مقبرة ريكوليتا.. مدينة من الرخام في قلب بوينس آيرس
في أرقى أحياء العاصمة الأرجنتينية تقوم مقبرة ريكوليتا، أول مقبرة عامة في بوينس آيرس وأشهر معالمها السياحية: شوارع وأزقة تصطف على جانبيها آلاف الأضرحة الرخامية، وفيها ترقد إيفا بيرون ورؤساء البلاد وأدباؤها.
في أرقى أحياء العاصمة الأرجنتينية تقوم مقبرة ريكوليتا، أول مقبرة عامة في بوينس آيرس وأشهر معالمها السياحية: شوارع وأزقة تصطف على جانبيها آلاف الأضرحة الرخامية، وفيها ترقد إيفا بيرون ورؤساء البلاد وأدباؤها.
بوينس آيرس – ArgentiNews
في قلب حي ريكوليتا، أرقى أحياء العاصمة الأرجنتينية، يقوم سور من الآجر يخفي خلفه ما يشبه مدينة صغيرة: شوارع مرصوفة، وأزقة جانبية، وميدان دائري تتفرع منه الطرق، وعلى الجانبين بيوت من الرخام والغرانيت بأعمدة وقباب وتماثيل. هذه هي مقبرة ريكوليتا (Cementerio de la Recoleta)، أول مقبرة عامة في بوينس آيرس وواحد من أكثر معالمها زيارة، حتى صار اسمها يتردد في قوائم أجمل مقابر العالم إلى جانب بير لاشيز في باريس وستاغليينو في جنوة.
تمتد المقبرة على نحو 54 ألف متر مربع، وتضم قرابة 4700 قبو وضريح، أُدرجت عشرات منها في عداد المعالم التاريخية الوطنية، بينما أُعلنت المقبرة نفسها متحفاً تاريخياً وطنياً منذ عام 1946.

من بستان دير إلى أول مقبرة عامة في المدينة
في مطلع القرن الثامن عشر وصل الرهبان الفرنسيسكان «المنقطعون» — لوس ريكوليتوس — إلى هذه البقعة التي كانت يومها خارج حدود بوينس آيرس، فبنوا فيها ديراً وكنيسة عام 1732 تحت اسم سيدة البيلار. وأطلق الأهالي على كنيسة الرهبان اسم «لا ريكوليتا» اختصاراً، ثم انسحب الاسم على الحي كله.
وحين حُلّت الرهبنة عام 1822 تحوّل بستان الدير في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه إلى أول مقبرة عامة في المدينة، بقرار من حاكم مقاطعة بوينس آيرس مارتين رودريغيث ووزيره برناردينو ريفادافيا ضمن إصلاحاته. ووضع تصميمها الأول المهندس الفرنسي بروسبيرو كاتيلين ومعه زملاء له، ثم أعاد المهندس المعماري خوان أنطونيو بوسكياتسو تخطيطها عام 1881 بتكليف من أول عمدة للمدينة تركواتو دي ألبيار: سور من الآجر، وشوارع مرصوفة، ومدخل جديد على الطراز الكلاسيكي.
وفي أرضية المدخل ثلاثة تواريخ محفورة: 1822 سنة التأسيس، و1881 سنة التجديد الأول، و2003 سنة التجديد الثاني.

مدينة صغيرة داخل المدينة
ما يفاجئ الزائر أول مرة أن المقبرة مخططة كحيّ سكني: مربعات تفصلها شوارع متعامدة وأزقة وطرق قُطرية، وفي وسطها ميدان دائري تتفرع منه الطرق الرئيسية، يقوم فيه تمثال للمسيح من عمل النحات بيدرو ثونثا بريانو عام 1914. والأضرحة نفسها «بيوت» بأبواب من البرونز ودرجات تهبط إلى الأقبية، تتجاور فيها الكلاسيكية الجديدة والقوطية الجديدة وآر نوفو وآر ديكو في مساحة واحدة.
وهذا التنوع سجلٌّ لمرحلة بعينها: أواخر القرن التاسع عشر حين كانت الأرجنتين من أسرع اقتصادات العالم نمواً، وحين انتقلت أثرى عائلات بوينس آيرس إلى شمال المدينة هرباً من وباء الحمى الصفراء الذي ضرب حيَّي سان تيلمو ومونسيرات في سبعينيات ذلك القرن، فبنت في ريكوليتا مساكنها ومدافنها معاً.

المدخل ورموزه الأحد عشر
يتقدم المقبرةَ رواقٌ من أربعة أعمدة على الطراز الدوري اليوناني، أُنجز في تجديد 1881. وعلى واجهته الخارجية عبارة لاتينية: Requiescant in pace «ليرقدوا بسلام»، وعلى واجهته الداخلية من جهة المقبرة: Expectamus Dominum «ننتظر الرب»، في ما يشبه حواراً بين الأحياء والأموات.
وفوق الأعمدة أحد عشر رمزاً منحوتاً للحياة والموت: المغزل والمقص لخيط العمر الذي يُقطع في أي لحظة، والنحلة للعمل والدأب، والأفعى التي تعض ذيلها للبداية والنهاية، والمشاعل المقلوبة للموت، والبومة للحارس الساهر، والساعة المائية لمرور الوقت.

إيفا بيرون.. أشهر من ترقد هنا
في القسم السادس عشر من المقبرة يقف ضريح عائلة دوارتي على طراز آر ديكو، ببابه البرونزي المزخرف بالأزهار والأوراق المنمّقة. هنا ترقد إيفا دوارتي دي بيرون «إيفيتا»، سيدة الأرجنتين الأولى التي عُرفت بعملها الاجتماعي في عهد زوجها الرئيس خوان دومينغو بيرون، وتوفيت عام 1952 وهي في الثالثة والثلاثين.
ولجثمانها قصة طويلة: بعد انقلاب 1955 نُقل سراً وأُخفي سنوات بعيداً عن البلاد، ولم يستقر في هذا الضريح إلا عام 1976. وأمام الباب البرونزي تجد في أي يوم من أيام السنة زهوراً ورسائل يتركها الزوار، وهو أكثر مواضع المقبرة ازدحاماً.


رؤساء وقادة وأدباء
ريكوليتا مقبرة الطبقة الحاكمة في الأرجنتين منذ قرنين، وفي شوارعها أضرحة عدد من رؤساء البلاد وقادتها: بارتولومي ميتري، وخوليو أرخنتينو روكا، ودومينغو فاوستينو سارمينتو، وراؤول ألفونسين، ورفات خوان مانويل دي روساس الذي أُعيد من منفاه في إنكلترا ودُفن هنا عام 1989. وفيها ضريح مانويل دوريغو، وقبر فاكوندو كيروغا الذي تعلوه «دولوروسا» من رخام كارارا للنحات الإيطالي أنطونيو تانتارديني، وتُعدّ أول عمل فني في المقبرة.
ومن الأسماء الأخرى: العالم لويس فيديريكو لِلوار الحائز جائزة نوبل في الكيمياء، والملاكم لويس أنخل فيربو. أما الكاتب خورخي لويس بورخيس فقد تمنى في إحدى قصائده أن يوارى الثرى في هذا المكان، غير أنه دُفن في جنيف.

حكايات يرويها الأدلاء
لكل مقبرة قديمة رواياتها، ولريكوليتا نصيبها منها. أشهرها حكاية روفينا كامباثيريس، الفتاة التي توفيت عام 1902 يوم عيد ميلادها التاسع عشر، وتقول الرواية المتداولة إن تابوتها وُجد لاحقاً وقد تغيّر موضعه، فقيل إنها دُفنت وهي في غيبوبة، وأقام لها أهلها ضريحاً على طراز آر نوفو يمثلها واقفة تدفع باب قبرها.
وإلى جانبها قصة ليليانا كروتشياتي التي قضت عام 1970 في انهيار جليدي أثناء رحلة إلى أوروبا، فنُصب لها تمثال بثوب الزفاف وإلى جانبها كلبها، وكتب أبوها على الضريح قصيدة. وثالثة عن دافيد أليينو، حارس المقبرة الذي ادّخر أجره ثلاثين عاماً ليشتري لنفسه قبراً فيها وتمثالاً يقف به حاملاً مكنسته ومفاتيحه.
وهي روايات يتناقلها الأدلاء والزوار، اختلطت فيها الوقائع بما نسجته الذاكرة الشعبية على مدى قرن.

متحف مفتوح للنحت
يمكن قراءة ريكوليتا بوصفها معرضاً في الهواء الطلق: ملائكة رخامية بأجنحة مبسوطة، ونساء باكيات، وصلبان، وتماثيل نصفية من البرونز، ولوحات بارزة على الأبواب. كثير من هذه الأعمال جُلب من مشاغل النحت في إيطاليا وفرنسا في زمن الطفرة الاقتصادية، وبعضها موقّع بأسماء معروفة في تاريخ النحت في الأرجنتين، حتى صارت المقبرة مقصداً لدارسي العمارة والنحت لا للسياح وحدهم.

ما حول المقبرة
قلّما تُزار ريكوليتا وحدها. فإلى جوارها مباشرة تقوم بازيليكا سيدة البيلار، كنيسة الدير القديم التي يعود بناؤها إلى عام 1732 وهي بدورها معلم تاريخي وطني، ويجاورها المركز الثقافي «ريكوليتا». وأمامها تمتد ساحة فرنسا وحدائقها حيث تُقام في نهاية الأسبوع سوق للحرف اليدوية، وعلى مسافة مشي قصيرة تقف زهرة «فلوراليس خينيريكا» المعدنية العملاقة، وهي من أشهر منحوتات المدينة الحديثة.

معلومات تهم الزائر
العنوان: شارع خونين 1760 في حي ريكوليتا، ويصلها عدد من خطوط الحافلات، وأقرب محطات المترو إليها محطات الخط الأخضر (H) على مسافة مشي قصيرة.
الدخول: تفتح المقبرة أبوابها يومياً في ساعات النهار. والدخول مجاني للمقيمين في الأرجنتين، بينما تفرض حكومة مدينة بوينس آيرس منذ عام 2022 رسماً على الزوار الأجانب، ويُستحسن التحقق من المواعيد والرسوم قبل الزيارة لأنها تتغير من موسم إلى آخر.
نصيحة: تنظَّم في المقبرة جولات بصحبة أدلاء بالإسبانية والإنكليزية، وهي خير ما يعين على العثور على الأضرحة المشهورة وسط متاهة الشوارع، إذ يسهل أن يمضي الزائر ساعة كاملة دون أن يهتدي إلى ضريح إيفيتا. وأفضل أوقات الزيارة ساعات الصباح الأولى أو ما قبل الإغلاق، حين يخف الزحام ويصير الضوء المائل أنسب للتصوير.


الصور: ويكيميديا كومنز — Liam Quinn (CC BY-SA 2.0)، Christian Haugen (CC BY 2.0)، ProtoplasmaKid (CC BY-SA 4.0)، Jose Luis1972 (CC BY-SA 4.0)، Martin Rulsch/DerHexer (CC BY-SA 4.0)، Balou46 (CC BY-SA 4.0)، Godot13 (CC BY-SA 4.0)، Seauton (CC BY-SA 4.0)، Ezarate (CC BY-SA 4.0)، Monster4711 (CC0).










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.