المابوتشي: «أهل الأرض» أكبر الشعوب الأصلية في الأرجنتين
المابوتشي أكبر الشعوب الأصلية عدداً في تشيلي والأرجنتين، ويعني اسمهم «أهل الأرض». يتركّزون في الأرجنتين في أقاليم نيوكين وريو نيغرو وتشوبوت وبوينس آيرس، وعرّف 145,783 شخصاً أنفسهم بأنهم منهم في تعداد 2022. قاوموا الإسبان في حرب أراوكو، وبسطوا ثقافتهم ولغتهم على البامبا وباتاغونيا، ثم أخضعتهم تشيلي والأرجنتين في أواخر القرن التاسع عشر، وما زالت مطالبهم بالأرض والاعتراف قائمة.
صدّ المابوتشي غزو الإمبراطورية الإسبانية أكثر من ثلاثة قرون، ثم خسروا معظم أرضهم في حملة الصحراء، وما زالوا اليوم أكبر شعب أصلي في الأرجنتين.
من هم المابوتشي
المابوتشي Mapuche أكبر الشعوب الأصلية عدداً في تشيلي والأرجنتين. واسمهم في لغتهم مركّب من «مابو» أي الأرض أو البلاد، و«تشي» أي الإنسان أو الناس، فمعناه «أهل الأرض». وقد سمّاهم الإسبان «الأراوكانيين» نسبةً إلى منطقة أراوكو التاريخية، وهي تسمية يرفضها المابوتشي لأنها اسم أطلقه عليهم أعداؤهم. ويسمّون الأوروبيين وأحفادهم «وينكا».
يشمل اسم المابوتشي كل الجماعات التي تكلّمت أو تتكلّم لغتهم، ومنها جماعات نشأت من انتشار ثقافتهم في سهول البامبا وباتاغونيا بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويعرّف المابوتشي جماعاتهم بحسب الجغرافيا: فـ«البويلتشي» أهل الشرق في البامبا وباتاغونيا، و«البيكونتشي» أهل الشمال، و«الويليتشي» أهل الجنوب، و«البيوينتشي» أهل شجرة الأروكاريا، و«اللافكينتشي» أهل الساحل.
لغتهم المابودونغون Mapudungun، أي «كلام الأرض»، ويُعدّها اللغويون لغة معزولة لم يثبت انتماؤها إلى أيّ عائلة لغوية. وقد قدّر عالم اللغة لايل كامبل عام 1991 عدد متكلّميها في الأرجنتين بنحو 100 ألف، وكذلك قُدّر عددهم فيها عام 2000.
في الأرجنتين عرّف 145,783 شخصاً أنفسهم بأنهم من المابوتشي في تعداد 2022، وكان تعداد 2010 قد أحصى 205,009. وفي تشيلي، حيث يعيش أغلبهم، بلغ عددهم 1,623,073 في تعداد 2024. وتقدّر جماعات المابوتشي في الأرجنتين عددها بأكبر من الأرقام الرسمية، وقد انتقد ممثّلوها تصميم تعداد 2001 لأنه لم يضمن مشاركة كافية للشعوب الأصلية.
أين يعيشون: الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -39.9506, -71.0694. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
أين يعيشون في الأرجنتين
المابوتشي أكبر شعب أصلي في الأرجنتين. وفي تعداد 2010 توزّعوا أساساً على ريو نيغرو (39,869) ونيوكين (39,634) وداخل إقليم بوينس آيرس (36,706) وتشوبوت (31,771) وضواحي بوينس آيرس الكبرى (21,041) ومدينة بوينس آيرس (6806) ومندوسا (6132) وقرطبة (4973) وسانتا كروس (4408) ولا بامبا (4261). وقد تحوّل أكثرهم إلى سكّان مدن بعد هجرة الأجيال الشابة من القرى.
في إقليم نيوكين تجمع «الكونفدرالية المابوتشية النيوكينية»، التي أُسّست عام 1970، الجماعات الريفية، وتُنتخب سلطاتها في «تراون» أي برلمان كل سنتين. وتنتشر جماعاتهم في مقاطعات ألومينيه وكاتان ليل وكولون كورا وكونفلوينسيا وويليتشيس ولاكار ولونكوبويه وسابالا وغيرها. ولهم حضور مهمّ في منتزه لانين الوطني، حيث يعيش بين 2500 و3000 شخص في سبع جماعات على نحو 24 ألف هكتار يعدّونها أرضهم، ومن هذه الجماعات كوروويينكا وكايون وكانيكول.
وفي ريو نيغرو تنضوي الجماعات في «منسّقية برلمان شعب المابوتشي في ريو نيغرو»، ومنها جماعات ريفية وحضرية كثيرة، بينها «المركز المابوتشي في باريلوتشي» وجماعات في لوس مينوكوس وسييرا كولورادا وفيدما. وفي تشوبوت تتركّز جماعات في مقاطعتي كوشامين وفوتاليوفو، إلى جانب جماعات مختلطة تسمّي نفسها «مابوتشي-تيويلتشي». وفي سانتا كروس جماعات في لاس إيراس، وجماعات حضرية مختلطة في كاليتا أوليفيا وريو غاييغوس وريو توربيو وبويرتو سانتا كروس.
وفي إقليم بوينس آيرس، في بلدتي لوس تولدوس وروخاس غرب العاصمة، جماعة من أحفاد الزعيم إغناسيو كوليكيو الذي حصل مع قبيلته على أرض. وقد تراجعت فيها بعض الطقوس، لكنها بدأت مسيرة لاستعادة جذورها، وإحدى مدارسها الابتدائية الثلاث تدرّس لغة المابوتشي. وهناك أيضاً جماعات معترف بها في أولافاريا وخونين وباهيا بلانكا وباتاغونيس، وفي مندوسا جماعات من البيوينتشي في مالارغوي، وفي سانتا في جماعة في مدينة روساريو.

قبل الإسبان وفي وجه غزوهم
تُظهر الاكتشافات الأثرية أنّ ثقافة المابوتشي وُجدت منذ ما بين 600 و500 قبل الميلاد. وعلى الجانب الشرقي من الأنديز، في إقليم نيوكين، عُثر على فخّار من طراز «بيترين» وعلى دفن لامرأة في قارب محفور من جذع واحد يعودان إلى القرن الثاني عشر، وأُرّخ فخّار من الطراز نفسه بالقرن ذاته في ريو مانسو بإقليم ريو نيغرو. وقد بلغت قوات الإنكا نهر ماولي وقاتلت المابوتشي هناك، فنجا معظمهم من حكمها. وعند وصول الإسبان كان أكبر تجمّع سكاني أصلي بين نهر إيتاتا وجزيرة تشيلوي، وهو قلب أرض المابوتشي.
في 1536 اعترضت جموع من المابوتشي حملة دييغو دي ألماغرو بعد عبورها نهر إيتاتا، فانسحب إلى البيرو في العام التالي. وفي 1541 أسّس بيدرو دي فالديفيا مدينة سانتياغو، وقاد الزعيم ميتشيمالونكو مقاومة البيكونتشي بين 1541 و1545. وبين 1550 و1553 أسّس الإسبان مدناً في أرض المابوتشي، فاندلعت حرب أراوكو، وهي صراع متقطّع دام قرابة 350 عاماً. وزاد العداء أنّ المابوتشي رفضوا في معظمهم العمل القسري لدى الإسبان.
في 1553 اختار المابوتشي «كاوبوليكان» توكياً ونائبه «لاوتارو»، الذي كان قد خدم مساعداً في فرسان الإسبان فأنشأ أول فرقة فرسان للمابوتشي. وهاجم لاوتارو حصن توكابيل بستة آلاف محارب، وقُتل الحاكم فالديفيا وجيشه في معركة توكابيل، ثم دمّر لاوتارو مدينة كونسيبسيون مرّتين، إلى أن هُزم وجيشه في معركة ماتاكيتو عام 1557.
وفي 1598 نصب محاربون بقيادة بيلانتارو كميناً للحاكم مارتين غارسيا أونييس دي لويولا وجنوده في معركة كورالابا، فقُتل الإسبان جميعاً تقريباً. وتلت ذلك انتفاضة عامّة دُمّرت فيها المدن الإسبانية جنوب نهر بيوبيو أو هُجرت، فتحرّرت الأرض جنوب النهر، عدا أرخبيل تشيلوي، من الحكم الإسباني، وبقيت الحدود ثابتة طوال الحكم الإسباني. ومنذ منتصف القرن السابع عشر أُقيمت حدود وعُقدت اتفاقات سلام دورية تُسمّى «البرلمانات».
ودفع المابوتشي ثمناً باهظاً: فالحروب والأوبئة ومناجم الذهب الإسبانية أهلكت أعداداً كبيرة. ويقدّر المؤرّخ خوسيه بينغوا أنّ وباء التيفوس بين 1553 و1557 قتل نحو 300 ألف من المابوتشي، وأنّ الجدري بين 1561 و1563 قتل 100 ألف آخرين. وفي الشمال أدّى نظام «الإنكومييندا»، أي تسخير السكان الأصليين للعمل لدى المستوطنين، مع الأمراض والحروب، إلى اندثار البيكونتشي واندماجهم في المجتمع الإسباني.

الانتشار في البامبا وباتاغونيا
في الفترة التي بقيت فيها الحدود مع الإسبان ثابتة عبر المابوتشي الأنديز شرقاً إلى ما يُعرف اليوم بأقاليم تشوبوت ونيوكين ولا بامبا وبوينس آيرس وريو نيغرو، ويسمّون هذه الأرض الشرقية «بويل مابو» أي «أرض الشرق». ويختلف المؤرّخون في تحديد زمن هذا التوسّع، لكنهم يقدّرونه بين 1550 و1850 تقريباً.
بدأ هذا الانتشار سلمياً قبل منتصف القرن الثامن عشر في أسواق «الكايرو» و«تشاباليوفو» بإقليم بوينس آيرس الحالي، التي سمّاها اليسوعيون «أسواق البونشو»، حيث تبادلت شعوب البامبا وباتاغونيا وجانبي الأنديز الماشية والمنتجات الزراعية والملابس. ومن التجارة والتحالفات نشأ ما يُسمّى «مبتشة» البامبا وباتاغونيا أو «أرونكتها»: فتبنّى كثير من التيويلتشي والرانكيل وغيرهم لغة المابوتشي وعاداتهم، وأخذ المابوتشي عنهم السكن في الخيام، حتى صار أحفادهم يسمّون أنفسهم «مابوتشي-تيويلتشي».
وكانت شعوب البامبا تبيع الماشية والملح المستخرج من السهول للكريول في تشيلي وبوينس آيرس، مستعينة بالحصان الذي جلبه الإسبان. ونحو 1820 هاجرت جماعات كبيرة من الأراوكانيا إلى الأرض الأرجنتينية الحالية بسبب الحرب في جنوب تشيلي. ومن هؤلاء جماعة البوروغا التي انتهت قوّتها بمذبحة نفّذها الزعيم كالفوكورا عام 1834، قبل أن يقيم في ساليناس غرانديس مركز سلطة دام قرابة أربعين عاماً.

حملة الصحراء وما بعدها
في أواخر القرن التاسع عشر أخضعت تشيلي والأرجنتين المابوتشي بحملتين عسكريتين سُمّيتا بتلطيف «تهدئة الأراوكانيا» و«فتح الصحراء»، وهي الحملة التي نسمّيها في هذه السلسلة حملة الصحراء، وقادها في الأرجنتين خوليو أرخنتينو روكا. وأدّت إلى مقتل الآلاف وفقدان الأرض، إذ نُقل المابوتشي إلى أراضٍ أصغر سُمّيت «محميات»، وأُعلنت بقية الأرض ملكاً للدولة وبيعت بالمزاد.
وفي الأرجنتين دعمت «الجمعية الريفية الأرجنتينية»، التي أُسّست عام 1866، الحملة مالياً، وعند نهايتها حصل 538 مالكاً على 18,668,000 هكتار، وكان من أبرز المستفيدين أعضاء في الجمعية. واتّسعت الأرض المتاحة للزراعة والرعي من نحو مليوني هكتار إلى أكثر من 25 مليوناً. وبيع كثير من الناجين أو «وُهبوا» عبيداً وخدماً؛ فاستُخدم الرجال في حصاد العنب وقصب السكر في كويو وشمال البلاد، وفُصلت النساء والأطفال للخدمة، ووُزّع الأطفال الصغار على الأسر، ومن لم يُستعبد نُقل إلى أراضٍ نائية قليلة الإنتاج.
وقد نشر إستانيسلاو سيباشوس عام 1878، بتكليف من وزارة الحرب، كتاباً قدّم فيه المابوتشي على أنهم «تشيليون» ينبغي أن يعودوا إلى تشيلي، فصُوّروا بصورة أعداء أجانب. غير أنّ وصف المابوتشي بالتشيليين مغالطة تاريخية، لأنهم سبقوا قيام الدولة التشيلية الحديثة. وما زالت هذه الفكرة تتردّد، إذ كتب المؤرّخ روبرتو بورسيل عام 2017 أنّ كثيرين ممّن يقولون إنهم مابوتشي في الأرجنتين ليسوا كذلك.
وبعد انتهاء الحملة بنحو اثنتي عشرة سنة باع الرئيس خوسيه إيفاريستو أوريبورو 900 ألف هكتار لعشرة مواطنين إنكليز، انتقلت إلى شركة لندنية أُسّست عام 1889، ثم اشترتها مجموعة «بينيتون» الإيطالية عام 1991 بخمسين مليون دولار. وتملك هذه المجموعة 844,200 هكتار في أقاليم بوينس آيرس ونيوكين وريو نيغرو وتشوبوت وسانتا كروس، وهي أكبر مالك خاصّ للأرض في الأرجنتين.

مطالب اليوم والصراع على الأرض
يعاني المابوتشي في تشيلي والأرجنتين من تمييز عنصري واجتماعي يظهر في انخفاض مستويات التعليم والدخل وارتفاع البطالة، وقد اصطدمت مبادرات لاستعادة أراضيهم التاريخية برفض الحكومات والشركات والأفراد. وتتلخّص مطالب «الصراع المابوتشي» في الحكم الذاتي، واستعادة «الأراضي الموروثة»، والحرية الاقتصادية، والاعتراف بالهوية الثقافية.
في مقاطعة كوشامين بإقليم تشوبوت تواجه جماعات من المابوتشي شركة بينيتون، ومنها جماعة «سانتا روسا دي ليليكي» و«بو لوف في المقاومة» التي اعتُقل زعيمها فاكوندو خونس وألا. وفي 1 أغسطس 2017 أخلت قوات الدرك الوطني جماعة كانت تحتلّ أرضاً متنازعاً عليها هناك، فاختفى الشاب سانتياغو مالدونادو، المتضامن معها من خارجها، وأثار اختفاؤه قلقاً واسعاً في المجتمع الأرجنتيني. وعُثر على جثّته في 17 أكتوبر 2017 في نهر تشوبوت، وخلص 55 خبيراً إلى أنه غرق وهو يحاول عبور النهر.
وفي اليوم الذي دُفن فيه مالدونادو قُتل الشاب رافاييل ناويل، البالغ 22 عاماً، برصاص فرقة من خفر السواحل أثناء قمع جماعة «لافكين وينكول مابو»، ولم يُعثر على أيّ سلاح لدى الجماعة. ومنذ 2017 ربطت الحكومة الأرجنتينية حركة المابوتشي بتنظيم يُسمّى «المقاومة المابوتشية الموروثة» ووصفته بالإرهابي، في حين تقول جهات أخرى إنه اختلاق لتجريم المابوتشي. وفي 5 فبراير 2025 أعلنته حكومة خافيير ميلي «منظّمة إرهابية» بعد أن ربطه حاكم تشوبوت بحرائق الغابات، ونفى خونس وألا أيّ صلة بالحرائق.
وفي نيوكين تشكو جماعات المابوتشي أمام منظّمة الدول الأمريكية من تلوّث حقل لوما دي لا لاتا للغاز، وفي 2018 رفعت دعاوى على شركات نفط كبرى بسبب نفايات استخراج النفط والغاز الصخريين في حقل «فاكا مويرتا» قرب بلدة أنيلو. وفي سان مارتين دي لوس أنديس طالبت الجماعات بتسليم 1300 هكتار كانت بيد الجيش.

المعتقدات والدين
تقوم ديانة المابوتشي التقليدية على تبجيل أرواح الأسلاف وأرواح الطبيعة، وليس لها مؤسّسة ولا معابد ولا طبقة كهنوتية. ويتصوّر المابوتشي الكون طبقات: «وينو مابو» أي الأرض العليا حيث الكائنات الحامية وأرواح الأسلاف، و«ناغ مابو» أي الأرض التي نمشي عليها حيث البشر والحيوان والنبات، و«مينتشي مابو» أي العالم السفلي حيث الأرواح المعادية. وتنقسم الأرض الوسطى إلى أربع جهات هي «ميلي ويتران مابو».
ومن أبرز الآلهة نغيناتشين Ngenechén، الذي يتجسّد في أربعة وجوه: المرأة العجوز رمز الحكمة، والرجل العجوز رمز الاستقامة، والشابة رمز الطيبة، والشاب رمز القوّة. ويساوي كثير من المابوتشي بينه وبين الإله المسيحي، في حين يرى بعض الباحثين أنّ هذه المساواة صنعها المبشّرون اليسوعيون. ومن الأرواح «البيليان» و«الوانغولين» أي أرواح الأسلاف الخيّرة، و«النغين» أرواح الطبيعة، و«الويكوفي» الأرواح الشرّيرة.
والماتشي machi، وغالباً ما تكون امرأة، هي الوسيطة بين العالم المرئي وغير المرئي، تعالج المرض وتدفع الشرّ وتعرف الأعشاب الطبّية. وفي بيتها «الريوي»، وهو جذع شجرة محفورة فيه درجات تصعدها في طقوسها، ويتّجه نحو الشرق. وأهمّ الطقوس الجماعية النغيلاتون Nguillatun، أي الدعاء، الذي يدوم يومين إلى أربعة أيام، يُطلب فيه حسن الطقس والمحاصيل والصحّة، ويُذبح فيه حيوان هو غالباً حمل، ويرقص الحاضرون حول المذبح، ويدور الفرسان حولهم محاكين حركة الشمس. واللونان الأزرق والأبيض لونا الطقوس، أمّا الأحمر فممنوع في النغيلاتون.
ويحتفل المابوتشي برأس السنة وي تريبانتو We Tripantu في الانقلاب الشتوي بين 21 و24 يونيو، أي «عودة الشمس». تسهر الأسر الليل حول النار تروي الحكايات، وعند الفجر يغتسل الناس في ماء جارٍ ليذهب عنهم ما في العام الماضي من سوء. واليوم يعتنق كثير من المابوتشي المسيحية؛ فقد وجدت دراسة أُجريت في تشيلي عام 2001 أنّ الكاثوليك يشكّلون 40.9٪ من العيّنة والإنجيليين 23.6٪، في حين عرّف 8٪ أنفسهم أتباعاً للديانة التقليدية. وكثيراً ما تندّد الجماعات الإنجيلية والخمسينية بالطقوس التقليدية.

المجتمع والعادات
لم يكن للمابوتشي حكومة مركزية قطّ، بل كانوا مجموعات مستقلّة تتكلّم لغة واحدة. وتقوم حياتهم الاجتماعية على الأسرة الممتدّة والجماعة المحلّية «لوف» بقيادة «لونكو» أي الرئيس، وفي الحرب كانوا يتّحدون وينتخبون «توكي» أي «حامل الفأس» ليقودهم. ويحتلّ احترام الوالدين والأجداد المرتبة الأولى بين واجبات «الأدمابو»، أي مجموعة التقاليد، لأنّ الروح في معتقدهم لا تبلغ العالم العلوي إلا إذا بقي لها أحفاد يذكرونها. وكان يُسمح للرجال بتعدّد الزوجات. ويتّجه باب «الروكا»، أي البيت التقليدي، نحو شروق الشمس.
النسيج من أشهر فنون المابوتشي، وكانت النساء يتولّين الغزل والنسج، ويتعلّمنه من الأمهات والجدّات بالمحاكاة. وكانت الناسجة الماهرة تحظى بتقدير كبير، حتى إنّ الرجل كان يقدّم مهراً أكبر للعروس الماهرة في النسج. وعُثر في مقبرة ريبوييدو أرّيبا بإقليم نيوكين على أنسجة معقّدة تعود إلى ما بين 1300 و1350 للميلاد. وما زالت النساء ينسجن البونشو والبطّانيات والأحزمة للاستعمال والبيع.
والفضّيات فنّ آخر اشتهروا به، إذ كانوا يصهرون العملات الفضّية الإسبانية ليصنعوا منها حُلي النساء وزينة الخيل. ومن أشهر القطع «التراريلونكو» الذي يحيط بالرأس كالإكليل، والأقراط «التشاواي»، والقلائد الصدرية «الترابيلاكوتشا» و«السيكيل». وبلغ هذا الفنّ ذروته في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، ثم تراجع بعد حملة الصحراء وتهدئة الأراوكانيا. ويربط المابوتشي الفضّة بالقمر والأنوثة والحماية والأسلاف.
ومن العادات المرتبطة بوي تريبانتو تسمية الأطفال بأسماء الأجداد في طقس «لاكوتون»، وطقس «كاتان بيلون» الذي يُثقب فيه أذن الفتاة البالغة وتُمنح أوّل أقراطها. ويُلعب في الأعياد «البالين»، وهي لعبة جماعية بالعصيّ، وتُقام سباقات الخيل. ومن أطعمتهم في المناسبات «الكاتوتو» و«الموتي» والخبز المشوي في الرماد، ومن شرابهم «المودّاي» المصنوع من الذرة المخمّرة.
الموسيقى والرقص
أبرز آلات المابوتشي الكولترون kultrún، وهو طبل ضحل من خشب الغار أو البلّوط مشدود عليه جلد الماعز، ترسم عليه الماتشي صليباً يمثّل جهات العالم الأربع، وتضع فيه أشياء رمزية. وإلى جانبه التروتروكا، وهي بوق طويل، و«البيفيلكا» وهي نوع من المزامير، إضافة إلى «التروميي» و«الكاسكاويّاس».
والموسيقى جزء من الطقوس: ففي النغيلاتون يرقص الحاضرون صفوفاً وفي دائرة حول المذبح، وفي وي تريبانتو تُقام رقصات حول النار ودعوات على إيقاع الكولترون والتروتروكا. ومن رقصاتهم «تشويكي بوررون» أي رقصة النعامة. وقد وصفت المغنّية التشيلية فيوليتا بارّا طقس النغيلاتون في أغنيتها «غيّاتون» التي سجّلتها عام 1966.
وفي الأرجنتين حملت المغنّية إيمي باينيه Aimé Painé موسيقى المابوتشي إلى العالم. تأثّرت بـ«الطاييل»، وهو إنشاد مابوتشي كانت تؤدّيه إحدى جدّات القرية، ورأت فيه غناءً حرّاً طبيعياً دينياً. وكانت، بحسب كاتبة سيرتها، أول امرأة من المابوتشي تجول بالغناء بلباسها التقليدي وتغنّي بلغتها.
شخصيات بارزة
من قادة المقاومة القدامى: لاوتارو الذي أنشأ فرسان المابوتشي وهزم بيدرو دي فالديفيا، وكاوبوليكان، وبيلانتارو قائد معركة كورالابا عام 1598، وميتشيمالونكو الذي قاد مقاومة البيكونتشي. وفي البامبا برز الزعيم كالفوكورا الذي حكم ساليناس غرانديس من 1834 إلى 1873، وابنه مانويل نامونكورا، والزعيم إغناسيو كوليكيو الذي تعيش جماعة أحفاده في لوس تولدوس.
وإيمي باينيه (1943-1987)، واسمها الرسمي أولغا إليسا باينيه لأنّ القانون الأرجنتيني آنذاك لم يسمح بتسجيلها باسم من لغة المابوتشي، وُلدت في إنخينييرو لويس أ. ويرغو بإقليم ريو نيغرو لأب من المابوتشي وأمّ من التيويلتشي. فُصلت عن أسرتها في الثالثة وأُرسلت إلى دار أيتام في مار ديل بلاتا، ثم انضمّت عام 1973 إلى الجوقة الوطنية متعدّدة الأصوات. وفي لقاء دولي للجوقات قدّمت فيه كل دولة عملاً من موسيقاها الأصلية إلا الجوقة الأرجنتينية، قرّرت العودة إلى جذورها. غنّت في إنكلترا وسويسرا منددة بتهميش السكان الأصليين في الأرجنتين، وتوفيت في أسونسيون عام 1987 بتمدّد في شريان الدماغ أثناء تسجيل. وتحمل اسمها مكتبات ومدارس وشوارع في ريو نيغرو وشارع في بويرتو ماديرو ببوينس آيرس، وصورتها في «قاعة المرأة» بالقصر الرئاسي.
ومن الأسماء المعاصرة أيضاً الشعراء إليكورا تشيويلاف وليونيل لينلاف، والناشط فاكوندو خونس وألا لونكو «بو لوف في المقاومة» في كوشامين.
بطاقة الشعب
- الاسم الذاتي: مابوتشي، أي «أهل الأرض»؛ وقديماً «تشي» و«ريتشي»
- اللغة: المابودونغون (لغة معزولة)، مع الإسبانية؛ لها لهجات في نيوكين وريو نيغرو وتشوبوت ولا بامبا
- العدد: 145,783 نسمة (تعداد 2022)
- المقاطعات: ريو نيغرو، نيوكين، بوينس آيرس، تشوبوت، مندوسا، قرطبة، سانتا كروس، لا بامبا
- أهمّ المدن والبلدات: باريلوتشي، سان مارتين دي لوس أنديس، لوس تولدوس، روخاس، لوس مينوكوس، فيدما، لاس إيراس، كاليتا أوليفيا، ريو غاييغوس، مالارغوي، أولافاريا، خونين، باهيا بلانكا، روساريو
- الدين والمعتقد: الديانة التقليدية (نغيناتشين، الماتشي، النغيلاتون) إلى جانب الكاثوليكية والكنائس الإنجيلية
- تنظيمات وجماعات: الكونفدرالية المابوتشية النيوكينية (1970)، منسّقية برلمان شعب المابوتشي في ريو نيغرو










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.