الكيلمس: آخر معاقل وادي كالتشاكي والشعب الذي سيق مشياً إلى بوينس آيرس
الكيلمس شعب من الكالتشاكي، من جماعة الدياغيتا، عاش في وادي كالتشاكي غرب توكومان وبنى أكبر مستوطنة سابقة للاستعمار في الأرجنتين. هُزم في حروب كالتشاكي، فرُحّل أهله عامَي 1666 و1667 إلى «مستوطنة» قرب بوينس آيرس حيث فنوا بالأوبئة، وقامت على أرضها مدينة كيلمس. واستعاد أحفادهم أطلال مدينتهم المقدّسة في توكومان عام 2008.
قبل أن تصير «كيلمس» اسماً لمدينة في ضواحي بوينس آيرس، كانت قلعة حجرية على سفح جبل في توكومان يسكنها شعب قاوم الإسبان حتى 1667، ثم سيق من نجا منه مشياً على الأقدام مسافة نحو 1,200 كيلومتر.
من هم الكيلمس
الكيلمس Quilmes / Kilmes شعب من الكالتشاكي، أحد فروع الدياغيتا، سكن غرب ولاية توكومان الحالية في الوديان الواقعة تحت جبال الأنديز. واسمهم في لغة الكاكان «كيلم» أو «كيلمي». وهم غير نادي كيلمس لكرة القدم، وغير مدينة كيلمس في ولاية بوينس آيرس، وإن كانت المدينة قد أخذت اسمها منهم بعد أن رُحّلوا إلى موضعها.
لا اتّفاق على معنى الاسم وأصله. فعند صامويل لافوني كيفيدو يعود إلى لغة الماسكوي، حيث «كيل» أداة تدلّ على الجمع و«مي» جذر يدلّ على الأصل العرقي. وثمّة رأي مقبول آخر يرى فيه تحريفاً لكلمة «كيلبي» في الكيتشوا، ومعناها «النشيط، القلِق، المتّقد»، فيكون الاسم «المتّقدون» أو «الشجعان». ويرى الكاتب ليون بيناروس أنّها كلمة من الكاكان ضاع معناها بضياع اللغة.
استقرّ الكيلمس في وادي كالتشاكي نحو أواخر القرن الخامس عشر، وقاوموا غزو الإنكا في ذلك القرن مقاومة شديدة، ثم قاوموا الإسبان نحو 130 عاماً حتى هزيمتهم عام 1667. وتُعدّ مدينتهم المحصّنة على سفح سيرو ألتو ديل ري من أهمّ المواقع الأثرية في الأرجنتين.
أين يعيشون: الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -26.4648, -66.0369. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
المدينة المقدّسة: أطلال كيلمس
تقع أطلال كيلمس Ruinas de Quilmes، أو «المدينة المقدّسة» كما يسمّيها أحفاد أهلها، في وادي كالتشاكي بولاية توكومان، غرب الطريق الوطني 40، على ارتفاع نحو 2,000 متر، وعلى بعد 182 كيلومتراً من سان ميغيل دي توكومان على طريق كافاياتي. وهي بقايا أكبر مستوطنة سابقة لوصول الأوروبيين في الأرجنتين، تمتدّ على نحو مئة هكتار عند سفح سيرو ألتو ديل ري.
بدأت المستوطنات في الوادي في القرن العاشر، وبلغت كثافة سكانية جعلت المتخصّصين يعدّونها أولى المدن السابقة للإسبان في الأرجنتين. وأتاحت هذه الكثافة توزيعاً أفضل للعمل واستغلالاً أوسع للبيئة، مع أنظمة معقّدة للزراعة والرعي والريّ. وتذكر المصادر أنّ المدينة كان يسكنها بصورة مستقرّة نحو ثلاثة آلاف نسمة، ويُقدَّر أنّ عدد من عاشوا فيها في أوجها بلغ خمسة آلاف.
تتألّف الأطلال من بيوت حجرية ترى أساساتها المستطيلة والدائرية، ومن قلعة في أعلى السفح وحصنين على جانبيها كانا يحميان المدينة من هجمات الجيران، ومن المدرّجات الزراعية والسدود التي تحفظ الماء. وكانت الذرة أساس غذاء أهلها. وكان الكيلمس في خصومة دامية مع جيرانهم الكالتشاكي، ثم تحالفوا معهم في مواجهة الإسبان. وقد بنى الإسبان فيها لاحقاً كنيسة صغيرة لتنصير سكّانها.

مجتمع الكيلمس
كان مجتمع الكيلمس منقسماً إلى فئتين واضحتين: فئة عليا تضمّ الزعيم (الكاسيكي) وأبناء نسبه، وربّما القائمين على الوظائف الدينية، ثم سائر الجماعة. وكان الزواج بين الفئتين جائزاً، لكنّ الأسرة التي تُقدم عليه تفقد حقّها في الانتماء إلى الفئة العليا. وتُظهر الحفريات في الأطلال أنّ هذا التفاوت امتدّ إلى توزيع الأرض، فلم يكن متساوياً بل تابعاً لمنزلة الفرد.
كان المجتمع أبوياً، للرجال فيه حقوق تفوق حقوق النساء. وكان منصب الزعيم يُورث من جهة الأب، ويُشترط في الوريث «نقاء الدم»، ولذلك شاع الزواج داخل الأسرة نفسها أو من بنات زعماء آخرين. وكان يحقّ لكلّ رجل بين الثامنة عشرة والخمسين من نسب الزعيم، ما لم يفقد هذا الحقّ بسبب زواجه، أن يكون عضواً في مجلس الشيوخ. وحين حُشروا في المستوطنة قرب بوينس آيرس كان الزعيم وأعضاء المجلس وحدهم معفَين من السخرة والجزية.

الحرب الأخيرة وحصار القلعة
خلال حروب كالتشاكي (1560–1667) أبدى الكيلمس مقاومة عنيدة للإسبان، وقادوا الحرب الثالثة التي امتدّت من 1658 إلى 1667. وكانت هزيمتهم النهائية أمام قوّات حاكم توكومان ألونسو مركادو إي فيشاكورتا، بعد الانتفاضة التي قادها زعيمهم فيليبي كالتشاكي عام 1665.
حاصر نحو 400 إسباني شعباً يزيد على 6,000 نفس، فمنعوهم أولاً من الوصول إلى حقولهم في سهل نهر سانتا ماريا الخصب، ثم سمّموا مصدر الماء النازل إليهم من الجبال. وكان الإسبان يملكون الدروع والأسلحة النارية، في حين قاتل الكيلمس بالأقواس والسهام والمقاليع والرماح والفؤوس ذات الرؤوس الحجرية. وبعد نحو شهر قرّر أهل المدينة الاستسلام، وكان زعيمهم مارتين إيكين المتحدّث باسمهم.
دمّر الإسبان المدينة عام 1667. ويُعتقد أنّ خطّتهم في هزيمة هذا الشعب المقاتل قامت أساساً على قطع موارده من الماء والغذاء.

الترحيل إلى بوينس آيرس (1666–1667)
في عام 1666 أصدرت «المحكمة الملكية» في بوينس آيرس قراراً بترحيل 2,000 من الكيلمس من وادي كالتشاكي إلى مستوطنة قسرية جنوب شرق بوينس آيرس، بعد أن رُفض توزيعهم على المستوطنين في مدينة قرطبة. وسُمّيت المستوطنة «مستوطنة تمجيد الصليب لكيلمس»، ثم «سانتا كروس دي لوس كيلمس».
سيق المرحَّلون مشياً على الأقدام مسافة نحو 1,200 كيلومتر، بلا ماء ولا طعام، فمات المئات في الطريق. ووصل إلى المستوطنة نحو 200 أسرة، أي ما يزيد قليلاً على ألف شخص.
وجد الواصلون أنفسهم في مستنقعات رطبة غير صحّية على ضفاف ريو دي لا بلاتا، على بعد نحو 35 كيلومتراً جنوب مدينة بوينس آيرس. لم يجدوا هناك شجرة الخرّوب المقدّسة عندهم التي كانت تمنحهم الطعام والحطب والشراب، ولم يعرفوا الأعشاب الطبية المحلية ليتداووا بها، فهلك أكثرهم بأمراض الرئة.

حياة المستوطنة ونهايتها
في 12 مايو 1668 جُبيت من المستوطنة أول جزية، وأحصى مساعد المدير عندها 186 «رجلاً من دافعي الجزية». وجرت إحصاءات لاحقة في الأعوام 1682 و1724 و1726 و1728 و1730، وفي عام 1726 لم يبقَ إلا 141 شخصاً، يعمل أكثر الرجال في البناء. وعُزي التناقص إلى ارتفاع وفيات الأطفال والأوبئة.
وحتى إلغاء السخرة عام 1718 كان على مئة رجل أن يؤدّوها بالتناوب في مجموعات من خمسة وعشرين، لقاء أربعة بيزوات ونصف عن شهر العمل. ومع الانهيار الحادّ في عدد السكّان جُبيت آخر جزية في 7 أكتوبر 1738.
في ثمانينيات القرن الثامن عشر صارت المستوطنة مقرّاً لأبرشية ماغدالينا، وفي عام 1799 وسّعت «قنصلية التجارة» في بوينس آيرس برئاسة مانويل بلغرانو منشآتها. وحين عبرت قوّات ويليام بيريسفورد المنطقة عام 1806 في أول الغزوات الإنكليزية لم تجد في المستوطنة أيّ نشاط. وكتب كاهن الأبرشية عام 1810 أنّ آخر السكّان الأصليين ماتوا في أواخر القرن الثامن عشر.
طلب الجيران رسمياً عامَي 1807 و1810 إغلاق المستوطنة وإلغاء حقّها في أرضها. وفي 12 فبراير 1812، بمبادرة من الكاهن ريباس، أعلنت «الحكومة الثلاثية الأولى» انقراض هذا الشعب، مع إقرارها بوجود ثلاث أسر مختلطة تحمل ألقاب نافارو وأمايا وسانتيشان. وفي 14 أغسطس 1812 صدر مرسوم إغلاق المستوطنة والإذن بتأسيس مدينة كيلمس الحالية على أرضها، فبيعت الأراضي في أغلبها لسكّان بوينس آيرس. وفي موضع مقرّ الأبرشية القديم تقوم اليوم كاتدرائية الحبل بلا دنس.

الأرض في توكومان: من المرسوم الملكي إلى استعادة الأطلال
تتحدّث روايات كثيرة عن «انقراض» الكيلمس عام 1716، غير أنّ التاج الإسباني أصدر في ذلك العام «مرسوماً ملكياً» يعترف بملكية الأرض التي يسكنها أهل الوادي. ومنذ عام 1770 زحف كبار الملّاك على أراضي الكيلمس والأمايتشا، فاحتفظ هؤلاء بجزء من الضفّة الشرقية لنهر سانتا ماريا، بينما سُجّل الجزء الواقع على الضفّة الغربية في سجلّ الملكية باسم المستولين عليه. وأُجبر السكّان على العمل مجّاناً لدفع ضريبة استعمال الأرض، وعلى تسليم ثلثي المحصول أو نصف المواليد من الماشية للولاية. وظلّ المرسوم الملكي وثيقة يحتجّ بها الأحفاد في المطالبة بمدينتهم المقدّسة.
اكتشف صامويل لافوني كيفيدو الأطلال عام 1888 وكتب عنها رسائل إلى صحيفة «لا ناسيون»، ثم زارها تن كاتي عام 1893، ودرسها عالم الآثار خوان باوتيستا أمبروسيتي عام 1897 فرسم لها خريطة واكتشف فيها مقبرة وربط لأول مرّة بين الكيلمس والأمايتشا. وتلته زيارات كارلوس بروتش (1911) وشرايتر (1919) الذي درس مقابر الأطفال في الجرار، وأدان كيروغا (1929). وتنسب المصادر إلى مانويل سافاليتا أنّه نقل من الأطلال إلى متحفه الخاص مئات من رؤوس السهام والتماثيل الطينية.
في عام 1977 نزعت حكومة الولاية، في عهد الحاكم أنطونيو دومينغو بوسي، ملكية 206 هكتارات من مالكها، وأُقرّ عام 1978 مشروع ترميم بالتعاون مع جامعة بوينس آيرس بإشراف أوراسيو ديفرييري ونوربرتو بيليسيرو، لم يشمل إلا 5% من المدينة، وافتُتح نحو عام 1980. ثم منحت الولاية عام 1992، في عهد رامون أورتيغا، امتياز الموقع لرجل الأعمال إكتور كروس عشر سنوات، فبنى فيه فندقاً قالت جماعة كيلمس الأصلية إنّه أُقيم بلا دراسات أثر ولا موافقة منها، وألحق بالموقع ضرراً لا يُصلح.
لجأت الجماعة إلى القضاء لمنع تمديد الامتياز الذي انتهى عام 2002، وكسبت دعوى حماية. وفي عام 2006 اعترفت ولاية توكومان، بعد إصلاحها الدستوري، بمشروعية استعمال الجماعة للأرض وبوجودها السابق، وقرّرت فسخ العقد. ولمّا لم يُنفَّذ القرار، أعلنت الجماعة في 28 نوفمبر 2007 «جمعية دائمة» وأغلقت مدخل الأطلال، وفي 13 ديسمبر 2007 أُخرج كروس وموظّفوه بالقوّة العامّة. وفي 9 يناير 2008 أقام الأحفاد «الاستلام الروحي» للموقع بطقس للباتشاماما، وفتحوه للزوّار في اليوم التالي. وحين حاول قاضٍ محلي إخراجهم في 25 يونيو بطلب من كروس، أنصفتهم الاستئنافات.

اللغة والمعتقدات
تكلّم الكيلمس، كسائر الدياغيتا، لغة الكاكان، ثم بدأت الكيتشوا تحلّ محلّها منذ القرن الخامس عشر. وتذكر وثيقة مؤرّخة في 29 نوفمبر 1666 أنّ الكاكان كانت لغة الحديث اليومي، وأنّ من الكبار والشيوخ من يفهم الكيتشوا وربّما يتكلّمها. ومنذ مطلع القرن الثامن عشر صارت الإسبانية هي الغالبة، والكاكان لغة ميتة منذ ذلك القرن.
في الشعائر ما زالت عبادة الباتشاماما، الأرض الأم، قائمة، تُقدَّم لها بانتظام قرابين من الطعام والشراب، ممزوجة بالإيمان الكاثوليكي الذي أدخله الغزاة. وقد صارت المسيحية الدين الغالب منذ مطلع القرن الثامن عشر. وكانت شجرة الخرّوب مقدّسة عندهم، وحين استعاد أحفادهم مدينتهم عام 2008 كان أول ما فعلوه طقساً للباتشاماما.

الكيلمس اليوم والذاكرة
لم يبقَ من الكيلمس في توكومان إلا عدد قليل، ينتظمون في جماعة كيلمس الأصلية التي خاضت معركة استعادة الأطلال. أمّا في الجنوب، فقد صار اسمهم اسماً لمدينة كيلمس في ضواحي بوينس آيرس الكبرى، التي قامت على أرض المستوطنة التي فنوا فيها.
ومن أعلامهم الذين حفظت المصادر أسماءهم: فيليبي كالتشاكي، قائد الانتفاضة الأخيرة عام 1665، ومارتين إيكين، الزعيم الذي تكلّم باسم شعبه عند الاستسلام. ويحمل اسمَهم اليوم نوع من السحالي المستوطنة في الأرجنتين، وديناصور يُعرف بـ«كيلمسوروس».
بطاقة الشعب
- الاسم الذاتي: كيلم أو كيلمي في لغة الكاكان
- اللغة: الكاكان (منقرضة منذ القرن الثامن عشر)، ثم الكيتشوا جزئياً، واليوم الإسبانية
- المقاطعات: توكومان (وادي كالتشاكي)، ثمّ بوينس آيرس بعد الترحيل
- أهمّ المدن والبلدات: أطلال كيلمس على سفح سيرو ألتو ديل ري في توكومان؛ مدينة كيلمس في ولاية بوينس آيرس موضع المستوطنة
- الدين والمعتقد: الكاثوليكية مع عبادة الباتشاماما
- تنظيمات وجماعات: جماعة كيلمس الأصلية










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.