باتاغونيا: الجنوب الأرجنتيني بين الرياح والجليد والنفط وتاريخ الشعوب الأصلية
باتاغونيا هي الإقليم الجنوبي الواسع من أمريكا الجنوبية الذي تتقاسمه الأرجنتين وتشيلي، ويضمّ في الأرجنتين خمس محافظات من نيوكين حتّى تييرا ديل فويغو. يشرح الملفّ حدودها وأصل اسمها، وشعوبها الأصلية وحملة الصحراء، والمستوطنين الويلزيين، والنفط والصوف، والجليد والحياة البرّية والديناصورات، ومدنها السياحية.
يقطع المسافر في باتاغونيا مئات الكيلومترات من السهوب دون أن يرى قرية، ثمّ يجد نفسه فجأةً أمام جبلٍ من الجليد يتساقط في بحيرة، أو أمام بيتٍ يُقدَّم فيه الشاي على الطريقة الويلزية.
أين تبدأ باتاغونيا؟
باتاغونيا هي الطرف الجنوبي من القارّة الأمريكية، يحدّها المحيط الهادئ غرباً والمحيط الأطلسي شرقاً، وتتقاسمها الأرجنتين وتشيلي على جانبي جبال الأنديز. والحدّ الشمالي المعتاد لباتاغونيا الأرجنتينية هو نهر كولورادو، وإن كانت بعض التعريفات تضمّ إليها جنوب محافظتي بوينس آيرس ولا بامبا.
وتضمّ باتاغونيا الأرجنتينية خمس محافظات: نيوكين وريو نيغرو وتشوبوت وسانتا كروز وتييرا ديل فويغو. وتبلغ مساحتها نحو 787 ألف كيلومتر مربّع، أي أكثر من ربع مساحة البلاد القارّية، لكنّ عدد سكّانها لم يتجاوز 2.6 مليون نسمة في تعداد 2022، أي أقلّ من ستّة في المئة من الأرجنتينيين.
والإقليم شريطان مختلفان: في الغرب سفوح الأنديز بغاباتها وبحيراتها وأنهارها الجليدية، وفي الشرق سهوبٌ جافّة مستوية أو متدرّجة في هضاب، تغطّيها الأعشاب القصيرة والشجيرات الشوكية وتنتهي عند الأطلسي بجروفٍ عالية. وبين الشريطين تمتدّ الطريق الوطنية 40، أطول طرق البلاد.

أصل الاسم
في سنة 1520 قضت حملة المستكشف فرديناند ماجلان شتاءها في خليج سان خوليان، على ساحل سانتا كروز اليوم، قبل أن تعبر المضيق الذي سيحمل اسمه. وهناك التقى البحّارة بسكّانٍ محلّيين طوال القامة قياساً إلى الأوروبيين، فسمّوهم «باتاغونيس»، ومنها جاء اسم الأرض كلّها.
ولا يتّفق الباحثون على معنى الكلمة. فالتفسير الشائع يربطها بكلمة «باتا» الإسبانية، أي القدم الكبيرة، كأنّ المعنى «أصحاب الأقدام الكبيرة». ويرى آخرون أنّ ماجلان أخذ الاسم من «باتاغون»، وهو عملاقٌ في روايةٍ إسبانية من روايات الفروسية نُشرت سنة 1512. وأيّاً كان الأصل، فقد ظلّت أوروبا قرنين تتحدّث عن «عمالقة باتاغونيا» استناداً إلى روايات البحّارة المبالِغة.
وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر زار سواحل باتاغونيا العالم البريطاني تشارلز داروين على متن السفينة «بيغل» بقيادة القبطان روبرت فيتز روي، وجمع فيها أحافير وملاحظات أفادته فيما بعد في أبحاثه. ومن تلك الرحلة جاء اسم قناة بيغل في الجنوب، وحمل جبل فيتز روي اسم القبطان.
التيهويلتشي والمابوتشي
عاش البشر في باتاغونيا منذ أكثر من عشرة آلاف سنة. ومن آثارهم «كهف الأيادي» في سانتا كروز، حيث رسم الصيّادون الأوائل مئات الأيدي بالألوان على جدران الصخر قبل نحو تسعة آلاف سنة، وأدرجته اليونسكو في قائمة التراث العالمي سنة 1999.
وكان التيهويلتشي أهل السهوب، صيّادين رُحّلاً يتبعون قطعان الغواناكو، وهو حيوانٌ من فصيلة اللاما، وطيور الريّا التي تشبه النعام. ومع وصول الخيول التي جلبها الإسبان تغيّرت حياتهم وصاروا فرساناً يقطعون مسافات طويلة. وفي أقصى الجنوب، في جزيرة تييرا ديل فويغو، عاشت شعوبٌ أخرى مثل السلكنام واليامانا.
أمّا المابوتشي فأصلهم من الجانب التشيلي من الأنديز، ثمّ عبروا الجبال على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر واستقرّوا في سهول البامبا وشمال باتاغونيا، وامتزجت لغتهم وعاداتهم بلغة السكّان المحلّيين وعاداتهم. وكانت لهم تجارةٌ واسعة في الماشية والخيول تعبر الجبال بين البلدين.

حملة الصحراء
ظلّت معظم أراضي باتاغونيا حتّى أواخر القرن التاسع عشر خارج سيطرة الدولة الأرجنتينية، وكانت الحكومة تسمّيها «الصحراء» مع أنّها كانت مسكونة. وبين 1878 و1885 أرسلت الحكومة حملاتٍ عسكرية عُرفت باسم «حملة الصحراء» أو «غزو الصحراء»، أشهرها حملة 1879 التي قادها وزير الحرب خوليو أرخنتينو روكا، الذي صار رئيساً للبلاد في العام التالي.
بلغ الجيش ضفاف نهر ريو نيغرو في مايو 1879، ثمّ توغّل جنوباً وغرباً حتّى استسلم آخر الزعماء الكبار، فالنتين سايهويكي، في يناير 1885. وقُتل في هذه الحملات وأُسر آلاف من السكّان الأصليين، ونُقل كثيرٌ من الأسرى إلى أماكن بعيدة أو وُزّعوا عمّالاً وخدماً، ووُزّعت الأراضي في قطعٍ واسعة على عددٍ قليل من الملّاك.
وما زالت الحملة موضع خلافٍ في الأرجنتين. فيراها فريقٌ خطوةً ضرورية لبسط سيادة الدولة على أرضها في وقتٍ كانت فيه تشيلي تطالب بجزءٍ من باتاغونيا. ويراها فريقٌ آخر حرب إبادةٍ ضدّ الشعوب الأصلية. وقد انعكس هذا الخلاف في الجدل حول تماثيل روكا وصورته التي كانت مطبوعة على ورقة المئة بيسو.

الويلزيون في وادي تشوبوت
في 28 يوليو 1865 نزل من السفينة «ميموسا» نحو 150 مهاجراً من ويلز على ساحل تشوبوت، في المكان الذي صار مدينة بويرتو مادرين. كانوا يبحثون عن أرضٍ يحافظون فيها على لغتهم وديانتهم بعيداً عن الضغط الإنجليزي في بلادهم، وقد عرضت عليهم الحكومة الأرجنتينية أرضاً في الجنوب الذي كانت تريد تعميره.
كانت السنوات الأولى قاسية، فالأرض جافّة والمحاصيل قليلة، وساعدهم التيهويلتشي بتبادل اللحم والجلود مقابل الخبز. ثمّ حفر المستوطنون قنوات ريٍّ من نهر تشوبوت، فصار الوادي الأسفل أرضاً زراعية، وأسّسوا بلدات رووسون وتريليو وغايمان. وفي أواخر القرن التاسع عشر عبر بعضهم السهوب غرباً حتّى سفوح الأنديز، فأسّسوا مستوطنةً عند ما صار اليوم مدينتي إسكيل وتريفيلين.
وما زالت آثارهم واضحة: كنائس صغيرة من الطوب، ومدارس تُعلَّم فيها اللغة الويلزية، ومهرجانٌ سنوي للشعر والغناء على الطريقة الويلزية يُقام في تريليو، وبيوتٌ في غايمان يقصدها الزوّار لتناول الشاي والكعك الويلزي.

الرياح والصوف
تمنع جبال الأنديز معظم الرطوبة القادمة من المحيط الهادئ، فتسقط الأمطار والثلوج غزيرةً على السفوح الغربية، وتصل الرياح إلى السهوب الشرقية جافّة وقويّة. لذلك يقلّ المطر في معظم الهضاب عن 300 مليمتر في السنة، والرياح الغربية تهبّ معظم أيّام السنة وقد تتجاوز سرعتها مئة كيلومتر في الساعة.
ومنذ ثمانينيات القرن التاسع عشر صارت تربية الأغنام عماد اقتصاد السهوب، وأقيمت مزارع واسعة يملك كثيراً منها مستثمرون من بريطانيا وإسبانيا، ويعمل فيها رعاةٌ قدم بعضهم من اسكتلندا وجزر الفوكلاند. وفي 1920 و1921 أضرب عمّال المزارع في سانتا كروز احتجاجاً على ظروف عملهم، فأرسلت الحكومة الجيش، وقُتل عددٌ كبير من العمّال تتراوح تقديراته بين بضع مئات ونحو 1500، وعُرفت الأحداث باسم «باتاغونيا المتمرّدة».
والرياح نفسها التي تجعل الحياة في السهوب قاسية صارت مورداً اقتصادياً، فباتاغونيا من أنسب مناطق العالم لتوليد الكهرباء من الرياح، وقد أُقيمت في تشوبوت وسانتا كروز مزارع رياح كبيرة في السنوات الأخيرة. أمّا الأغنام فقلّت أعدادها كثيراً عمّا كانت عليه في أوائل القرن العشرين، بسبب تدهور المراعي وتقلّب أسعار الصوف وثوران بعض البراكين التي غطّت المراعي بالرماد.
النفط من كومودورو ريفادافيا إلى فاكا مويرتا
في 13 ديسمبر 1907 كان عمّالٌ يحفرون بئراً بحثاً عن الماء قرب بلدة كومودورو ريفادافيا في تشوبوت، فخرج النفط بدل الماء. وكان ذلك بداية صناعة النفط في الأرجنتين، وأُسّست بعده بخمس عشرة سنة شركة النفط الحكومية «واي بي إف» سنة 1922، وهي من أوائل شركات النفط الحكومية في العالم.
وفي القرن الحادي والعشرين انتقل مركز الثقل إلى فاكا مويرتا، وهي طبقةٌ صخرية غنيّة بالنفط والغاز الصخريين تمتدّ على نحو 30 ألف كيلومتر مربّع، معظمها في محافظة نيوكين. وتُعدّ من أكبر مخزونات النفط والغاز الصخريين في العالم، وبدأ استغلالها على نطاقٍ واسع في العقد الثاني من القرن.
ومع نموّ الإنتاج فيها صار أكثر من نصف نفط الأرجنتين يأتي منها، وسجّلت البلاد سنة 2024 فائضاً في ميزانها التجاري للطاقة لأوّل مرّة منذ أكثر من عقد. وتبني الحكومة والشركات أنابيب جديدة لنقل الغاز والنفط إلى الموانئ، فيما تحذّر جماعاتٌ بيئية ومجتمعاتٌ من المابوتشي في المنطقة من آثار التكسير الهيدروليكي على المياه والأرض.

أنهار الجليد
في جنوب سانتا كروز يمتدّ «حقل الجليد الباتاغوني الجنوبي»، وهو من أكبر مساحات الجليد في العالم خارج المناطق القطبية، وتنحدر منه عشرات الأنهار الجليدية نحو البحيرات. ويحمي معظمها منتزه لوس غلاسياريس الوطني الذي أدرجته اليونسكو في قائمة التراث العالمي سنة 1981.
وأشهر هذه الأنهار نهر بيريتو مورينو الجليدي، وتمتدّ واجهته نحو خمسة كيلومترات على بحيرة «لاغو أرخنتينو»، ويرتفع جداره نحو 60 متراً فوق سطح الماء. ويقصده الزوّار لمشاهدة كتل الجليد وهي تنفصل عنه وتسقط في البحيرة. ويحمل اسم المستكشف فرانثيسكو مورينو، الذي لُقّب بـ«الخبير» لدوره في ترسيم الحدود مع تشيلي.
وفي شمال المنتزه تقع بلدة إل تشالتين عند سفح جبل فيتز روي، الذي يبلغ ارتفاعه 3405 أمتار، وهو جبلٌ من الصخر الحادّ اشتهر بين المتسلّقين لصعوبته، وكان سكّان المنطقة الأصليون يسمّونه «تشالتين»، أي الجبل الذي يدخّن، لأنّ الغيوم تلتفّ حول قمّته.

الحيتان والبطاريق
على ساحل تشوبوت تمتدّ شبه جزيرة فالديس، التي أدرجتها اليونسكو في قائمة التراث العالمي سنة 1999 لحياتها البحرية. فمن يونيو إلى ديسمبر تأتي الحيتان الصائبة الجنوبية إلى خلجانها الهادئة لتلد وترضع صغارها، ويمكن مشاهدتها من القوارب بل من الشاطئ أحياناً. وتعيش على سواحلها مستعمرات من فقمات الفيل وأسود البحر، وتشتهر شواطئها الشمالية بحيتان الأوركا التي تندفع إلى الرمل لتصطاد صغار أسود البحر.
وإلى الجنوب منها تقع بونتا تومبو، حيث تتكاثر مئات الآلاف من طيور البطريق الماجلّاني كلّ سنة بين سبتمبر وأبريل، وهي من أكبر مستعمرات هذا النوع في أمريكا الجنوبية. وفي البرّ تعيش قطعان الغواناكو والريّا والثعالب وطيور كثيرة، ويرى المسافر على الطريق الغواناكو قافزاً فوق الأسلاك.


أرض الديناصورات
صخور باتاغونيا من أغنى مواقع العالم بأحافير الديناصورات. ففي نيوكين عُثر على بقايا أرجنتينوصور، الذي وُصف سنة 1993 ويُعدّ من أضخم الحيوانات التي مشت على الأرض، وعلى بقايا جيجانوتوصور، وهو من أكبر الديناصورات آكلة اللحوم، وقد عثر عليه هاوٍ للأحافير قرب بلدة إل تشوكون سنة 1993.
وفي تشوبوت اكتُشفت سنة 2012 عظام ديناصورٍ عملاق من آكلات النبات سُمّي باتاغوتيتان، ووُصف علمياً سنة 2017، ويقدّر طوله بنحو 37 متراً. وتُعرض نسخٌ من هيكله ومن أحافير أخرى في متحف إيخيديو فيروليو للحفريات في مدينة تريليو، وهو من أهمّ متاحف الحفريات في أمريكا الجنوبية.

أوشوايا ومدن السياحة
أوشوايا عاصمة محافظة تييرا ديل فويغو، تقع على قناة بيغل بين الجبال والبحر، ويقدّمها أهلها على أنّها «مدينة نهاية العالم» لأنّها من أقرب المدن إلى القطب الجنوبي. أُسّست سنة 1884 مركزاً بحرياً صغيراً، ثمّ ارتبط نموّها بسجنٍ كبير بنته الدولة بأيدي السجناء ابتداءً من 1902 وظلّ يعمل حتّى أُغلق سنة 1947، وصار مبناه اليوم متحفاً. ومن ميناء أوشوايا تنطلق معظم الرحلات السياحية البحرية إلى القارّة القطبية الجنوبية.
وفي الشمال الغربي من باتاغونيا تقع باريلوتشي على بحيرة ناويل وابي، وهي أكبر مدن المنطقة السياحية، تشتهر بالتزلّج في الشتاء وبمصانع الشوكولاتة وبالبيوت الخشبية والحجرية التي تذكّر بجبال الألب. ويحيط بها منتزه ناويل وابي، أقدم المنتزهات الوطنية في الأرجنتين، الذي أُنشئ رسمياً سنة 1934 على أرضٍ تبرّع بها فرانثيسكو مورينو للدولة.
ويقصد الزوّار أيضاً بلدة إل تشالتين للمشي في الجبال، وبلدة إل كالافاتي القريبة من نهر بيريتو مورينو الجليدي، وبويرتو مادرين لمشاهدة الحيتان. ويبقى عامل المسافات حاسماً في أيّ رحلة، فبين بعض هذه المدن أكثر من ألفي كيلومتر، ولذلك يعتمد أغلب الزوّار على الطيران الداخلي.











التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.