الأنديز في الأرجنتين: أعلى قمم الأمريكتين وحدود تشيلي وطرق الإنكا وكروم مندوسا
الأنديز أطول سلسلة جبال قارّية في العالم، تمتدّ على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية وتشكّل الحدود بين الأرجنتين وتشيلي. يتناول الملفّ الجبال كما تعرفها الأرجنتين: قمّة أكونكاغوا والحدود مع تشيلي، وهضبة البونا والشمال الغربي، وطرق الإنكا، وكروم مندوسا، والأنهار والأنهار الجليدية، والحيوانات والمناخ والسياحة.
على طول الحدود الغربية للأرجنتين يقوم جدارٌ من الجبال يزيد على خمسة آلاف كيلومتر، منه تنزل المياه التي تسقي كروم مندوسا، وعبره سار جيش سان مارتين، وعلى قممه رُسمت الحدود مع تشيلي.
سلسلةٌ على طول البلاد
الأنديز أطول سلسلة جبالٍ على اليابسة في العالم، تمتدّ نحو 7000 كيلومتر على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، من فنزويلا وكولومبيا في الشمال حتّى تييرا ديل فويغو في الجنوب، مارّةً بالإكوادور والبيرو وبوليفيا وتشيلي والأرجنتين.
وتشغل الجبال الطرف الغربي من الأرجنتين كلّه تقريباً، من حدود بوليفيا في محافظة خوخوي حتّى أقصى الجنوب. ويختلف وجهها كثيراً من منطقةٍ إلى أخرى: ففي الشمال هضابٌ عالية جافّة وأودية ملوّنة، وفي الوسط أعلى القمم تحت سماءٍ صافية معظم السنة، وفي الجنوب جبالٌ أقلّ ارتفاعاً تكسوها الغابات وتملأ أوديتها البحيرات والأنهار الجليدية.
وقد نشأت هذه الجبال من التقاء صفيحتين من صفائح القشرة الأرضية، إذ تنزلق صفيحة نازكا المحيطية تحت صفيحة أمريكا الجنوبية، فترتفع الأرض وتنشأ البراكين وتكثر الزلازل. ومن أشدّ الزلازل في تاريخ الأرجنتين زلزال مندوسا سنة 1861 الذي دمّر المدينة، وزلزال سان خوان في 15 يناير 1944 الذي دمّر المدينة وقُتل فيه نحو عشرة آلاف شخص.
وتنتشر البراكين على طول السلسلة، وقد يصل أثرها إلى الأرجنتين حتّى حين تثور في تشيلي. ففي يونيو 2011 ثار بركان بوييهوي كوردون كاوجي على الجانب التشيلي، فحملت الرياح الغربية رماده إلى باريلوتشي وفيلا لا أنغوستورا، فأُغلقت المطارات أسابيع، وغطّى الرماد المراعي في سهوب باتاغونيا.
أكونكاغوا وقمم الستّة آلاف
في محافظة مندوسا تقوم أكونكاغوا، أعلى قمّة في العالم خارج آسيا، ويبلغ ارتفاعها نحو 6961 متراً. وهي داخل الأراضي الأرجنتينية بالكامل، على بعد نحو 15 كيلومتراً من الحدود مع تشيلي، ويحميها منتزهٌ إقليمي أُنشئ سنة 1983.
وأوّل صعودٍ موثّق إلى قمّتها كان في 14 يناير 1897، حين بلغها الدليل السويسري ماتياس تسوربريغن ضمن حملةٍ بريطانية. واليوم يقصدها آلاف المتسلّقين كلّ صيف بين نوفمبر ومارس. والطريق المعتاد إليها لا يحتاج إلى مهاراتٍ تقنية عالية، لكنّ الارتفاع والبرد والرياح تجعل الصعود صعباً وخطراً، ويقيم المتسلّقون أيّاماً في معسكر «بلاثا دي مولاس» على ارتفاع نحو 4300 متر ليعتادوا على قلّة الأكسجين.
وفي الأرجنتين قممٌ أخرى كثيرة تتجاوز ستّة آلاف متر، أشهرها أوخوس ديل سالادو على حدود محافظة كاتاماركا مع تشيلي، ويبلغ ارتفاعه نحو 6893 متراً، وهو أعلى بركانٍ في العالم. وفي الجنوب يقوم بركان لانين على حدود نيوكين، بقمّته المخروطية المغطّاة بالثلج.

حدودٌ على خطّ القمم
تشكّل الأنديز معظم الحدود بين الأرجنتين وتشيلي، وهي من أطول الحدود البرّية في العالم، إذ يزيد طولها على خمسة آلاف كيلومتر. وقد اتّفق البلدان في معاهدة 1881 على أن تمرّ الحدود عبر أعلى القمم التي تفصل بين مجاري المياه. لكنّ القمم الأعلى لا تتطابق دائماً مع خطّ تقسيم المياه، خصوصاً في باتاغونيا، فنشأت خلافاتٌ كادت تؤدّي إلى الحرب في أواخر القرن التاسع عشر.
وفي 1902 وقّع البلدان «اتّفاقيات مايو» لتخفيف سباق التسلّح بينهما، وقبلا تحكيم ملك بريطانيا في المناطق المتنازع عليها. واحتفالاً بهذا السلام أُقيم تمثال «المسيح فادي الأنديز» على ممرّ لا كومبري الجبلي، على الحدود نفسها وعلى ارتفاع نحو 3800 متر، وافتُتح في 13 مارس 1904. وتقول الرواية الشائعة إنّ برونزه صُبّ من مدافع قديمة.
ولم تنتهِ الخلافات تماماً بعد ذلك، فقد كاد نزاعٌ على جزرٍ في قناة بيغل يشعل حرباً سنة 1978، ثمّ حُلّ بوساطة البابا ومعاهدة سلام سنة 1984. وما زال جزءٌ صغير من الحدود في منطقة حقل الجليد الباتاغوني الجنوبي ينتظر الترسيم النهائي.

عبور سان مارتين
في يناير 1817 قاد الجنرال سان مارتين «جيش الأنديز»، وكان قوامه نحو خمسة آلاف جندي، عبر ممرّاتٍ جبلية يزيد ارتفاع بعضها على 4000 متر، من مندوسا إلى تشيلي، في أعمدةٍ متفرّقة لإرباك القوّات الإسبانية. وبعد نحو ثلاثة أسابيع من المسير انتصر في معركة تشاكابوكو يوم 12 فبراير 1817، ففتح طريق استقلال تشيلي ثمّ البيرو. ويُعدّ هذا العبور من أشهر الأعمال العسكرية في تاريخ أمريكا الجنوبية.

الشمال الغربي وهضبة البونا
في الشمال الغربي، في محافظات خوخوي وسالتا وكاتاماركا، ترتفع البونا، وهي هضبةٌ عالية يتراوح ارتفاعها بين 3500 و4500 متر، باردة جافّة، تكثر فيها البحيرات المالحة والسباخ والبراكين الخامدة. وعلى أطرافها تنحدر أودية عميقة ملوّنة الصخور، أشهرها كيبرادا دي أوماواكا في خوخوي، وهو وادٍ يمتدّ نحو 155 كيلومتراً، كان طريقاً للقوافل منذ آلاف السنين، وأدرجته اليونسكو في قائمة التراث العالمي سنة 2003.
وفي هذه الأودية قرى صغيرة مبنية من الطوب الطيني، مثل بورماماركا عند سفح «جبل الألوان السبعة»، وتيلكارا بقلعتها الحجرية القديمة. ويعيش فيها كثيرٌ من أبناء الشعوب الأصلية، ومنهم الكولا، الذين حافظوا على كثيرٍ من عاداتهم في الزراعة والرعي والاحتفالات. وأشهر هذه الاحتفالات تكريم «الباتشاماما»، أي الأرض الأمّ، في الأوّل من أغسطس، حين تُقدَّم لها أطعمةٌ ومشروبات تُدفن في حفرةٍ في الأرض شكراً على خيرها.
ومن أشهر معالم البونا سالينَس غراندِس، وهي سبخةٌ ملحية بيضاء واسعة على ارتفاع نحو 3450 متراً بين خوخوي وسالتا. وتحت سباخ البونا مخزونٌ كبير من الليثيوم، فهي جزءٌ مما يُعرف بـ«مثلّث الليثيوم» الذي يضمّ أيضاً بوليفيا وتشيلي. وقد توسّعت فيها مشاريع استخراج هذا المعدن في السنوات الأخيرة، وترى فيها الحكومات المحلّية مصدراً للاستثمار والوظائف، بينما تطالب بعض مجتمعات السكّان الأصليين بأن تُستشار في المشاريع وتخشى على مواردها من المياه.


قاباك نيان: طرق الإنكا
في النصف الثاني من القرن الخامس عشر بسطت إمبراطورية الإنكا سلطتها على الشمال الغربي من الأرجنتين الحالية حتّى مندوسا. ومدّت إليه جزءاً من شبكة طرقها الكبرى المعروفة باسم «قاباك نيان»، أي «الطريق الرئيسي» بلغة الكيتشوا، وهي شبكةٌ يزيد طولها على 30 ألف كيلومتر كانت تربط عاصمة الإنكا كوزكو بأطراف الإمبراطورية.
وكانت هذه الطرق تعبر الجبال والهضاب، وتنتشر على طولها محطّاتٌ للراحة ومخازن للطعام، ويسير عليها الرسل والجنود وقوافل اللاما. وفي سنة 2014 أدرجتها اليونسكو في قائمة التراث العالمي باقتراحٍ مشترك من ستّ دول، منها الأرجنتين، التي تمرّ أجزاءٌ من الشبكة في سبع من محافظاتها.
ومن أهمّ المواقع الإنكاوية في الأرجنتين إل شينكال في محافظة كاتاماركا، وهو مركزٌ إداري ودينيّ بقيت منه أسس المباني وساحةٌ كبيرة ومنصّة احتفالية ومدرّجات زراعية على التلال المحيطة.

مندوسا: كرومٌ يرويها الثلج
تقع مندوسا ومحافظات إقليم «كويو» المجاورة في منطقةٍ جافّة لا يتجاوز فيها المطر 200 مليمتر في السنة تقريباً. ومع ذلك صارت أهمّ مناطق زراعة العنب في الأرجنتين، لأنّ الثلج الذي يذوب على قمم الأنديز كلّ ربيع يملأ أنهاراً مثل نهر مندوسا ونهر تونويان. ومنذ ما قبل وصول الإسبان شقّ سكّان المنطقة من شعب الهواربي قنواتٍ لتوزيع هذه المياه، وما زالت قنوات الريّ تجري إلى اليوم على جانبي شوارع مدينة مندوسا.
ولا تتجاوز الأراضي المرويّة نحو ثلاثة في المئة من مساحة المحافظة، لكنّها تنتج معظم نبيذ البلاد. وقد وصل عنب المالبيك من جنوب غرب فرنسا سنة 1853، فوجد في الأنديز ظروفاً تناسبه، وصار رمز النبيذ الأرجنتيني. وتُزرع الكروم في مندوسا على ارتفاعات تصل إلى نحو 1500 متر، وفي أودية سالتا على ارتفاعات تزيد على 3000 متر، وهي من أعلى الكروم في العالم.
ويعرف أهل كويو أيضاً «رياح الزوندا»، وهي رياحٌ حارّة جافّة تنزل من الجبال في الشتاء والربيع، فترفع الحرارة فجأةً وتثير الغبار.

الأنهار والأنهار الجليدية
الأنديز خزّان المياه في غرب الأرجنتين. فمنها تنزل أنهار سان خوان ومندوسا وأتويل وديامانتي في الوسط، ونهرا نيوكين وليماي في الشمال الباتاغوني اللذان يلتقيان ليكوّنا نهر ريو نيغرو. وعلى كثيرٍ من هذه الأنهار أُقيمت سدودٌ تولّد الكهرباء وتنظّم الريّ، مثل سدّ إل تشوكون على نهر ليماي.
وأحصى الجرد الوطني للأنهار الجليدية نحو 17 ألف كتلة جليدية في الأنديز الأرجنتينية، يقع أكثرها في الجنوب. وفي 2010 أقرّ الكونغرس قانوناً لحماية الأنهار الجليدية والمناطق المحيطة بها، يمنع فيها التعدين وبعض الأنشطة الأخرى. وما زال القانون موضع نقاش بين من يريد توسيع الحماية لأنّ هذه الكتل مخزون مياهٍ للمستقبل، ومن يطالب بتعديله لإفساح المجال لمشاريع التعدين في المحافظات الجبلية.
الكوندور والغواناكو
الكوندور الأنديزي من أكبر الطيور الطائرة في العالم، قد يبلغ طول جناحيه المفتوحين أكثر من ثلاثة أمتار. يعيش على الجروف العالية، ويعتمد على تيّارات الهواء الصاعدة ليحلّق ساعاتٍ دون أن يحرّك جناحيه، ويتغذّى على الجيف. وهو بطيء التكاثر، إذ تضع الأنثى بيضةً واحدة كلّ سنتين تقريباً، ولذلك تتابع برامج خاصّة في الأرجنتين أعداده وتعيد إطلاق طيورٍ إلى البرّية.
وفي الجبال والهضاب تعيش أربعة أنواع من فصيلة الجمال الأمريكية: الغواناكو البرّي المنتشر من الشمال حتّى باتاغونيا، والفيكونيا البرّية في البونا، وقد كادت تنقرض في منتصف القرن العشرين بسبب صيدها لصوفها الناعم ثمّ عادت أعدادها إلى الازدياد بعد حمايتها، واللاما المستأنسة التي يربّيها أهل البونا للصوف واللحم والحمل، ثمّ الألبكة الأقلّ انتشاراً في الأرجنتين.

المناخ والطرق عبر الجبال
يتغيّر المناخ في الأنديز بتغيّر الارتفاع والعرض. ففي الشمال تهطل الأمطار في الصيف ويكون الشتاء جافّاً شديد البرودة ليلاً، وفي الوسط يغلب الجفاف وتتساقط الثلوج على القمم في الشتاء، وفي الجنوب تكثر الأمطار والثلوج على السفوح وتنمو الغابات الكثيفة.
وتعبر الجبال بين الأرجنتين وتشيلي ممرّاتٌ عديدة، أهمّها ممرّ كريستو ريدينتور بين مندوسا وسانتياغو، الذي تمرّ منه معظم حركة الشاحنات بين البلدين عبر نفقٍ تحت الحدود. وكثيراً ما يُغلق هذا الممرّ أيّاماً في الشتاء بسبب الثلوج، فتتوقّف الشاحنات على جانبيه. وقد كان يعبر الجبال هناك أيضاً قطارٌ عُرف باسم «ترانساندينو»، عمل من 1910 حتّى توقّف سنة 1984.
السياحة في الجبال
تجذب الأنديز الزوّار في الفصول كلّها. ففي الشتاء تعمل مراكز التزلّج، ومنها لاس لينياس في مندوسا وسيرو كاتيدرال قرب باريلوتشي وسيرو كاستور قرب أوشوايا. وفي الصيف يأتي المتسلّقون إلى أكونكاغوا، والمشّاؤون إلى البحيرات والغابات في نيوكين وريو نيغرو.
وفي سالتا يصعد «قطار السحاب» إلى ارتفاع يزيد على 4200 متر ليعبر جسراً حديدياً معلّقاً فوق وادٍ في البونا. وعلى طريق مندوسا إلى تشيلي يقف الزوّار عند بوينتي ديل إنكا، وهو جسرٌ صخري طبيعي فوق نهر لاس كويفاس على ارتفاع نحو 2700 متر، كوّنته الرواسب المعدنية لينابيع حارّة، وقد اصطبغت صخوره بالأصفر والبرتقالي. ومن هناك يمكن رؤية قمّة أكونكاغوا من مدخل منتزهها.











التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.