الموازي1,560الرسمي1,54516°صحوبوينس آيرس
السبت، 26 سبتمبر
حملة الصحراء وما بعدها: حروب الدولة الأرجنتينية على الشعوب الأصلية ومجازر القرن العشرينJuan Manuel Blanes · Public domain · ويكيميديا كومنز

حملة الصحراء وما بعدها: حروب الدولة الأرجنتينية على الشعوب الأصلية ومجازر القرن العشرين

حملة الصحراء هي الحملة العسكرية التي قادها خوليو أرخنتينو روكا بين 1878 و1885 لإخضاع أراضي البامبا وباتاغونيا التي كانت في أيدي الرانكيل والمابوتشي والتيويلتشي وشعوب البامبا. ويتناول هذا الملف كذلك حملات تشاكو، ومجزرتي نابالبي (1924) ورينكون بومبا (1947)، ومسيرة «مالون السلام» (1946)، وكيف تتعامل الأرجنتين مع هذا الإرث اليوم.

بين 1878 و1885 ضمّ الجيش الأرجنتيني البامبا وباتاغونيا بالقوة، ثم امتدّت الحملات إلى تشاكو، وتركت وراءها قتلى وأسرى ومجازر ما زالت المحاكم والذاكرة الوطنية تتعامل معها حتى اليوم.

ما هي حملة الصحراء

حملة الصحراء Conquista del Desierto، واسمها الرسمي «فتح الصحراء»، هي الحملة العسكرية التي شنّتها الجمهورية الأرجنتينية بين 1878 و1885، وضمّت بها مساحات شاسعة من البامبا وباتاغونيا، التي يسمّيها المابوتشي «بويل مابو»، وكانت حتى ذلك الحين في أيدي شعوب البامبا والرانكيل والمابوتشي والتيويلتشي. وقد تعرّض المهزومون لفقدان أرضهم وهويتهم، ورُحّلوا قسراً إلى محميات، أو نُقلوا للعمل القسري، أو انتهى بعضهم في المتاحف.

بالمعنى الضيّق يقتصر الاسم على حملة الجنرال خوليو أرخنتينو روكا سنة 1879، وبمعنى أوسع يشمل حملات 1878 التي أضعفت المقاومة، والحملات اللاحقة حتى يناير 1885 التي أكملت إخضاع المنطقة الجبلية من نيوكين إلى تشوبوت. وبأوسع المعاني يضمّ مجمل الحملات التي شنّتها الحكومات الوطنية والإقليمية على السكان الأصليين قبل روكا.

وما زالت الحملة موضع جدل داخل الأرجنتين وخارجها. فالموقف الرسمي التقليدي رآها عملاً عسكرياً مشروعاً لبسط السيادة على أراضٍ ورثتها الجمهورية عن الإمبراطورية الإسبانية، وردّاً على غارات المالون. ويرى المابوتشي والتيويلتشي والرانكيل أنها غزو غير مشروع لأراضي أجدادهم. وتذهب قراءة أحدث، يشاركهم فيها قطاع من الأرجنتينيين وباحثون من جنسيات أخرى، إلى أنها كانت إبادة جماعية وإبادة ثقافية مؤسّسية، بينما يراها المدافعون عنها ردّاً على جماعات رفضت الخضوع للقانون وهاجمت المستوطنات الحدودية.

الحدود الجنوبية قبل الحملة (1810–1877)

بعد ثورة مايو أرسل المجلس العسكري الأول حملة إلى «السالينَس غرانديس»، البحيرات الملحية التي قام حولها منذ القرن السابع عشر سوق كبير لتجارة الملح بين الإسبان والسكان الأصليين، وعادت بمعاهدة مع ممثّليهم. وفي 1815 استأذن الجنرال خوسيه دي سان مارتين شعب البيوينتشي لعبور أرضه بجيش الأنديز، وفي 1820 وقّع إقليم بوينس آيرس مع شعوب البامبا «ميثاق ميرافلوريس» الذي جعل الحدود جنوب نهر سالادو.

لكن السلام انهار مع أولى غارات المالون سنة 1819، واستمرّت الغارات والحملات المضادة بلا انقطاع تقريباً حتى سبعينيات القرن التاسع عشر. وفي 1833 و1834 شنّ حاكم بوينس آيرس خوان مانويل دي روساس حملة بلغت نهر نيغرو، وقال في تقريره إنها أسفرت عن 3,200 قتيل من السكان الأصليين و1,200 أسير وتحرير 1,000 أسير، ثم اتّبع سياسة «التموين»، أي شراء ولاء بعض القبائل بالماشية والدقيق والسكّر والمتّة.

في 1855 أسّس الزعيم المابوتشي كالفوكورا، الملقّب بـ«نابليون البامبا»، «اتحاد السالينَس غرانديس»، وهزم جيش بوينس آيرس في معركتي سييرا تشيكا وسان خاسينتو. وفي 1867 أصدر الكونغرس القانون 215 الذي قرّر من جانب واحد نقل الحدود إلى نهري نيغرو ونيوكين. وفي 5 مارس 1872 أغار كالفوكورا بستة آلاف محارب على بلدات جنرال ألفيار وفينتيسينكو دي مايو ونويفي دي خوليو، فقُتل نحو 300 من الكريول وسيق 200,000 رأس من الماشية، ثم هُزم في معركة سان كارلوس دي بوليفار في 8 مارس 1872، وهي معركة كان أكثر المقاتلين فيها في الجانبين من السكان الأصليين، ومات كالفوكورا في 3 يوليو 1873 فخلفه ابنه مانويل نامونكورا.

في أواخر 1875 شنّ خوان خوسيه كاتريل ومانويل نامونكورا «المالون الكبير» على تريس أرويوس وتانديل وأسول وأولافاريا، فردّ وزير الحرب أدولفو ألسينا، الذي قال إن غايته «تعمير الصحراء لا إبادة السكان»، بحفر «خندق ألسينا» بطول 374 كيلومتراً وعمق مترين وعرض ثلاثة، ومدّ خطوط البرق بين الحصون. واحتلّ آخر المراعي ومنابع الماء العذب التي بقيت للسكان الأصليين، ثم مات في 29 ديسمبر 1877.

الجيش الأرجنتيني على ضفّة نهر ريو نيغرو عام 1879، أثناء حملة الصحراء، في صورة للمصوّر أنطونيو بوسو.
الجيش الأرجنتيني على ضفّة نهر ريو نيغرو عام 1879، أثناء حملة الصحراء، في صورة للمصوّر أنطونيو بوسو.Antonio Pozzo (Fallecido en 1910) · Public domain · ويكيميديا كومنز

القرار وحملات 1878

كانت الجمعية الريفية الأرجنتينية، التي تأسّست سنة 1866 وتضمّ كبار ملّاك الأراضي، تدفع نحو احتلال كل الأراضي التي بيد السكان الأصليين، بعد أن رفع اختراع التبريد أرباح تربية الماشية للتصدير إلى أوروبا. وفي 4 يناير 1878 عُيّن روكا وزيراً للحرب، وكان قد قدّم إلى الرئيس نيكولاس أفيشانيدا في 19 أكتوبر 1875 خطّة استعمل فيها لأول مرة لفظ «الإفناء»، وكان يرى أن الحلّ الوحيد إخضاع السكان الأصليين أو طردهم أو دمجهم.

في 4 أكتوبر 1878 صدر القانون 947 الذي خصّص 1,700,000 بيسو لنقل الحدود إلى نهري نيغرو ونيوكين، دون أي ذكر للسكان الأصليين، وأجاز بيع سندات ملكية للأراضي التي ستُفتح، بقطع تراوح بين 10,000 و30,000 هكتار، لاسترداد نفقات الحملة. وفي 11 أكتوبر 1878 أُنشئت بالقانون 954 «حاكمية باتاغونيا» ومقرّها البلدة التي سُمّيت في العام التالي فيدما.

أمر روكا قادة الحدود بتوقيع معاهدات سلام مع الزعماء، ومنها معاهدة يوليو 1878 مع ممثّلي إيبومير وبايغوريتا، أقوى زعيمَي الرانكيل، ولم يكن ينوي الوفاء بها. ففي أكتوبر 1878 جاء مئة من رجال إيبومير إلى فيشا ميرسيديس يطالبون بالمؤن المتّفق عليها، فأطلق عليهم العقيد روديسيندو روكا، أخو الوزير، النار وقتل نصفهم وأسر الباقين. ثم هوجمت مخيّمات الرانكيل الرئيسية في ليوفوكو وبويتاوي، ونُهب قبر الزعيم ماريانو روساس وأُرسلت جمجمته غنيمةً إلى بوينس آيرس.

استسلم إيبومير فأُرسل إلى «معسكر الاعتقال» في جزيرة مارتين غارسيا، حيث مات عدد كبير من الأسرى جوعاً، ثم عمل أجيراً في مزرعة حتى مات. وأُسر خوان خوسيه كاتريل مع أكثر من 500 من محاربيه، وأُسر الزعيم بينسين، وانتهيا كذلك في مارتين غارسيا، وغادر نامونكورا السالينَس غرانديس نهائياً بعد أن كانت ملجأ قبيلته 45 عاماً. وفي 6 ديسمبر 1878 قُتل 50 من السكان الأصليين وأُسر 270 في معركة ليوي كاليل. وبلغت حصيلة عمليات 1878 نحو 400 قتيل من المحاربين و900 أسير، وأكثر من 3,600 امرأة وطفل وشيخ اقتيدوا أسرى، إلى جانب تحرير نحو 150 مستوطناً أوروبياً والاستيلاء على 15,000 رأس من الماشية. وكان الجدري قد فتك بالسكان قبل ذلك.

الجيش بقيادة الجنرال خوليو أرخنتينو روكا يحيي ذكرى ثورة مايو على ضفاف ريو نيغرو في تشويلي تشويل، في 25 مايو 1879.
الجيش بقيادة الجنرال خوليو أرخنتينو روكا يحيي ذكرى ثورة مايو على ضفاف ريو نيغرو في تشويلي تشويل، في 25 مايو 1879.مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

الحملة إلى نهر نيغرو (1879)

في أبريل 1879 انطلقت الموجة الثانية بستة آلاف جندي، منهم 820 من السكان الأصليين المتحالفين مع الجيش، موزّعين على خمس فرق، مسلّحين ببنادق «ريمنغتون» ذات التلقيم الخلفي. وخرجت الفرقة الأولى بقيادة روكا من كارويه في 29 أبريل 1879، ومعها علماء درسوا النبات والحيوان والجيولوجيا، ومراسل صحيفة «لا برنسا»، والمصوّر الرسمي أنطونيو بوتسو، وقسّ الجيش الذي صار لاحقاً رئيس أساقفة بوينس آيرس. وكانت أول عملية عسكرية كبرى في البلاد تعتمد على البرق اعتماداً واسعاً.

لم تخض فرقة روكا إلا مواجهات قليلة، وعانى جنودها العطش في جفاف شديد والبرد أكثر ممّا عانوا القتال، وسلكوا طرق الماشية التي كانت تُساق منذ أكثر من قرن نحو تشيلي. وفي 24 مايو 1879 بلغت طلائعها وادي نهر نيغرو، ورُفع العلم الأرجنتيني على جزيرة تشويلي تشويل.

وتقدّر مصادر أن الحملة قتلت في طريقها إلى تشويلي تشويل 1,313 من السكان الأصليين وأسرت أكثر من 15,000، وأنها دفعت أعداداً كبيرة من المابوتشي إلى الهجرة غرباً إلى تشيلي. وقامت بعدها مستوطنات كثيرة في حوضي نهري نيغرو ونيوكين، اللذين صارا يرسمان حدّاً من الأنديز إلى المحيط الأطلسي.

رسم كاريكاتيري سياسي عن روكا والرئيس نيكولاس أفيشانيدا وريو نيغرو، نشرته مجلة «إل موسكيتو» في 20 أبريل 1879.
رسم كاريكاتيري سياسي عن روكا والرئيس نيكولاس أفيشانيدا وريو نيغرو، نشرته مجلة «إل موسكيتو» في 20 أبريل 1879.مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

من نيوكين إلى تشوبوت ومصير المهزومين (1881–1885)

بعد أن صار روكا رئيساً للجمهورية خلفاً لأفيشانيدا، أمر سنة 1881 بحملة بقيادة العقيد كونرادو فيشيغاس أخضعت إقليم نيوكين خلال عام، ودفعت المقاومة جنوباً. وفي 1883 وقعت اشتباكات في وادي بولماري قرب الحدود التشيلية شارك فيها جنود تشيليون إلى جانب محاربين من المابوتشي. وخيضت آخر معركة في 18 أكتوبر 1884، وبعد شهرين استسلمت آخر جماعة مقاومة، بأكثر من ثلاثة آلاف محارب بقيادة الزعيمين إيناكايال وفوشيل، في إقليم تشوبوت الحالي. وكان الزعيم سايويكي، الذي بسط نفوذه على نيوكين، قد استسلم سنة 1883 ومعه نحو 700 محارب.

لم يكن السكان الأصليون صفّاً واحداً؛ فقد قاتل إلى جانب الجيش الأرجنتيني زعماء منهم خوان ساكاماتا من التيويلتشي، الذي منحته الحكومة سنة 1906 أرضاً مساحتها 9,320 هكتاراً شمال بحيرة مسترز، وخوان كاتريل «الابن»، وكوليكيو الذي استقرّت قبيلته في لوس تولدوس. وقاتل ضدّه زعماء منهم بايغوريتا وإيبومير روساس وبينسين ونامونكورا وبوران وسايويكي.

تكشف الروايات المعاصرة للحملة، بحسب الباحث ينس أندرمان، عن إعدام الأسرى وعمليات قتل جماعي، وعن تحويل الأسرى الخمسة عشر ألفاً إلى خدم أو سجناء. وأصاب الإفناء بعض الشعوب كلياً، كالتيوشن الذين اندثروا في جيل واحد. وقامت على الأراضي المفتوحة مزارع واسعة جعلت الأرجنتين في مطلع القرن العشرين من كبار مصدّري المنتجات الزراعية.

الطائرة «تشاكو الثاني» التي أطلقت النار من الجوّ على الكوم يوم مذبحة نابالبي، ويقف حولها جمع من الرجال.
الطائرة «تشاكو الثاني» التي أطلقت النار من الجوّ على الكوم يوم مذبحة نابالبي، ويقف حولها جمع من الرجال.No está especificado · Public domain · ويكيميديا كومنز

حملات تشاكو (1870–1938)

لم تُخضع إسبانيا شعوب غران تشاكو، التي بقيت حرّة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبعد حرب التحالف الثلاثي شنّت الجمهورية الأرجنتينية سنة 1870 أولى حملاتها العسكرية على تشاكو الأوسط والجنوبي، وأعلن الرئيس هيبوليتو إيريغوشين سنة 1917 انتهاء «فتح تشاكو»، لكن مقاومة السكان الأصليين استمرّت عقدين آخرين حتى 1938، واستمرّت العمليات العسكرية وعمليات «التطهير» عقوداً.

كانت المنطقة الواقعة بين أنهار بيلكومايو والباراغواي والبارانا وسالادو مأهولة في أواخر القرن التاسع عشر بشعوب الغوايكورو، وهم الموكوفي والكوم / التوبا والبيلاغا، وبشعوب الماتاكو، وهم الويتشي والتشوروتي والتشولوبي، وبشعوب أخرى كالفيليلا والتونوكوتيه والتابيتي والتشانيه والتشيريغوانو.

أسفرت الحملات عن مقتل آلاف من السكان الأصليين وتفكّك شعوب كثيرة اجتماعياً وثقافياً. وأُقيمت الحصون لإبقاء المهزومين تحت السيطرة، وبيعت أراضيهم لمستوطنين أوروبيين، ولا سيما الإيطاليين والفرنسيين، زرعوها قطناً، وحُشرت قبائل كثيرة في «مستوطنات» تحت نظام استغلال وصفته المصادر بأنه قريب من العبودية. وتوسّعت أقاليم سالتا وسانتياغو ديل إستيرو وسانتا في على حساب هذه الأراضي، وضُمّ الباقي إلى الإقليمين الوطنيين تشاكو وفورموسا، اللذين لم يكن لسكانهما حقّ انتخاب سلطاتهم، ثم صارا إقليمين في منتصف القرن العشرين.

لوحة تذكارية من الرخام وضعتها حكومة تشاكو على الأرض في الذكرى المئوية لمذبحة نابالبي التي وقعت عام 1924.
لوحة تذكارية من الرخام وضعتها حكومة تشاكو على الأرض في الذكرى المئوية لمذبحة نابالبي التي وقعت عام 1924.Vadamaca · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

مجزرة نابالبي (1924)

أُسّست «مستوطنة نابالبي للسكان الأصليين» سنة 1921، واسمها بلغة الكوم «مكان الموتى»، على بعد 120 كيلومتراً من ريسيستينسيا، وجُمع فيها أساساً الكوم والموكوفي ليعملوا في زراعة القطن تحت ظروف قسرية. وفي 1924 فرض حاكم الإقليم الوطني فرناندو سينتينو، المعيّن من الرئيس مارسيلو توركواتو دي ألفيار، اقتطاع 15 في المئة من محصولهم من القطن، فأضرب الكوم والموكوفي في يوليو 1924، وأرادوا الرحيل إلى مصانع السكّر في سالتا وخوخوي، فمنعهم الحاكم من مغادرة تشاكو وأمر بالقمع.

فجر 19 يوليو 1924 طوّق نحو 130 رجلاً من الشرطة والملّاك والمدنيين، مسلّحين ببنادق وينشستر وماوزر، تجمّعاً في موضع «إل أغوارا» المقدّس عند الكوم، حيث كان السكان يرقصون في احتفال ديني يقوده الشامانات، وأطلقوا النار عليهم أربعين دقيقة، ثم دخلوا يجهزون على الجرحى بالسواطير، ومنهم نساء وأطفال. وقُتل، بحسب المصادر الإسبانية، ما بين 200 و700 من الكوم والموكوفي. وقُطعت أعضاء الزعيم الموكوفي بيدرو مايدانا لتُعرض غنائم، وعرضها النائب الاشتراكي فرانسيسكو بيريس ليروس في مجلس النواب في سبتمبر 1924.

حفظت الذاكرة الشفوية للكوم ما جرى، وتتبّعه المؤرّخ خوان تشيكو، ابن نابالبي، ووصل إلى الناجية روسا غريشو التي نجت طفلة مع أمّها ورأت أباها يُقتل. وفي يناير 2008 اعتذر حاكم تشاكو خورخي كابيتانيتش رسمياً باسم الإقليم، وكرّم الناجية ميليتونا إنريكي في عيد ميلادها المئة والسابع.

وفي 19 مايو 2022 انتهت «محاكمة الحقيقة» بحكم أقرّ مسؤولية الدولة عن القتل العمد المشدّد والإخضاع للعبودية، وأمر بإدراج وقائع نابالبي في المناهج الدراسية الوطنية ومواصلة عمل فريق الأنثروبولوجيا الجنائية. واعتذرت الحكومة الوطنية في العام نفسه عن هذه الجرائم ضدّ الإنسانية. أمّا الدعوى المدنية للتعويض فقضت المحكمة العليا في 2 نوفمبر 2023 برفضها لعدم أهلية الجمعية التي رفعتها لتمثيل الشعب.

رجال من البيلاغا بين عناصر من الدرك الوطني عام 1947، وهو العام الذي وقعت فيه مذبحة رينكون بومبا في فورموسا.
رجال من البيلاغا بين عناصر من الدرك الوطني عام 1947، وهو العام الذي وقعت فيه مذبحة رينكون بومبا في فورموسا.Gendarmería Nacional Argentina · Public domain · ويكيميديا كومنز

مالون السلام (1946)

في 31 أغسطس 1945 طالبت جماعات شعب الكولا في خوخوي وسالتا المجلس الزراعي الوطني بإعادة أراضيها، ووقّع الرئيس إديلميرو فاريل في 17 يناير 1946 مرسوم نزع الملكية، لكن التنفيذ تعثّر. فانطلقت في 15 مايو 1946 من أبرا بامبا في خوخوي مسيرة سمّاها منظّمها الملازم المتقاعد ماريو أوغوستو بيرتوناسكو «مالون السلام»، وهي تسمية متناقضة عمداً، ضمّت 174 شخصاً من بونا خوخوي ومن وديان أوران وإيرويا في سالتا، قطعوا نحو 2,000 كيلومتر مروراً بسالتا وتوكومان وقرطبة وروساريو، ومات أحدهم في الطريق.

دخلت المسيرة بوينس آيرس عبر لينييرس في 3 أغسطس 1946، ونزل المشاركون في «فندق المهاجرين»، واستُقبلوا في الكونغرس، ثم في ساحة مايو حيث حيّاهم الرئيس خوان دومينغو بيرون وفاريل من شرفة «كاسا روسادا». لكن في 27 أغسطس جاءت قوات خفر السواحل لإركابهم قطاراً قسراً، ولمّا قاوموا هاجمت الشرطة الفندق ليلاً بالغاز المسيل للدموع، وأُعيدوا إلى خوخوي فوصلوها في 3 سبتمبر. وكتب الموسيقي أتاوالبا يوبانكي رسالة مفتوحة في الموضوع، وصرّح بيرون لاحقاً بأن المشاركين لا يمثّلون السكان الأصليين الحقيقيين.

وفي 1949 نزعت الحكومة ملكية بعض الأراضي في البونا وكويبرادا دي هوماواكا لإعادتها إلى أهلها، لكن ذلك لم يُنفَّذ. وفي 7 أغسطس 2006 نُظّم «مالون السلام الثاني» في خوخوي للمطالبة بتنفيذ حكم قضائي بتسليم الجماعات نحو 15,000 كيلومتر مربع، بعد أن لم يُسلَّم في عشر سنوات إلا 7 سندات من 123. وفي 25 يوليو 2023 انطلق «مالون السلام الثالث» من لا كياكا ووصل إلى بوينس آيرس في 1 أغسطس، يوم الباتشاماما، احتجاجاً على استغلال الليثيوم وعلى تعديل دستور خوخوي.

مسيرة «مالون السلام» تدخل بوينس آيرس في 3 أغسطس 1946، بعد أن انطلق الكولا من أبرا بامبا في خوخوي للمطالبة بأراضيهم أمام الرئيس بيرون.
مسيرة «مالون السلام» تدخل بوينس آيرس في 3 أغسطس 1946، بعد أن انطلق الكولا من أبرا بامبا في خوخوي للمطالبة بأراضيهم أمام الرئيس بيرون.مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

مجزرة رينكون بومبا (1947)

في أواخر أبريل 1947 تعاقد مصنع سكّر «إل تاباكال» في سالتا، المملوك لروبوستيانو باترون كوستاس، مع مئات الأسر من الكوم والبيلاغا والموكوفي والتشوروتي والويتشي من إقليم فورموسا الوطني، ثم دفع لهم 2.50 بيسو في اليوم بدل الستة المتّفق عليها، ولمّا احتجّوا فصلهم جميعاً. فسار الجائعون مئات الكيلومترات إلى لاس لوميتاس في فورموسا، على بعد 450 كيلومتراً، حيث توجد سرية من الدرك الوطني، واستقرّوا منذ منتصف مايو في موضع قريب يُعرف بـ«رينكون بومبا» أو «لا بومبا».

اجتمع حول الشافي تونكييت، الذي مزج عناصر إنجيلية بتقاليد البيلاغا الدينية، آلاف لم يُحصَ عددهم بدقّة. وأرسلت الحكومة ثلاث عربات قطار من الطعام والدواء، لكنها تأخّرت فتلف ثلثاها، وتسبّب الطعام الفاسد في مطلع أكتوبر بموت 50 شخصاً على الأقل، أكثرهم أطفال وشيوخ. وأشاعت الصحافة المحلية أن السكان الأصليين يعدّون «مالوناً»، فطوّق الدرك المخيّم بنحو مئة رجل وأربعة أعشاش رشّاشات.

مساء 10 أكتوبر 1947 تقدّم الزعيم بابليتو نافارو نحو قائد السرية إميليو فرنانديس كاستيشانوس، ووراءه رجال ونساء وأطفال يحملون صوراً كبيرة لبيرون وإيفا بيرون، ففتح الدرك النار بالرشاشات. واستمرّ القتل والمطاردة في الغابة أسابيع، ومات أكثر من 750 شخصاً بالرصاص والجراح والعطش والجوع، وتقدّر المصادر الضحايا بين 750 و1,000، واستُعمل الاغتصاب سلاحاً، وأُحرق بعض الأسرى أحياء. وبين 15 و23 أكتوبر شاركت طائرة «يونكرس» من سلاح الجو مزوّدة برشّاش، في أول هجوم جوّي لهذا السلاح على أهداف برّية. ونُقل الناجون إلى مستوطنتي فرانسيسكو مونيس وبارتولومي دي لاس كاساس للعمل في ظروف أشبه بالعبودية.

وصفت الصحف الوطنية ما جرى بأنه «مالون» و«انتفاضة»، ولم تنشر إلا صحيفة «إل إنترانسيخينتي» في سالتا روايات عن تستّر الدرك على مجزرة. وفي 2005 رفع اتحاد شعب البيلاغا دعويين جزائية ومدنية، وعُثر في 2006 على رفات 27 شخصاً قرب لاس لوميتاس. وأُغلقت الدعوى الجزائية بموت آخر متّهم سنة 2017، بينما قضت المحكمة الاتحادية في فورموسا سنة 2019 بأن المجزرة جريمة ضدّ الإنسانية، وأمرت بتعويضات وبإحياء ذكراها في 10 أكتوبر، ووصفتها محكمة الاستئناف سنة 2020 بأنها إبادة جماعية. وطعنت الدولة في الحكمين، وطالب النائب العام للأمة في سبتمبر 2025 بإلغائهما، والقضية ما زالت أمام المحكمة العليا.

أعضاء من «مالون السلام الثالث» يرفعون راية كُتب عليها «خوخوي» خلال زيارتهم متحف بيت ريكاردو روخاس في بوينس آيرس، عام 2023.
أعضاء من «مالون السلام الثالث» يرفعون راية كُتب عليها «خوخوي» خلال زيارتهم متحف بيت ريكاردو روخاس في بوينس آيرس، عام 2023.Eurindia sonidos del territorio · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

الذاكرة والأرض اليوم

اعترف الإصلاح الدستوري لسنة 1994 بأسبقية وجود الشعوب الأصلية على الأمة، وبحقّها في أراضي أجدادها وثقافتها. وفي 2006 صدر قانون الطوارئ الخاص بأراضي الشعوب الأصلية رقم 26.160، الذي أوقف عمليات الإخلاء إلى حين إتمام مسح الأراضي، ويُعدّ صدوره من ثمار مالون السلام الثاني. ومُدّد القانون مرّات، وحين انتهت مهلته في 23 نوفمبر 2017 لم يكن قد أُنجز إلا 30 في المئة من المسح، أي 459 جماعة من أصل 1,532.

في 5 ديسمبر 2024 قضت المحكمة العليا بأن الملكية الجماعية المنصوص عليها في الدستور لا تبيح المساس بالملكية الخاصة للغير، وبعد أربعة أيام ألغى المرسوم 1083/24 القانون 26.160 وأعلن انتهاء حالة الطوارئ. وقد رأت رئيسة المعهد الوطني لشؤون الشعوب الأصلية ماغدالينا أودارّا، حين كُلّف المعهد سنة 2022 بمتابعة تعويضات نابالبي، أن أفضل تعويض تاريخي هو إكمال مسح الأراضي وإقرار قانون للملكية الجماعية.

وفي إقليم تشاكو أقرّ القانون 6.604 سنة 2010 لغات الكوم والويتشي والموكويت لغات رسمية إلى جانب الإسبانية، وأُنشئ سنة 2021 موقع تذكاري تاريخي في نابالبي. أمّا روكا فما زالت صورته في رموز الدولة موضع انتقاد من جماعات المابوتشي وغيرها، ويشهد تمثاله في المركز المدني لمدينة باريلوتشي احتجاجات وكتابات متكرّرة.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo