البيرونية: الحركة التي صنعها بيرون وإيفا وما زالت تقسم الأرجنتين بعد ثمانين عاماً
البيرونية حركة سياسية أرجنتينية أسّسها خوان دومينغو بيرون في أربعينيات القرن العشرين، تقوم على العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي والسيادة السياسية، وحزبها الرسمي هو الحزب العدالي. يروي هذا الملفّ نشأتها يوم 17 أكتوبر 1945، ودور إيفا بيرون والنقابات، والانقلاب والمنفى، والعودة في 1973، ثمّ بيرونية منعم في التسعينيات والكيرشنرية، وصولاً إلى هزيمة 2023 وحالها اليوم.
في مساء 17 أكتوبر 1945 وقف ضابطٌ في الخمسين من عمره على شرفة الكاسا روسادا أمام عمّالٍ ملؤوا ساحة مايو يطالبون بإطلاق سراحه. ومن تلك الليلة وُلدت حركةٌ ما زالت أكبر قوّة سياسية في البلاد.
ضابطٌ في وزارة العمل
وُلد خوان دومينغو بيرون في بلدة لوبوس في مقاطعة بوينس آيرس يوم 8 أكتوبر 1895، ودخل الجيش شابّاً، وخدم ملحقاً عسكرياً في إيطاليا قبيل الحرب العالمية الثانية. وكان من الضبّاط الذين نفّذوا انقلاب 4 يونيو 1943، فتولّى في الحكومة العسكرية أمانة العمل والرعاية، ثمّ صار وزيراً للحرب ونائباً لرئيس الجمهورية.
ومن مكتبه في أمانة العمل بنى بيرون علاقةً وثيقة بالنقابات: فدعم الإضرابات والمفاوضات الجماعية، وأقرّ للعمّال حقوقاً لم تكن معروفة لأكثرهم، منها الإجازة المدفوعة والتعويض عن الفصل والمعاشات ومحاكم العمل، ونظاماً خاصّاً لعمّال الأرياف. فاكتسب شعبيةً واسعة بين العمّال، وعداءً متزايداً من أرباب العمل ومن ضبّاطٍ في الجيش نفسه.
17 أكتوبر 1945
في 9 أكتوبر 1945 أجبره خصومه في الجيش على الاستقالة من كلّ مناصبه، ثمّ احتُجز في جزيرة مارتين غارسيا في نهر لا بلاتا. وفي 17 أكتوبر 1945 زحف عشرات الآلاف من العمّال من الضواحي الصناعية جنوب بوينس آيرس إلى ساحة مايو، وبقوا فيها حتّى أطلقت الحكومة سراحه، فخطب فيهم من شرفة الكاسا روسادا قرابة منتصف الليل.
صار ذلك اليوم عيد الحركة، ويسمّيه البيرونيون «يوم الولاء». وبعد أيّامٍ تزوّج بيرون الممثّلة إيفا دوارتي، وسمّى خصومه أنصاره «ذوي الأقمصة المنزوعة» (descamisados) استهزاءً، فتبنّى بيرون الاسم وصار يخاطبهم به. وخاض انتخابات 24 فبراير 1946 مرشّحاً لحزب العمّال الذي أسّسته النقابات، ففاز بالرئاسة بنحو 53% من الأصوات، وتولّاها في 4 يونيو 1946.

إيفيتا
صارت إيفا بيرون، التي يسمّيها الأرجنتينيون «إيفيتا»، أشهر وجوه الحركة بعد بيرون نفسه. وكانت قد وُلدت في 1919 في أسرةٍ فقيرة في ريف مقاطعة بوينس آيرس، وانتقلت إلى العاصمة شابّةً لتعمل في الإذاعة والسينما. وفي الحكم أدارت مؤسّسةً خيرية باسمها بنت المستشفيات والمدارس ودور المسنّين ووزّعت المساعدات، وكانت تستقبل الناس في مكتبها يومياً.
ودعمت إيفا قانون تصويت النساء الذي صدر في 1947، وأسّست «الحزب البيروني النسائي». وفي 1951 طالبتها النقابات بالترشّح لمنصب نائب الرئيس، لكنّها أعلنت تخلّيها عن الترشّح في أغسطس من ذلك العام وهي مريضة. وتوفّيت بالسرطان في 26 يوليو 1952 عن 33 عاماً، فخرجت جنازتها في حشودٍ ضخمة، وصارت صورتها رمزاً يرفعه البيرونيون إلى اليوم، بينما رأى فيها خصومها رمزاً لتقديس الأشخاص في عهد بيرون.

الرايات الثلاث والنقابات
لخّص بيرون عقيدته، التي سمّاها «العدالية» (Justicialismo)، في ثلاث «رايات»: العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي والسيادة السياسية. وقدّمها طريقاً ثالثاً بين الرأسمالية والشيوعية. وفي عهده الأول أمّمت الدولة السكك الحديدية والهاتف وخدماتٍ أخرى، وسدّدت الدين الخارجي، ووسّعت الصناعة، ورفعت نصيب الأجور من الدخل الوطني.
وكانت النقابات «العمود الفقري» للحركة كما قال بيرون، وعلى رأسها الاتحاد العام للعمّال (CGT) الذي تضاعف عدد أعضائه في تلك السنوات. وفي المقابل يذكر المؤرّخون أنّ حكومته ضيّقت على الصحافة المعارضة، وسجنت معارضين، وفرضت على المدارس والدوائر الحكومية تمجيد الرئيس وزوجته. وفي 1949 أقرّت دستوراً جديداً يسمح بإعادة انتخاب الرئيس، ففاز بيرون بولايةٍ ثانية في نوفمبر 1951 بنحو 62% من الأصوات، وهي أول انتخاباتٍ رئاسية صوّتت فيها النساء.
وللحركة نشيدٌ يُعرف باسم «المسيرة البيرونية»، يردّده أنصارها في التجمّعات إلى اليوم، ولها نصٌّ مختصر لمبادئها أعلنه بيرون في 1950 باسم «الحقائق العشرون»، ومنها أنّ «لا يوجد في الأرجنتين إلا طبقةٌ واحدة من الناس: الذين يعملون». ويستشهد بهذه النصوص بيرونيون من تيّاراتٍ متباعدة، كلٌّ بحسب ما يراه جوهر الحركة.

انقلاب 1955 والمنفى
اشتدّ الخلاف في الولاية الثانية بين بيرون والكنيسة الكاثوليكية وجزءٍ من الجيش، مع أزمةٍ اقتصادية. وفي 16 يونيو 1955 قصفت طائراتٌ تابعة للبحرية ساحة مايو في محاولة انقلابٍ فاشلة قُتل فيها أكثر من 300 شخص، معظمهم مدنيّون. وفي ليلة ذلك اليوم أُحرقت كنائس عدّة في وسط العاصمة.
ثمّ أطاح انقلابٌ عسكري سمّى نفسه «الثورة المحرِّرة» بيرون في سبتمبر 1955، فغادر البلاد. وحُلّ الحزب البيروني، وصدر في 1956 مرسومٌ يمنع حتّى ذكر اسم بيرون واستعمال رموز الحركة، وأُعدم عسكريّون ومدنيّون بعد محاولة تمرّدٍ بيرونية في يونيو من تلك السنة. وظلّت البيرونية ممنوعةً من خوض الانتخابات باسمها ثمانية عشر عاماً.

ثمانية عشر عاماً من البعد
تنقّل بيرون في منفاه بين الباراغواي وبنما وفنزويلا وجمهورية الدومينيكان، ثمّ استقرّ منذ 1960 في مدريد. ومن هناك ظلّ يقود الحركة بالرسائل والتسجيلات الصوتية والمبعوثين، وكان البيرونيون في الداخل يدعمون مرشّحين آخرين أو يصوّتون بورقةٍ بيضاء احتجاجاً على المنع.
وفي تلك السنوات تنوّعت الحركة كثيراً: نقاباتٌ تفاوض الحكومات العسكرية وتضغط عليها، وتيّاراتٌ يمينية، ومنظّماتٌ شبابية يسارية حمل بعضها السلاح، أشهرها «المونتونيروس». وكان كلّ تيّارٍ يرى نفسه ممثّلاً لبيرون، وبيرون من بعيدٍ يوازن بينها.

العودة والموت
سمحت الحكومة العسكرية في أوائل السبعينيات بعودة البيرونية إلى الانتخابات، فعاد بيرون إلى الأرجنتين زيارةً في 17 نوفمبر 1972. وفي مارس 1973 فاز مرشّحه هيكتور كامبورا بالرئاسة، ثمّ استقال بعد أقلّ من شهرين لتُجرى انتخاباتٌ جديدة. وفي يوم عودة بيرون النهائية، 20 يونيو 1973، اشتبكت قرب مطار إيزيسا جماعاتٌ بيرونية يمينية ويسارية بالسلاح وسقط قتلى، فكشفت الحادثة عمق الانقسام داخل الحركة.
وفي 23 سبتمبر 1973 انتُخب بيرون رئيساً للمرّة الثالثة بنحو 62% من الأصوات، وكانت زوجته الثالثة ماريا إستيلا مارتينيث، المعروفة بإيزابيل، نائبةً له. غير أنّ صحّته كانت متدهورة، فتوفّي في 1 يوليو 1974 عن 78 عاماً.

إيزابيل وانقلاب 1976
تولّت إيزابيل بيرون الرئاسة بعد وفاة زوجها، فكانت أوّل امرأة تحكم الأرجنتين. وشهد عهدها عنفاً سياسياً متصاعداً بين جماعاتٍ يسارية مسلّحة ومنظّمةٍ يمينية شبه عسكرية عُرفت باسم «التحالف الأرجنتيني المناهض للشيوعية»، مع أزمةٍ اقتصادية حادّة بلغت ذروتها في صدمة يونيو 1975 الاقتصادية.
وفي 24 مارس 1976 أطاحها انقلابٌ عسكري واحتُجزت سنواتٍ ثمّ انتقلت إلى إسبانيا. وفي 1983، مع عودة الديمقراطية، خسر البيرونيون أوّل انتخاباتٍ رئاسية حرّة يخوضونها دون بيرون أمام الراديكالي راؤول ألفونسين، وكانت تلك أوّل هزيمةٍ للحركة في انتخاباتٍ رئاسية مفتوحة.

منعم وبيرونية التسعينيات
عاد البيرونيون إلى الحكم مع كارلوس منعم، حاكم مقاطعة لا ريوخا، الذي فاز في 1989 وحكم عشر سنوات. لكنّه سار في طريقٍ بعيد عن تقاليد الحركة: فباع الشركات الحكومية التي أمّمها بيرون، وربط البيسو بالدولار، وفتح الاقتصاد على الاستيراد، وتقارب مع الولايات المتحدة.
وأصدر منعم في 1989 و1990 قرارات عفوٍ شملت قادة الحكومة العسكرية الذين حوكموا في 1985 وقادةً من الجماعات المسلّحة، وقال إنّ هدفه طيّ صفحة الماضي، بينما احتجّت منظّمات حقوق الإنسان على ذلك بشدّة. ثمّ عدّل الدستور في 1994 بالاتفاق مع ألفونسين، فأُعيد انتخابه في 1995 بنحو 50% من الأصوات.
يرى مؤيّدو منعم أنّه أنهى التضخم المفرط وحدّث البلاد، ويرى منتقدوه من داخل البيرونية وخارجها أنّه تخلّى عن «الرايات الثلاث» وترك وراءه بطالةً واسعة وديناً كبيراً. وتدلّ تلك المرحلة على صفةٍ يكرّرها دارسو البيرونية: أنّها تتّسع لسياساتٍ متعاكسة ما دامت تحمل اسم بيرون وتحتفظ بقاعدتها الشعبية والنقابية.

الكيرشنرية
بعد أزمة 2001 تولّى البيروني إدواردو دوهالدي الرئاسة مؤقّتاً، ثمّ فاز نيستور كيرشنر، حاكم مقاطعة سانتا كروث، في 2003 بنحو 22% فقط من الأصوات بعد انسحاب منعم من الجولة الثانية. وعاد كيرشنر بالحركة إلى خطابٍ قريب من بيرونية الأربعينيات: دورٌ أكبر للدولة في الاقتصاد، وإعادة تأميم شركاتٍ وصناديق تقاعد، ومساعداتٌ اجتماعية واسعة، وإعادة فتح محاكمات العسكريين عن جرائم الحكومة العسكرية.
وخلفته زوجته كريستينا فرنانديث دي كيرشنر التي حكمت ولايتين بين 2007 و2015. وعُرف تيّارهما باسم «الكيرشنرية»، وصار في هذه السنوات أقوى تيّارات البيرونية وأكثرها إثارةً للخلاف: فأنصاره يذكرون نموّ الاقتصاد وتوسيع الحقوق الاجتماعية، وخصومه يذكرون التضخم وتدخّل الحكومة في أرقام الإحصاء وقضايا الفساد. وعاد البيرونيون إلى الحكم بين 2019 و2023 مع ألبرتو فرنانديث رئيساً وكريستينا نائبةً له.
وبين المرحلتين خسر البيرونيون الرئاسة في 2015، حين هُزم مرشّحهم دانيال سيولي في الجولة الثانية أمام ماوريسيو ماكري بفارقٍ يقلّ عن ثلاث نقاط. ولم تكن العلاقة بين الكيرشنرية وبقيّة البيرونية هادئة: فقد ترشّح بيرونيون آخرون ضدّ مرشّحيها أكثر من مرّة، ومنهم سيرخيو ماسا الذي انشقّ عنها في 2013 ثمّ عاد إلى التحالف معها في 2019. وفي عهد ألبرتو فرنانديث ظهر الخلاف علناً بين الرئيس ونائبته حول التضخم والاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

الحزب العدالي وهزيمة 2023
الإطار الرسمي للحركة هو الحزب العدالي (Partido Justicialista)، وريث الحزب البيروني الذي أسّسه بيرون في 1947، وشعاره يدان متصافحتان. لكنّ البيرونيين يخوضون الانتخابات عادةً في تحالفاتٍ أوسع تتغيّر أسماؤها: «جبهة النصر» في عهد كيرشنر، ثمّ «جبهة الجميع» في 2019، ثمّ «الاتحاد من أجل الوطن» في 2023، ثمّ «قوّة الوطن» في 2025.
وفي 19 نوفمبر 2023 خسر مرشّح البيرونيين، وزير الاقتصاد سيرخيو ماسا، الجولة الثانية أمام خافيير ميلي بنحو 44% مقابل 56%، في واحدةٍ من أثقل هزائم الحركة. وفي ديسمبر 2024 انتُخبت كريستينا فرنانديث دي كيرشنر رئيسةً للحزب، ثمّ أيّدت المحكمة العليا في يونيو 2025 حكماً بسجنها ستّ سنوات ومنعها من تولّي المناصب العامّة في قضيةٍ تتعلّق بعقود الطرق، فصارت تقضي العقوبة في بيتها. ويقول أنصارها إنّها ملاحقةٌ سياسية، وتقول المحاكم إنّ الأدلّة أثبتت الفساد.
وتعيش البيرونية اليوم نقاشاً حول قيادتها ووجهتها. فقد فاز تحالفها بانتخابات مقاطعة بوينس آيرس في سبتمبر 2025 بقيادة حاكمها أكسيل كيسيلوف، ثمّ حلّ ثانياً في الانتخابات التشريعية الوطنية في أكتوبر 2025 بنحو 31.7% من الأصوات. ويبقى الحزب، بحكّامه ونقاباته ونوّابه، القوّة المعارضة الكبرى في البلاد.
وتأتي قوّة البيرونية الانتخابية في الغالب من الضواحي العمّالية حول بوينس آيرس ومن مقاطعات الشمال الأفقر، بينما يضعف حضورها في مدينة بوينس آيرس وفي قرطبة ومندوسا. ويحكم البيرونيون عدداً من المقاطعات، ولحكّامها كلمةٌ كبيرة في اختيار مرشّحي الحركة، كما يبقى للاتحاد العام للعمّال وللحركات الاجتماعية في الأحياء الفقيرة دورٌ في الشارع وفي التفاوض مع الحكومات.










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.