سوق سان تيلمو.. منذ عام 1897 تحت سقف من الحديد والزجاج
في قلب أقدم أحياء بوينس آيرس يقوم سوق سان تيلمو منذ عام 1897: بناء من الحديد والزجاج يشغل داخل مربّع سكني كامل، تتجاور فيه بسطات الخضار واللحوم القديمة مع محلات الأنتيكا ومطاعم صغيرة جعلته اليوم من أكثر مقاصد المدينة زحاماً.
في قلب أقدم أحياء بوينس آيرس يقوم سوق سان تيلمو منذ عام 1897: بناء من الحديد والزجاج يشغل داخل مربّع سكني كامل، تتجاور فيه بسطات الخضار واللحوم القديمة مع محلات الأنتيكا ومطاعم صغيرة جعلته اليوم من أكثر مقاصد المدينة زحاماً.
بوينس آيرس – ArgentiNews
من الخارج لا يبدو أن هناك سوقاً. واجهة إيطالية الطراز بأقواس نصف دائرية، ومحلات صغيرة تفتح أبوابها على الرصيف، وبيوت من الطابقين تحيط بمربّع سكني كامل. لكنّك ما إن تعبر أحد المداخل حتى تجد نفسك تحت سقف واسع من عوارض الحديد وألواح الزجاج، وتحته ممرّات تصطفّ فيها بسطات الخضار واللحوم، ومحلات تبيع الغراموفونات والكاميرات القديمة، وطاولات صغيرة يجلس إليها الناس يأكلون.
هذا هو سوق سان تيلمو (Mercado de San Telmo)، الذي فُتح عام 1897 وما زال يعمل، وهو من أقدم أسواق بوينس آيرس المسقوفة الباقية، وأحد أكثر مواضع الحي زيارة.

سوق بُني لمدينة المهاجرين
في أواخر القرن التاسع عشر كانت بوينس آيرس تتضاعف بالمهاجرين الإيطاليين والإسبان، وكان الحي الجنوبي — سان تيلمو — من أكثر أحيائها اكتظاظاً. فكُلّف المهندس المعماري خوان أنطونيو بوسكياتسو بتصميم سوق مغطّى لأهل الحي، لحساب رجل الأعمال أنطونيو ديفوتو، وافتُتح جسمه المركزي عام 1897 بمدخله عند زاوية شارعَي بوليبار وكارلوس كالبو.
وبوسكياتسو نفسه هو من أعاد تخطيط مقبرة ريكوليتا عام 1881 وبنى مدخلها الكلاسيكي، وهو من الأسماء التي طبعت وجه بوينس آيرس في ذلك الجيل. وفي عام 1930 أضيف إلى السوق ذراعان جديدان بمخرجين على شارعَي ديفينسا وإستادوس أونيدوس، فصار له أربعة مداخل من أربعة شوارع، وصار يشغل جوف المربّع السكني كله.

حديد وزجاج: عمارة السوق
البناء في جوهره هيكل من عوارض الحديد يحمل سقفاً من ألواح الصفيح وقطع الزجاج، على طريقة أسواق أوروبا المسقوفة في القرن التاسع عشر. وفي وسطه فانوس زجاجي مثمّن يهبط منه الضوء إلى الممرّات، وهو أجمل ما في المكان حين تنظر إلى أعلى.
أما الواجهة الخارجية فإيطالية الطراز، بأقواس نصف دائرية وأعمدة على النظام التوسكاني، تأوي محلات لها أبوابها الخاصة من الرصيف مباشرة، أكثرها مقاهٍ وحانات، ومنها اثنتان معروفتان: «سان بيدرو تيلمو» و«لا كورونيا». وهذا التداخل بين البيوت والسوق هو ما يجعل الزائر يمرّ بالبناء من الخارج فلا ينتبه إلى ما بداخله.


الممرّات: خضار ولحوم وأسماك
ما زال في السوق ما يسمّيه أهل الحي «بسطات الحيّ»: محلات خضار وفواكه ولحوم وأسماك وأجبان، بعضها في يد العائلة نفسها منذ عقود، بلافتاتها القديمة وأسعارها المكتوبة باليد. هنا يشتري سكان سان تيلمو حاجتهم اليومية، لا السيّاح.
ومن طرائف المكان لافتات الجزارين ورموزها المعلّقة فوق الرؤوس، وصناديق الفواكه المرصوفة على شكل أهرام عند مداخل المحلات، ورائحة القهوة تخرج من زاوية قريبة. وهذا الوجه اليومي هو ما يميّز سوق سان تيلمو عن سوق سياحي صرف.


الأنتيكا: الوجه الثاني للسوق
إلى جانب البسطات القديمة نبتت في السوق تجارة أخرى: الأنتيكا. محلات صغيرة مكدّسة بالغراموفونات وأبواق النحاس والكاميرات القديمة وأدوات المائدة الفضّية والساعات والصور واللوحات وأباريق «المَتّة» من القرع المزيّن.
ولهذه التجارة تاريخ يرتبط بالحي كله: ففي عام 1970، وبمبادرة من المعماري خوسيه ماريا بينيا، أُقيمت في ساحة دوريغو «سوق الأشياء القديمة والأنتيكا سان بيدرو تيلمو»، بقصد أن يعيد أهل بوينس آيرس تقدير تراثهم المعماري في زمن كانت الجرافات تهدم فيه بيوت الحي. ومن تلك البذرة نشأ قطب من تجّار الأنتيكا اجتذب السيّاح، ووصل أثره إلى داخل السوق المسقوف.


ومن سوق حيّ إلى مقصد للأكل
في السنوات الأخيرة تغيّر ميزان السوق مرة أخرى: فُتحت فيه طاولات ومطاعم صغيرة تقدّم الإمبانادا والتشوريبان واللحم المشوي والمعجّنات الإيطالية والقهوة والنبيذ، وصار كثير من زوّاره يأتون ليأكلوا لا ليشتروا. وفي ساعات المساء وأيام العطل يمتلئ الممرّ الأوسط بالجالسين حتى يصعب المرور.
وهذا التحوّل موضع نقاش بين أهل الحي: فهو ما يدفع الإيجارات إلى أعلى ويضيّق على البسطات القديمة، وهو في الوقت نفسه ما أعاد إلى البناء حياةً ومالاً لصيانته. والسوق اليوم يعيش بوجهيه معاً: سوقُ حيٍّ في الصباح، ومقصدُ طعامٍ في المساء.


السوق داخل حيّه: سان تيلمو
لا يُفهم السوق بمعزل عن حيّه. سان تيلمو — واسمه من القدّيس بيدرو غونثاليث تيلمو شفيع البحّارة — من أقدم أحياء بوينس آيرس وأفضلها حفظاً: بيوت استعمارية، وشرفات من الحديد المشغول، وشوارع ما زالت مرصوفة بالحجارة.
وقلبه ساحة دوريغو، ثاني أقدم ساحات المدينة، وأصلها يعود إلى عام 1586 حين كانت تُعرف بـ«علوّ العربات». وفي كل يوم أحد تمتدّ منها سوق سان تيلمو للأنتيكا والحرف اليدوية على طول شارع ديفينسا، مع عازفين وراقصي تانغو وتماثيل حيّة ولاعبي خفّة، حتى يصير الشارع كله مهرجاناً.
وفي الحي كذلك كنيسة سان بيدرو غونثاليث تيلمو، ومتنزّه ليسّاما، ومنحوتة «نشيد العمل» للنحّات روخيليو إيرورتيا التي نُقلت إلى موضعها الحالي عام 1937، ومتاحف ومقاهٍ تاريخية.




معلومات تهم الزائر
العنوان: السوق في جوف المربّع المحصور بين شوارع بوليبار وكارلوس كالبو وديفينسا وإستادوس أونيدوس، ومدخله الرئيسي عند زاوية بوليبار وكارلوس كالبو، وله مداخل أخرى من الشوارع الثلاثة الباقية.
كيف تصل: بالمترو، وأقرب محطاته محطة «إندبندنسيا» على الخط C على بعد بضع بنايات، أو بمحطات الخط E القريبة، وبعدد من خطوط الحافلات، أو مشياً من ساحة مايو في نحو عشرين دقيقة على طول شارع ديفينسا.
متى تزوره: يفتح السوق يومياً في ساعات النهار، ويُنصح بمراجعة مواعيده قبل الزيارة لأنها تتغيّر. صباح أيام الأسبوع أهدأ ما يكون وأقرب إلى صورته الأصلية، أما الأحد فهو يوم السوق الكبير في الحي كله: ازدحام شديد، وسوق الأنتيكا في ساحة دوريغو وشارع ديفينسا.
ماذا تأكل: الإمبانادا، والتشوريبان، وشطائر اللحم، والمعجّنات الإيطالية، والقهوة في إحدى الزوايا القديمة. وأسعار الطعام داخل السوق أعلى من متوسط الحي، وهو ثمن الموقع.
نصيحة: انتبه إلى حقيبتك وهاتفك في الزحام كما في أي سوق مزدحم، وخصّص وقتاً للنظر إلى أعلى: سقف الحديد والزجاج هو المعلَم الحقيقي في هذا المكان.

الصور: ويكيميديا كومنز — Phillip Capper (CC BY 2.0)، Matias Garabedian (CC BY-SA 2.0)، Elsapucai (في الملك العام)، Nadina Lores (CC BY-SA 4.0)، David Brossard (CC BY-SA 2.0)، Liam Quinn (CC BY-SA 2.0)، Guillaume Baviere (CC BY-SA 2.0)، Laura Valerga (CC BY-SA 3.0)، McKay Savage (CC BY 2.0)، Josefito123 (CC BY-SA 4.0)، Eugenio Hansen OFS (CC BY-SA 4.0)، Jorge Láscar (CC BY 2.0)، Helge Høifødt (CC BY-SA 3.0)، Banfield (CC BY-SA 2.5 ar)، Andrzej Otrębski (CC BY-SA 4.0).










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.