لا بوكا.. الحي الملوّن الذي صنعه المهاجرون على ضفة الرياتشويلو
في جنوب شرق بوينس آيرس، عند مصبّ نهر الرياتشويلو، يقوم حي لا بوكا: بيوت من الصفيح لوّنها المهاجرون الجنويّون ببقايا طلاء السفن، وزقاق اسمه كامينيتو صار شارعاً متحفاً، وملعب لا بومبونيرا، وتانغو يُرقص على الحجارة أيام الأحد.
في جنوب شرق بوينس آيرس، عند مصبّ نهر الرياتشويلو، يقوم حي لا بوكا: بيوت من الصفيح لوّنها المهاجرون الجنويّون ببقايا طلاء السفن، وزقاق اسمه كامينيتو صار شارعاً متحفاً، وملعب لا بومبونيرا، وتانغو يُرقص على الحجارة أيام الأحد.
بوينس آيرس – ArgentiNews
لا يشبه حي لا بوكا شيئاً آخر في بوينس آيرس. تدخله فتجد بيوتاً من ألواح الزنك المموّج مطليّة بالأصفر والأزرق والأحمر والأخضر في الجدار الواحد، وشرفات معلّقة غير متساوية، وزقاقاً ملتوياً لا يتجاوز طوله مئة وخمسين متراً يقف فيه راقصو التانغو للسيّاح، وعلى بعد بضع بنايات ملعبٌ أزرق وأصفر يعرفه العالم باسم «علبة الشوكولاتة».
وخلف هذه الألوان قصةُ ميناءٍ ومهاجرين: هنا نزل الجنويّون في أواخر القرن التاسع عشر، وهنا سكنوا في «الكونبنتيّو» — البيت الجماعي — وهنا وُلد ناديان وفنّانون وأغنية تانغو أعطت الزقاق اسمه. حي لا بوكا اليوم من أكثر مواضع العاصمة الأرجنتينية زيارة، وهو في الوقت نفسه حيٌّ عمّالي فقير لم تصله العناية التي وصلت واجهته السياحية.

من مصبّ النهر جاء الاسم
لا بوكا حيٌّ من الكومونة الرابعة في مدينة بوينس آيرس المستقلة، عند الطرف الجنوبي الشرقي منها، واسمه — ومعناه «الفم» — من موقعه عند مصبّ نهر الرياتشويلو في ريو دي لا بلاتا. يحدّه حي باراكاس غرباً، وسان تيلمو شمالاً غرباً، وبويرتو ماديرو شمالاً شرقاً، ويقابله على الضفة الأخرى من النهر بلديّة أفيانيدا وجزيرة ماسييل.
وهذا الموقع هو كل شيء في تاريخ الحي: كان مرفأ المدينة الأول ومدخل السفن، فقامت على ضفافه أحواض بناء السفن ومستودعات الفحم والمسالخ، وسكنه العمّال الذين خدموا هذه الأعمال.

الجنويّون وبقايا طلاء السفن
بقيت المنطقة شبه خالية حتى مطلع القرن التاسع عشر، ثم بدأت أوَل العائلات تستقر فيها بين 1830 و1852. ولمّا صارت أكثر مواضع المدينة استقبالاً للسفن، نزل فيها في أواخر القرن التاسع عشر مهاجرون إيطاليون كثر، جُلّهم من جنوة، وهم الذين أعطوا الحي وجهه الحالي. ومن لهجتهم جاء لقب أهل الحي «شينيسيس» (تحريف zeneizi، أي الجنويّين)، ثم انتقل اللقب بعد سنوات إلى جمهور نادي بوكا جونيورز.
سكن هؤلاء في «الكونبنتيّو»: بيوت من ألواح الصفيح المموّج، تُرفع في الغالب على أوتاد أو قواعد عالية لأن النهر كان يفيض كثيراً، وفي داخلها عدد كبير من الغرف الصغيرة، لكل عائلة غرفة، والمطبخ والحمّام مشتركان بين الجميع، وفي الوسط فناء وشرفات غير منتظمة كانت ملتقى ثقافات المهاجرين.
أما الألوان — وهي أشهر ما في الحي — فأصلها عمليّ لا جماليّ: كان البحّارة يجلبون فائض طلاء السفن، ولأن الكمية الواحدة لا تكفي لطلاء بيت كامل بلون واحد، طُليت الواجهة الواحدة بألوان عدة. هكذا وُلدت الصورة التي صارت بعد قرن علامةَ بوينس آيرس في العالم.

كامينيتو: زقاق سكة حديد صار شارعاً متحفاً
كان كامينيتو زقاقاً ملتوياً طوله نحو 150 متراً، يمرّ فيه فرعٌ لسكة حديد إنسينادا بين محطتَي «خنرال براون» و«رصيف لا بوكا»، افتُتح عام 1866 ثم توقّف العمل به وبقي الممرّ مهجوراً.
وفي خمسينيات القرن الماضي قرّرت مجموعة من أهل الحي، بينهم الرسّام بينيتو كينكيلا مارتين، إحياء هذا الزقاق. ففي عام 1959 افتتحت البلدية فيه «شارعاً متحفاً» بأعمال فنية تبرّع بها أصحابها، ونصح كينكيلا مارتين جيرانه باستعمال ألوان أشدّ حياة وتنوّعاً من التي استعملها المهاجرون الأوائل، فتغيّر مشهد المكان كله.
أما الاسم فمن أغنية تانغو: «كامينيتو» التي لحّنها ابن الحي خوان دي ديوس فيليبرتو عام 1926، وصارت من أشهر ما غنّته الأرجنتين. واليوم تُباع في الزقاق اللوحات والتحف والهدايا، وتُقام فيه عروض الرقص، وحوله مقاهٍ ومطاعم.

«جمهورية لا بوكا المستقلة»
في عام 1882، وعلى إثر نزاع عمّالي انتهى بإضراب، قرّرت مجموعة من المهاجرين الجنويّين فصل لا بوكا عن الأرجنتين. ووقّعوا وثيقة أبلغوا فيها ملك إيطاليا أنهم أقاموا «جمهورية لا بوكا المستقلة»، ورفعوا عليها علم جنوة. فجاء رئيس الجمهورية آنذاك الجنرال خوليو أرخنتينو روكا بنفسه ومعه الجيش، فأنزل العلم عن ساريته وأنهى النزاع.
وليست الحكاية وحدها ما يميّز تاريخ الحي السياسي والاجتماعي: ففي 1884، بعد حرائق متكرّرة في بيوت الصفيح، أُنشئ فيه أول فوج إطفاء تطوّعي في البلاد بمبادرة من الجالية الإيطالية. ومن دائرته الانتخابية وصل ألفريدو بالاسيوس إلى البرلمان في مطلع القرن العشرين، وهو أول نائب اشتراكي في القارة الأمريكية.

التانغو على الحجارة
ترتبط أسطورة التانغو في المخيّلة الأرجنتينية بأحياء الميناء، ولا بوكا في قلبها. وفي أيام الأحد تقف أزواج من الراقصين على حجارة كامينيتو يرقصون للمارّة، ويعزف الموسيقيّون على الأرصفة، وتفتح المقاهي صالاتها للعروض.
والحي أنجب من أعلام هذا الفن خوان دي ديوس فيليبرتو، مؤلّف «كامينيتو» وواحداً من الذين نقلوا موسيقى الضواحي إلى قاعات المدينة. وما يراه الزائر اليوم عرضٌ سياحي بلا شك، لكنه امتداد لعادة قديمة في حيٍّ كان يرقص في أفنيته وحاناته قبل أن يعرفه أحد.

بوكا جونيورز ولا بومبونيرا
في عام 1905 وُلد في هذا الحي نادي بوكا جونيورز، وقرّر مؤسّسوه أن يحمل اسم الحي مضافاً إليه لفظ «جونيورز» على عادة ذلك الزمان. وكان كثير من جمهوره الأول من الإيطاليين الجنويّين المقيمين في المنطقة، ومن هنا لقب «الشينيسيس» الذي ما زال يُطلق على أنصاره. وفي 1914 كاد النادي يغادر لا بوكا إلى أرض في أفيانيدا، لكنه عاد إلى حيّه عام 1916.
أما الملعب فافتُتح في الخامس والعشرين من أيار/مايو 1940 بمباراة ودّية أمام سان لورينزو انتهت 2–0 لأصحاب الأرض، في شارع براندسن 805. ولقبه «لا بومبونيرا»، أي علبة الشوكولاتة، جاء من طرفة رواها مهندسه فيكتور سولتشيتش تشبيهاً لشكله؛ إذ بُني على ثلاثة مدرّجات شديدة الانحدار وضلع رابع شبه مستقيم، وهو ما يجعل صوت الجمهور فيه على ما هو عليه. وفي عام 2000 حمل رسمياً اسم ألبيرتو خ. أرماندو، أحد رؤساء النادي، وإن بقي الناس على اسمه القديم.
ويضم الملعب «متحف الشغف البوكيّ» (Museo de la Pasión Boquense)، وتُنظَّم جولات داخل المدرّجات وأرض الملعب في غير أيام المباريات.


الرياتشويلو وفويلتا دي روتشا
على ضفة النهر تقع «فويلتا دي روتشا»، الانعطافة الواسعة التي يرسمها الرياتشويلو قبل مصبّه، وهي من أكثر مواضع الحي حضوراً في اللوحات والأغاني، وفيها ساحة صغيرة تطلّ على الماء وعلى أحواض السفن في الضفة المقابلة.
والنهر نفسه جرحٌ مفتوح في المدينة: قرنٌ من المسالخ والمدابغ والمصانع جعله من أكثر الأنهار تلوّثاً في العالم، وتتولّى هيئة حوض ماتانسا-رياتشويلو (ACUMAR) برنامج تنظيفه منذ سنوات. ومن عام 1996 بدأت أشغال عامة على الكورنيش — جادة بيدرو دي ميندوسا — شملت حواجز للحماية من الفيضان وتأهيلاً للواجهة النهرية عند فويلتا دي روتشا وكامينيتو.


الجسر الناقل: الأخير من نوعه في القارة
يقف عند مصبّ النهر هيكل حديدي ضخم هو «الجسر الناقل نيكولاس أفيانيدا»، بناه «سكة حديد الجنوب» وافتُتح عام 1914. وهو جسر ناقل بالمعنى الحرفي: لا يعبر الناس فوقه، بل تنزلق تحته قارصةٌ معلّقة تنقل الركّاب والعربات من ضفة إلى ضفة. وقد نقل في سنواته الأولى نحو سبعة عشر ألف شخص يومياً من عمّال دوك سود ومستودعات الفحم وأحواض السفن.
وهو اليوم معلَم تاريخي وطني، وواحد من ثمانية جسور ناقلة بقيت قائمة في العالم، والوحيد في القارة الأمريكية. توقّف عن العمل عقوداً، ثم رمّمته «الطرق الوطنية» في أشغال بدأت 2013 وانتهت 2017 ضمن برنامج إصلاح حوض النهر. وإلى جانبه جسر آخر يحمل الاسم نفسه، افتُتح عام 1940 وتُرفع أرضيّته لمرور السفن، ولا يزال طريقاً رئيسياً بين المدينة وأفيانيدا.

الحي الذي رسمه الفنانون
أشهر أبناء لا بوكا رسّامها بينيتو كينكيلا مارتين (1890–1977). تركته أمه رضيعاً في ملجأ اللقطاء ببوينس آيرس، وتبنّته في السابعة عائلة تشينتشيلا التي كانت تملك متجراً للفحم، فعمل صبياً يحمل أكياس الفحم في الميناء. وتعلّم الرسم وحده حتى صار من أشهر رسّامي البلاد، وموضوعه الدائم هو الميناء وعمّاله وسفنه بألوان صاخبة. وأنفق جزءاً كبيراً مما كسبه على حيّه: مدرسة، ومتحف، ومسرح.
ومن مؤسساته اليوم متحف بينيتو كينكيلا مارتين للفنون الأرجنتينية، ومسرح الضفة (Teatro de la Ribera) المجاور له. وإلى جانبه رسم الحيَّ فنانون آخرون من مدرسة الميناء، منهم بيكتور كونسولو الذي ترك لوحات لفويلتا دي روتشا بخطوط هندسية هادئة. ومنذ 1996 يقف على الكورنيش مركز «مؤسسة بروا» (Fundación Proa) للفن المعاصر، بمعارض دولية وسطح مطلّ على النهر.


معلومات تهم الزائر
كيف تصل: لا يمرّ المترو بحي لا بوكا، والوصول إليه بالحافلات — من بينها الخطوط 29 و33 و53 و64 و152 — أو بسيارة أجرة من وسط المدينة في نحو ربع ساعة. وتقف حافلات الجولات السياحية عند كامينيتو.
ماذا ترى: كامينيتو وما حوله من أزقّة، وجادة بيدرو دي ميندوسا على النهر، وفويلتا دي روتشا، ومؤسسة بروا، ومتحف كينكيلا مارتين ومسرح الضفة، وملعب لا بومبونيرا ومتحفه على بعد بضع بنايات.
نصيحة أمنية: المنطقة السياحية محصورة في مربّع صغير حول كامينيتو وشوارع ديل باييه إيبيرلوثيا وماغاياينس وجادة بيدرو دي ميندوسا وصولاً إلى الملعب. ويُنصح بزيارتها نهاراً والبقاء ضمن هذا النطاق وعدم التجوّل في الشوارع الجانبية أو بعد الغروب، وبالانتباه إلى الهاتف والحقيبة كما في أي منطقة سياحية مزدحمة.
أفضل وقت: الصباح قبل وصول الحافلات السياحية، أو بعد الظهر في يوم صحو حين تكون الألوان في أبهى حالاتها. وتجنّب أيام مباريات بوكا جونيورز إن كنت تريد هدوءاً، واقصدها فيها إن كنت تريد أن ترى الحي على حقيقته.


الصور: ويكيميديا كومنز — Luis Argerich (CC BY 2.0)، Werner Bayer (CC BY 2.0)، Martin Rulsch/DerHexer (CC BY-SA 4.0)، padrei (CC BY 3.0)، LANOEL (CC BY-SA 3.0)، Diego Delso (CC BY-SA 3.0)، Ministerio de Cultura de la Nación (CC BY-SA 2.0)، Roberto Fiadone (CC BY-SA 4.0)، Falk2 (CC BY-SA 3.0)، Gonzabar77 (CC BY 4.0)، giggel (CC BY 3.0)، ولوحة بيكتور كونسولو في الملك العام.










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.