بوينس آيرس: العاصمة التي تأسّست مرّتين وصارت مدينة الميناء والمهاجرين والتانغو
بوينس آيرس هي عاصمة الأرجنتين وأكبر مدنها، مدينة مستقلّة إدارياً عن المحافظة التي تحمل الاسم نفسه، وتقع على الضفّة الغربية لنهر لا بلاتا. يشرح الملفّ تأسيسها مرّتين في القرن السادس عشر، وتحوّلها إلى عاصمة اتّحادية سنة 1880 ثمّ إلى مدينة ذاتية الحكم، وأحياءها ومعالمها الكبرى، وأثر الهجرة والتانغو في هويّتها، وسكّانها ومناخها.
هُجرت بوينس آيرس بعد خمس سنواتٍ من تأسيسها الأول، ثمّ عادت لتصبح واحدة من أكبر مدن أمريكا الجنوبية وأكثرها حضوراً في السياسة والثقافة، وتختصر كثيراً من قصّة الأرجنتين نفسها.
مدينة على ضفّة نهرٍ واسع
تقع بوينس آيرس على الضفّة الغربية لنهر لا بلاتا، في سهلٍ منبسط لا تكاد ترتفع فيه الأرض عن مستوى الماء. وهي عاصمة الأرجنتين ومقرّ رئاستها وحكومتها وبرلمانها ومحكمتها العليا، وأكبر مدنها وأهمّ موانئها.
واسمها الرسمي اليوم «مدينة بوينس آيرس ذاتية الحكم»، وهي ليست جزءاً من محافظة بوينس آيرس التي تحيط بها من البرّ، بل كيانٌ قائمٌ بذاته يشبه في وضعه المحافظات. ويخلط كثيرون بين المدينة والمحافظة لأنّهما تحملان الاسم نفسه، مع أنّ عاصمة المحافظة هي مدينة لا بلاتا لا بوينس آيرس.
وتبلغ مساحة المدينة نحو 203 كيلومترات مربّعة فقط، مقسّمة إلى 48 حيّاً تجمعها 15 دائرة إدارية. ويسمّي الأرجنتينيون أهلها «البورتينيوس»، أي أهل الميناء، وهو اسمٌ يدلّ على أنّ الميناء كان منذ البداية سبب وجود المدينة ومصدر ثروتها.
تأسيسٌ أوّل لم يدم
وصل المستكشف الإسباني بيدرو دي مندوسا إلى ضفاف النهر في مطلع سنة 1536 على رأس حملةٍ كبيرة، وأقام مستوطنةً سمّاها «سانتا ماريا ديل بوين آيري»، أي «القدّيسة مريم ذات الهواء الطيّب»، ومن هذا الاسم جاءت تسمية المدينة.
لكنّ المستوطنة عانت من الجوع ومن الصراع مع السكّان الأصليين من شعب الكيراندي، فمات كثيرٌ من أهلها، وغادر مندوسا نفسه مريضاً ومات في البحر. وفي سنة 1541 قرّرت السلطات الإسبانية إخلاءها ونقل من بقي فيها إلى أسونسيون، عاصمة الباراغواي اليوم.
خوان دي غاراي والتأسيس الثاني
بعد نحو أربعين سنة نزل من أسونسيون جنوباً المستكشف خوان دي غاراي مع عددٍ قليل من المستوطنين، ومعظمهم من المولودين في أمريكا. وفي 11 يونيو 1580 أعاد تأسيس المدينة، ووزّع أراضيها على مرافقيه، ورسم شوارعها على شكل رقعة شطرنج حول ساحةٍ كبرى صارت فيما بعد ساحة مايو.
ظلّت بوينس آيرس مدةً طويلة بلدةً صغيرة في طرف الإمبراطورية الإسبانية، لأنّ التاج كان يحصر التجارة في موانئ أخرى، فانتشر فيها التهريب. ثمّ تغيّر وضعها سنة 1776 حين جُعلت عاصمة «نيابة ملك ريو دي لا بلاتا»، وهي وحدة إدارية واسعة شملت الأرجنتين والأوروغواي والباراغواي وبوليفيا اليوم.
وفي 1806 و1807 صدّ أهل المدينة حملتين بريطانيتين، فقوي شعورهم بقدرتهم على تدبير أمرهم. ومن مبنى «الكابيلدو»، أي المجلس البلدي، انطلقت ثورة مايو 1810 التي أسقطت سلطة نائب الملك وفتحت طريق الاستقلال.

من مدينة الميناء إلى العاصمة الاتّحادية
بعد الاستقلال دام الخلاف عقوداً بين بوينس آيرس وسائر المحافظات. فالمدينة كانت تملك الميناء الوحيد الكبير وتجبي رسوم الجمارك، والمحافظات كانت تطالب بنصيبها من هذا الدخل وبدولةٍ اتّحادية لا تتحكّم فيها العاصمة. وتحوّل الخلاف مراراً إلى حروبٍ أهلية.
وحُسم الأمر سنة 1880 بعد مواجهةٍ مسلّحة بين قوّات محافظة بوينس آيرس والحكومة الوطنية، إذ صدر قانونٌ في سبتمبر من ذلك العام يفصل المدينة عن المحافظة ويجعلها عاصمةً اتّحادية للبلاد. فاحتاجت المحافظة إلى عاصمةٍ جديدة، وأُسّست لهذا الغرض مدينة لا بلاتا سنة 1882.
وظلّ رئيس الجمهورية يعيّن رئيس بلدية العاصمة أكثر من قرن. ثمّ نصّ الإصلاح الدستوري سنة 1994 على أن تحكم المدينة نفسها، فوُضع لها دستورٌ خاصّ سنة 1996، وانتُخب في العام نفسه أوّل «رئيس حكومة» للمدينة بالاقتراع المباشر. ولها اليوم برلمانٌ محلّي وشرطةٌ خاصّة بها، ويرأس حكومتها منذ ديسمبر 2023 خورخي ماكري.
المهاجرون الذين صنعوا المدينة
بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين استقبلت الأرجنتين ملايين المهاجرين الأوروبيين، ونزل معظمهم في ميناء بوينس آيرس. كان أغلبهم من الإيطاليين والإسبان، ومعهم فرنسيون وألمان ويهود من أوروبا الشرقية، ومهاجرون من سورية ولبنان كان الأرجنتينيون يسمّونهم «الأتراك» لأنّهم وصلوا بجوازات الدولة العثمانية.
وكان القادمون يقيمون أيّاماً في «فندق المهاجرين» قرب الميناء قبل أن يتوزّعوا في البلاد. وفي تعداد 1914 كان نحو نصف سكّان المدينة مولودين خارج الأرجنتين. وقد ترك هذا الخليط أثره في كلّ شيء: في لهجة أهل المدينة التي تشبه نغمتها الإيطالية، وفي مطبخها الذي تحتلّ فيه البيتزا والمعكرونة مكاناً إلى جانب اللحم المشوي، وفي أسماء عائلاتها.

ساحة مايو والكاسا روسادا
ساحة مايو هي قلب المدينة التاريخي والسياسي. على جانبها الشرقي يقوم مقرّ الرئاسة المعروف باسم الكاسا روسادا، أي «البيت الوردي»، لونه المميّز. وعلى جوانبها الأخرى مبنى الكابيلدو القديم والكاتدرائية الكبرى ومبانٍ حكومية ومصرفية. وفي وسطها «هرم مايو»، وهو أقدم نصبٍ في المدينة، أُقيم سنة 1811 تخليداً لذكرى الثورة.
وكانت الساحة مسرحاً لأهمّ أحداث القرن العشرين في البلاد: فيها تجمّع أنصار خوان دومينغو بيرون يوم 17 أكتوبر 1945، ومنها خاطب الرؤساء الجماهير من شرفة الكاسا روسادا. ومنذ 1977 تطوف فيها «أمّهات ساحة مايو» كلّ خميس للمطالبة بمعرفة مصير أبنائهنّ المختفين في عهد الحكم العسكري، وقد صار وشاحهنّ الأبيض علامةً معروفة.
ومن الساحة تمتدّ غرباً «جادّة مايو» حتّى مبنى الكونغرس، فتربط بين مقرّ السلطة التنفيذية ومقرّ السلطة التشريعية.

جادّة 9 يوليو والمسلّة
تشتهر بوينس آيرس بشوارعها العريضة، وأعرضها جادّة 9 يوليو التي يقارب عرضها 140 متراً، وتحمل اسم يوم إعلان الاستقلال سنة 1816. افتُتح أوّل جزءٍ منها سنة 1937 بعد هدم صفٍّ كامل من المباني، واستمرّ العمل في امتدادها عقوداً.
وعند تقاطعها مع جادّة كورّيينتس تقوم المسلّة، وهي نصبٌ أبيض يبلغ ارتفاعه 67.5 متراً، بُني سنة 1936 في أسابيع قليلة بمناسبة مرور أربعة قرون على تأسيس المدينة الأول. وصارت المسلّة رمز المدينة الأشهر، يتجمّع عندها الأرجنتينيون للاحتفال بانتصارات منتخبهم في كرة القدم.
وجادّة كورّيينتس نفسها هي شارع المسارح والمكتبات ومطاعم البيتزا، وتبقى حيّةً حتّى ساعات متأخّرة من الليل.

مسرح كولون والحياة الثقافية
مسرح كولون هو دار الأوبرا الكبرى في المدينة، افتُتح مبناه الحالي يوم 25 مايو 1908 بعد نحو عشرين سنة من البناء. وتتّسع قاعته لنحو 2500 مقعد، ويُعدّ صوتها من أفضل قاعات الأوبرا في العالم. وقد غنّى وقاد على مسرحه كبار فنّاني القرن العشرين، وأُعيد افتتاحه سنة 2010 بعد ترميمٍ طويل.
وفي المدينة مئات المسارح والمتاحف والمكتبات، ومعرضٌ سنوي كبير للكتاب يُعدّ من أكبر معارض الكتب في العالم الناطق بالإسبانية. وكانت بوينس آيرس أوّل مدينة في أمريكا اللاتينية يُفتتح فيها خطّ قطار تحت الأرض، وذلك سنة 1913.

أحياء لكلٍّ منها طابعه
لا بوكا، عند مصبّ نهر ماتانثا في لا بلاتا، كان حيّ عمّال الميناء والمهاجرين الآتين من جنوى الإيطالية. بنى سكّانه بيوتهم من الصفيح والخشب وطلوها بما بقي من دهان السفن، فخرجت بألوانها الزاهية التي صارت اليوم مقصداً للزوّار في شارع «كامينيتو». وفيه ملعب نادي بوكا جونيورز المعروف باسم «لا بومبونيرا».
سان تيلمو من أقدم أحياء المدينة، شوارعه مرصوفة بالحجر وبيوته من القرن التاسع عشر. سكنته العائلات الميسورة حتّى أصابت المدينة حمّى صفراء سنة 1871 فانتقلت شمالاً، وتحوّلت البيوت الكبيرة إلى مساكن جماعية للمهاجرين. ويُقام فيه كلّ أحد سوقٌ للتحف القديمة في شارع ديفينسا.
ريكوليتا هو الحيّ الذي انتقلت إليه تلك العائلات، وتغلب عليه القصور والمباني على الطراز الفرنسي. وفيه مقبرة ريكوليتا التي افتُتحت سنة 1822، وفيها أضرحة رؤساء وكتّاب وشخصيات كثيرة، منها ضريح عائلة دوارتي حيث دُفنت إيفا بيرون.
باليرمو أكبر أحياء المدينة مساحة، تكثر فيه الحدائق والبحيرات، وأشهرها حدائق «الثالث من فبراير»، كما يضمّ حديقة الورود والحديقة اليابانية وأحياءً سكنية تكثر فيها المقاهي والمطاعم.



مدينة التانغو
وُلد التانغو في أواخر القرن التاسع عشر في الأحياء الفقيرة والموانئ على ضفّتي نهر لا بلاتا، في بوينس آيرس ومونتيفيديو. اختلطت فيه إيقاعات أفريقية وأغانٍ ريفية وألحان حملها المهاجرون الأوروبيون، وكانت آلة «الباندونيون» القادمة من ألمانيا صوته المميّز.
وانتقل التانغو في أوائل القرن العشرين من الأحياء الشعبية إلى صالونات باريس، ثمّ عاد إلى بوينس آيرس مقبولاً عند الطبقات الميسورة. وكان المغنّي كارلوس غارديل أشهر أصواته. وفي 2009 أدرجته اليونسكو في قائمة التراث الثقافي غير المادّي للبشرية، باقتراحٍ مشترك من الأرجنتين والأوروغواي. وما زالت قاعات الرقص الشعبية المعروفة بـ«الميلونغا» تعمل في أحياء المدينة كلّ ليلة.
وإلى جانب التانغو تُعرف المدينة بمقاهيها القديمة، وأشهرها مقهى «تورتوني» في جادّة مايو الذي افتُتح سنة 1858، وكان ملتقى الكتّاب والفنّانين. وكرة القدم جزءٌ من حياتها اليومية، ففيها عشرات الأندية، ومنها بوكا جونيورز وريفر بليت اللذان تُعدّ مبارياتهما من أشهر مباريات الأندية في العالم.
السكّان والإقليم الحضري
بلغ عدد سكّان المدينة نفسها نحو 3.1 مليون نسمة في تعداد 2022، وهو رقمٌ لم يتغيّر كثيراً منذ منتصف القرن العشرين، لأنّ النموّ انتقل إلى الضواحي. فإذا أُضيفت البلديات الأربع والعشرون المحيطة بها في محافظة بوينس آيرس، يقارب العدد 14 مليون نسمة، أي نحو ثلث سكّان البلاد، ما يجعلها من أكبر التجمّعات الحضرية في أمريكا اللاتينية.
ويفصل بين المدينة وضواحيها طريقٌ دائري يُعرف بـ«الجنرال باث» ومجرى نهر ماتانثا ريّاتشويلو. ويعبر هذا الحدّ كلّ يوم ملايين العاملين ذهاباً وإياباً. وتنتج المدينة وحدها قرابة خُمس الناتج المحلّي للأرجنتين، وتتركّز فيها المصارف والشركات الكبرى ووسائل الإعلام.
ويتنقّل السكّان بشبكة قطارات الأنفاق المعروفة بـ«السوبتي»، وبقطارات الضواحي التي تنطلق من محطّات كبيرة مثل ريتيرو وكونستيتوثيون، وبمئات خطوط الحافلات التي يسمّيها أهل المدينة «كوليكتيفو». وللمدينة مطاران: مطار خورخي نيوبيري المحلّي على ضفّة النهر قرب باليرمو، ومطار إيثيثا الدولي في الضواحي الجنوبية الغربية، وهو البوّابة الرئيسية للرحلات القادمة من الخارج.
الميناء والنهر والمناخ
نهر لا بلاتا ليس نهراً بالمعنى المعتاد، بل مصبٌّ واسع يلتقي فيه نهرا بارانا والأوروغواي قبل أن يصبّا في المحيط الأطلسي، ويبلغ عرضه عند مصبّه نحو 220 كيلومتراً. ومياهه بنّية لكثرة ما تحمله من طمي، وعلى ضفّته المقابلة تقع الأوروغواي.
وفي أواخر القرن التاسع عشر بُني ميناءٌ حديث سُمّي «بويرتو ماديرو»، لكنّه لم يعد صالحاً للسفن الكبيرة بعد سنواتٍ قليلة فأُهمل. ومنذ تسعينيات القرن العشرين تحوّلت أحواضه ومخازنه القديمة إلى حيّ جديد من المكاتب والمساكن والمطاعم، وأقيم فوق أحد أحواضه «جسر المرأة» الذي صمّمه المهندس الإسباني سانتياغو كالاترافا وافتُتح سنة 2001. أمّا حركة السفن اليوم فتجري في الميناء الجديد شمال وسط المدينة.
ومناخ المدينة رطبٌ معتدل، صيفها من ديسمبر إلى فبراير حارٌّ رطب، وشتاؤها من يونيو إلى أغسطس بارد معتدل نادراً ما تنخفض فيه الحرارة تحت الصفر. ويقارب متوسّط الأمطار 1200 مليمتر في السنة، تتوزّع على الفصول كلّها. أمّا الثلج فنادر جدّاً، وآخر مرّة تساقط فيها بشكلٍ واضح كانت في يوليو 2007.












التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.