهةً لم تكن متوقّعة من رئيس بهذا القرب من لندن وواشنطن: ملف جزر مالفيناس (فوكلاند). ففي خطاب متلفز قال إن على الأرجنتين «استعادة» الجزر وألّا تقف مكتوفة، وأعلن حزمة إجراءات ضد مشروع «سي لايون» النفطي شمال الأرخبيل. ووقّع في الثالث من الشهر المرسوم 868/2026 الذي يسرّع تطبيق القانون 26659 المانع للتنقيب في الجرف القاري الأرجنتيني دون إذن، ويوسّع العقوبات لتشمل المساهمين ومقدّمي الخدمات والمستشارين، وبدأت الخارجية إجراءات عقابية بحق 45 شخصاً وكياناً.
تراجعت أسهم الشركتين المشغّلتين للمشروع — «نافيتاس بتروليوم» و«روكهوبر» — بنسب تراوحت بين 6% و12%، لكنهما أعلنتا المضيّ في الاستثمار وبدء الإنتاج عام 2028. وجاء التصعيد بعد أيام من امتناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تأكيد دعم واشنطن لبريطانيا في أي نزاع مقبل حول الجزر، وهو ما قرأه مراقبون في بوينس آيرس نافذةً سياسية.

ما الذي تغيّر فعلياً لمن يعيش في الأرجنتين
الدولار: انتهى عملياً عهد «الدولار الأزرق» والفروق الكبيرة بين الأسعار؛ صار شراء العملة متاحاً في المصارف وتقلّص الفارق مع السوق الموازية إلى نسب صغيرة، وهو ما يهمّ كل من يحوّل أو يستقبل أموالاً من الخارج.
الأسعار والاستيراد: تحرير الاستيراد خفّض أسعار الأجهزة والإلكترونيات والملابس المستوردة، بينما ارتفعت أسعار الخدمات المدعومة سابقاً: الكهرباء والغاز والنقل والإيجارات والتأمين الصحي الخاص، وهي بنود صارت تلتهم حصة أكبر من دخل الأسرة.
الإيجارات: بعد إلغاء قانون الإيجارات في أواخر 2023 تضاعف المعروض من الشقق في بوينس آيرس، وانخفض الإيجار الحقيقي مقارنةً بالتضخم، لكن العقود صارت أقصر وأقل حمايةً للمستأجر.
الهجرة والإقامة: شدّد مرسوم أيار/مايو 2025 شروط الإقامة والتجنيس: إقامة متواصلة أطول، وإثبات دخل مشروع، وسجل جنائي نظيف، وإمكانية تحصيل تكلفة الخدمات الصحية العامة من الأجانب غير المقيمين، مع إنشاء وكالة وطنية للهجرة. وهو أكثر ما يعني الوافدين الجدد من العرب وغيرهم.
العمل: إصلاح 2026 يغيّر قواعد الفصل والتعويض وساعات العمل، ويؤثر مباشرةً على أصحاب المحال والمطاعم والمشاريع الصغيرة في الجالية، سواء كأرباب عمل أو كعاملين.
ما ينتظر ميلي حتى 2027
أمام الرئيس عامٌ ونيّف حتى انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2027، وثلاثة اختبارات كبرى: أن يُنزل التضخم من خانة الثلاثين بالمئة إلى خانة الآحاد، وأن يراكم احتياطيات كافية لسداد نحو 17 مليار دولار من التزامات 2026 وما يليها دون الاعتماد على واشنطن، وأن يحوّل النمو الإحصائي إلى تحسّن ملموس في الأجور والتشغيل قبل أن ينفد صبر ناخبيه.
وفي المقابل، تبقى ثلاث نقاط ضعف قائمة: أقلية برلمانية تحتاج إلى تحالفات في كل تصويت، وملفات قضائية تلاحق دائرته الضيقة، وشعبية تدور حول الثلث. أما هو فقد أعلن نيّته الترشّح لولاية ثانية، بنائبٍ جديد لم يكشف اسمه بعد.
نُحدِّث هذا الملف في «أخبار الأرجنتين» كلما استجدّ ما يستحق التسجيل.
المصادر: المعهد الوطني للإحصاء والتعداد (INDEC)، البنك المركزي الأرجنتيني، وزارة الاقتصاد، الجريدة الرسمية الأرجنتينية، صندوق النقد الدولي، ووكالات وصحف أرجنتينية ودولية.
الصور: ويكيميديا كومنز — صحافة مجلس الشيوخ الأرجنتيني ومجلس النواب الأرجنتيني والبيت الأبيض ورئاسة جمهورية الإكوادور (ملكية عامة)، الحكومة الأرجنتينية (CC BY 4.0)، كاسا روسادا ورئاسة الأرجنتين (CC BY 2.5 AR)، Elekes Andor (CC BY 4.0)، Gage Skidmore (CC BY-SA 2.0).










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.