الموازي1,560الرسمي1,54518°صحوبوينس آيرس
السبت، 26 سبتمبر
البيلاغا: شعب فورموسا الذي نجا من مذبحة رينكون بومباGrete Stern · Public domain · ويكيميديا كومنز

البيلاغا: شعب فورموسا الذي نجا من مذبحة رينكون بومبا

البيلاغا شعب أصلي من مجموعة الغوايكورو يعيش أساسًا في وسط مقاطعة فورموسا، وتقرب لغته من لغة الكوم، وقد عرّف أكثر من خمسة آلاف شخص أنفسهم بالانتماء إليه في تعداد 2010. قاوموا الإسبان ثم خضعوا لحملات الدولة الأرجنتينية في تشاكو، وفي عام 1947 قُتل منهم ما بين 750 و1000 شخص في مذبحة رينكون بومبا التي اعترف القضاء بأنها جريمة ضد الإنسانية.

في أكتوبر 1947، قرب بلدة لاس لوميتاس في قلب فورموسا، أطلقت قوات الدرك الوطني النار على آلاف الجائعين من شعب البيلاغا، في مذبحة ظلّت عقودًا لا يحفظها إلا ذاكرة الناجين.

من هم البيلاغا

البيلاغا Pilagá، ويسمّون أنفسهم بلغتهم «بيتلاخا» pit'laxá، وورد اسمهم في المصادر التاريخية بصيغ كثيرة، شعب أصلي ينتمي إلى مجموعة الغوايكورو، ويستقرّ أساسًا في وسط مقاطعة فورموسا في الأرجنتين، مع جماعات أصغر في مقاطعتي تشاكو وسانتا في.

لغتهم، البيلاغا، جزء من عائلة الماتاكو-غوايكورو، وهي وثيقة الصلة بلغة الكوم (التوبا). ويتحدّث بها نحو ألفي شخص إلى جانب الإسبانية. ومنذ عام 1996 تُكتب رسميًا بأبجدية لاتينية معدّلة تتألّف من أربعة أحرف صوتية وتسعة عشر حرفًا ساكنًا.

أحصت المسوحات التكميلية للشعوب الأصلية في 2004–2005 نحو 4,465 شخصًا ينتمون إلى البيلاغا أو يتحدّرون منهم في الجيل الأول، يعيش 3,948 منهم في فورموسا. أمّا التعداد الوطني للسكان عام 2010 فكشف عن 5,137 شخصًا عرّفوا أنفسهم بأنهم من البيلاغا في أنحاء البلاد، منهم 4,366 في مقاطعة فورموسا.

وتصف المصادر البيلاغا بأنهم استطاعوا الحفاظ على جزء كبير من ثقافتهم الأصلية، وبأنهم طوال القامة أقوياء البنية. وكانوا قديمًا صيّادين وجامعي ثمار، ومن الثمار التي كانوا يجمعونها ثمار الخرّوب الأمريكي «ألغاروبو» والتشانيار والميستول والتين الشوكي والمولي.

أين يعيشون: الموقع على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -24.7072, -60.5944. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

أين يعيش البيلاغا

يتركّز البيلاغا في مقاطعة فورموسا، ولا سيما في قسم باتينيو في وسطها. ومنذ مطلع القرن العشرين انتقل من بقي منهم نحو داخل المقاطعة، واستقرّ بعضهم في مدينة فورموسا، فانقسموا إلى مجموعتين: «أهل المستنقع» في الغرب، و«أهل نافاغان» في الشرق. وفي غرب فورموسا اختلطوا بشعب الكوم حتى صار بعضهم يُعرف باسم «التوبا-بيلاغا».

وأهم المدن في أرضهم لاس لوميتاس Las Lomitas في قسم باتينيو، وتقع على بُعد 297 كيلومترًا من عاصمة المقاطعة على الطريق الوطني 81، وتُعدّ مع بلدة إنخينييرو خواريس من أهم مراكز الاستيطان في غرب فورموسا. ويبلغ عدد سكانها 22,186 نسمة، وتُلقَّب بـ«العاصمة الوطنية للفرن» لأنها أشد مدن البلاد حرارة، إذ سجّلت 46 درجة مئوية في 8 نوفمبر 2023. ونشأت البلدة مع خط السكة الحديدية بين فورموسا وإمباركاسيون، الذي بلغ موقعها عام 1914 وسُمّي «الكيلومتر 297».

ومنذ عام 1995 بدأ المعهد الوطني لشؤون السكان الأصليين يعترف بالشخصية القانونية للجماعات الأصلية، ومنها سبع عشرة جماعة من البيلاغا في قسم باتينيو، من بينها: جماعة تشابوليك لاوريبي، وكوملاسي لا إسبيرانسا، والكيلومتر 30 (القطعة 24)، وكاتشييين، ولا إنبيرنادا، وأيو، وكاسيكي كوكيرو، وتشيكو داواغان، وإل إنسانتشي، ولاكتاسانيي عند الكيلومتر 14، وبوسو مولينا (كانايتك)، وكومبي خوان سوسا، ويانكودي.

وقرب نهر بيلكومايو نشأت بلدة ميسيون تاكاغليه من إرسالية فرنسيسكانية أُسّست مع التوبا والبيلاغا عام 1901، وتذكر الروايات أيضًا أماكن مثل بوسو ديل تيغري وكولونيا مونيس وفرانسيسكو مونيس في محيط لاس لوميتاس بوصفها مواضع عاش فيها البيلاغا أو نُقلوا إليها.

امرأة من البيلاغا في مستعمرة خوان ب. ألبيردي بمقاطعة فورموسا، في 21 أغسطس 1964.
امرأة من البيلاغا في مستعمرة خوان ب. ألبيردي بمقاطعة فورموسا، في 21 أغسطس 1964.Grete Stern · Public domain · ويكيميديا كومنز

في مواجهة الإسبان

تعود أولى السجلات التاريخية عن البيلاغا إلى القرن السابع عشر، حين كانوا يسكنون شرق مقاطعتي تشاكو وفورموسا الحاليتين على نهر الباراغواي، إلى جانب شعوب أخرى كالأبيبون والموكوفي والتوبا. وقد سمّى غواراني الباراغواي هذه الشعوب «الفرنتونيس» أي «عِراض الجباه»، لعادتهم في حلق مقدّمة الرأس. وكثيرًا ما خلط المؤرخون بينهم وبين توبا الغرب، إذ تربطهم بهم صلات لغوية وثقافية وأحلاف عسكرية ومصاهرات.

في القرن السابع عشر توسّع الغوايكورو غربًا في تشاكو الجنوبية والوسطى، في حروب متواصلة مع جماعات الماتاكو-ماتاغوايو. ثم توقّف هذا التوسّع في منتصف القرن الثامن عشر تحت ضغط الجيش الإسباني الذي أزاحهم عن نهر بيرميخو، فصار البيلاغا في أواخر ذلك القرن يسكنون المستنقعات الواقعة بين نهري بيلكومايو والباراغواي، حتى منطقة حصن يونكا غربًا ووسط فورموسا جنوبًا.

وتؤكد المصادر أن شعوب تشاكو استطاعت مقاومة الغزو الإسباني وبقيت حرّة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي بعد أن كان الإسبان قد طُردوا من معظم أمريكا.

رجال من البيلاغا بين عناصر من الدرك الوطني عام 1947، وهو العام الذي وقعت فيه مذبحة رينكون بومبا.
رجال من البيلاغا بين عناصر من الدرك الوطني عام 1947، وهو العام الذي وقعت فيه مذبحة رينكون بومبا.Gendarmería Nacional Argentina · Public domain · ويكيميديا كومنز

بعد الاستقلال: حملة تشاكو والإرساليات

بعد نهاية حرب التحالف الثلاثي (1864–1870) بدأت الأرجنتين احتلال تشاكو الجنوبية والوسطى، فأنشأت إقليم تشاكو عام 1872، ثم قسّمته عام 1884 فدخلت أرض البيلاغا في إقليم فورموسا الوطني. وبعد حملات متعاقبة، بدأ الجنرال لورينسو فينتر في 1 سبتمبر 1899 حملة عسكرية على رأس 1,700 رجل دفعت خط الحدود حتى نهر بيلكومايو، واكتمل بها الاحتلال العسكري الفعلي لتشاكو الأرجنتينية. وفي عام 1917 أعلن الرئيس إيبوليتو إيريغوشين انتهاء «فتح تشاكو»، وإن استمرّت العمليات العسكرية عقودًا بعد ذلك.

احتلّ المستوطنون أراضي البيلاغا وغيرهم، ومن نجا من الحرب والأمراض الجديدة عليهم سيق إلى مزارع القطن ومصانع السكر، أو استُخدم معاونًا للقوات العسكرية، أو نُفي سجينًا إلى جزيرة مارتين غارسيا، وأُرسلت نساء وأطفال كثيرون للعمل خدمًا لدى أسر المدن. وكان سكان إقليمي تشاكو وفورموسا الوطنيين محرومين من حق انتخاب سلطاتهم المحلية والوطنية، ويرى بعض الباحثين في مسار إخضاع هذه الشعوب سلبًا للأرض وإبادة.

وفي عام 1901 اتفقت حكومة خوليو أرخنتينو روكا مع الرهبنة الفرنسيسكانية على تأسيس قريتين إرساليتين في إقليم فورموسا، إحداهما سان فرانسيسكو سولانو دي تاكاغليه، التي أسّسها الراهب تيرينسيو ماركوتشي في 21 مارس 1901 مع 150 من التوبا والبيلاغا جاء أغلبهم من تشاكو الشمالية في الباراغواي، على أرض مساحتها 20,000 هكتار قرب نهر بيلكومايو. ولمّا صارت فورموسا مقاطعة عام 1955 انتقلت الإرسالية إلى الإدارة المدنية وصارت بلدة ميسيون تاكاغليه.

وفي 19 مارس 1919 وقعت «مذبحة حصن يونكا»، المعروفة أيضًا بـ«آخر الغارات»، وقُتل فيها خمسة عشر شخصًا هم قائد الحصن وحاميته وأفراد من أسرهم. نُسب الهجوم أولًا إلى جماعات من البيلاغا، فشنّت القوات الأرجنتينية حملات انتقامية قُتل فيها عدد غير محدّد من السكان الأصليين أو هُجّروا من أراضيهم، ثم رجّحت أبحاث لاحقة أن المسؤولين عنه جماعات من شعب الماكا من الباراغواي.

فريق من المختصّين يعاين في عام 2006 مواضع المقابر الجماعية لضحايا مذبحة رينكون بومبا.
فريق من المختصّين يعاين في عام 2006 مواضع المقابر الجماعية لضحايا مذبحة رينكون بومبا.Carlos Diaz Vexelman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الطريق إلى رينكون بومبا

في أواخر أبريل 1947 تعاقد مصنع السكر «إل تاباكال» في مقاطعة سالتا، المملوك لروبوستيانو باترون كوستاس، مع مئات الأسر من شعوب الكوم والبيلاغا والموكوفي والتشوروتي والويتشي من إقليم فورموسا لحصاد قصب السكر الذي يبدأ في مايو، فقطع الرجال والنساء والأطفال والشيوخ مئات الكيلومترات مشيًا. ولمّا حان موعد الأجر الأول أخلّت الشركة بالعقد، فدفعت 2.50 بيسو في اليوم بدل الستة المتّفق عليها، فلمّا احتجّ العمّال سرّحتهم جميعًا.

وجدت الأسر المسرّحة نفسها بلا طعام، فبدأت هجرة جماعية على الأقدام بحثًا عن الغذاء ومكان تستقرّ فيه، واتّجهت إلى بلدة لاس لوميتاس، على بُعد 450 كيلومترًا من إل تاباكال، حيث تتمركز سرية للدرك الوطني، فبلغتها في منتصف مايو واستقرّت في موضع قريب يُعرف بـرينكون بومبا Rincón Bomba أو «لا بومبا»، يخترقه مجرى نهر جاف. وكانت لاس لوميتاس يومئذ بلدة من 1,974 نسمة معظمهم من رجال الدرك وأسرهم.

قاد الجماعة الزعيمان أونييدي، الذي أُعطي اسم «بابليتو نابارو»، ونولا لاغاديك، وكان لرجل يُدعى تونكييت نفوذ كبير فيها، وسيأتي ذكره. وتتفاوت تقديرات عدد المجتمعين بين ألف شخص وسبعة أو ثمانية آلاف، فيما قدّره القاضي في القضية بـ«عدة آلاف». وفي البداية أبدى السكان وقائد سرية الدرك إميليو فرنانديس كاستيشانوس تعاطفًا معهم، ثم ساءت العلاقة تدريجيًا بين السكان «البيض» والسكان الأصليين.

تدهورت أحوال المجتمعين، فمات ثلاثة منهم بينهم والدة الزعيم بابليتو. وفي سبتمبر أبلغ حاكم الإقليم رولاندو دي إيرتيليندي وزيرَ الداخلية أنخيل بورلينغي، فأمر الرئيس خوان دومينغو بيرون بإرسال ثلاث عربات قطار محمّلة بالطعام والملابس والأدوية. غير أن المندوب المحلي للإدارة الوطنية لشؤون السكان الأصليين ميغيل أورتيس أخّر إرسالها قرابة أسبوعين، فتلف ثلثاها، ولم تصل إلى لاس لوميتاس كاملةً سوى عربة واحدة معظم طعامها فاسد.

في الأيام الأولى من أكتوبر تسبّب الطعام الفاسد في تسمّم جماعي قتل خمسين شخصًا على الأقل، أغلبهم أطفال وشيوخ، فاعتقد البيلاغا أن اللحم مسموم. وعارض السكان «البيض» دفن الموتى في مقبرة البلدة، وأخذت الصحافة المحلية تروّج أن السكان الأصليين يعدّون لـ«غارة»، فطالب الأهالي بـ«حلّ للمشكلة». وتحت ضغطهم فرض قائد الدرك طوقًا من نحو مئة دركي حول المخيّم، ونصب أربعة أعشاش للرشاشات، وصادر ما لدى المجتمعين من سلاح، وأكثره سكاكين وبعض البنادق القديمة.

المحامي كارلوس دياس فيكسلمان مع ممثلين عن اتحاد شعب البيلاغا في قاعة جلسة المرافعات في قضية رينكون بومبا، عام 2006.
المحامي كارلوس دياس فيكسلمان مع ممثلين عن اتحاد شعب البيلاغا في قاعة جلسة المرافعات في قضية رينكون بومبا، عام 2006.Carlos Diaz Vexelman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

المذبحة، أكتوبر 1947

في عصر 10 أكتوبر 1947 طلب الزعيم بابليتو مقابلة القائد فرنانديس كاستيشانوس، فرُتّب لقاء في أرض مكشوفة داخل الطوق حضره ما بين 200 و400 دركي. ونحو السادسة مساءً تقدّم بابليتو يتبعه جمع كبير من الرجال والنساء والأطفال يحملون صورًا كبيرة للرئيس بيرون وإيفا بيرون، فانهال عليهم الرصاص من الرشاشات والبنادق والمسدسات. وكان الطفلان سيتكوكيين وماليودي، اللذان يعملان في مطبخ السرية، قد نُبّها صباح ذلك اليوم إلى أن الهجوم وشيك.

حفظت الذاكرة أسماء عدد ممن قُتلوا في تلك اللحظة، منهم «الجدّة غوامايينا» التي أصابتها رصاصة في صدرها، و«الجدّة نييتو» و«الجدّة بوتشاي» اللتان قُتلتا وهما تفرّان، ومعهن سيهينت وكيتي (سوسانا) وليتشي وميتو وكيمانا. وبحسب شهادات الناجين امتدّت المجزرة وملاحقة الأسر في الغابة أسابيع، ومات أكثر من 750 شخصًا، بالغين وشيوخًا وأطفالًا، بالجراح والعطش والجوع وعمليات إعدام أخرى، واستُخدم الاغتصاب سلاحًا. وشهد الناجي نايرون أن أخواله أُعدموا في لاس لوميتاس ثم أُحرقوا في موضع صار يُعرف بـ«بئر البيلاغا»، وروت الطفلة كيتاي أن ثلاثة شيوخ أُسروا معها قرب بوسو ديل تيغري فقُيّدوا وأُحرقوا أحياء.

وفي 15 أكتوبر انضمّت إلى القمع طائرة من طراز يونكرز «جو 52» تابعة لسلاح الجو، زُوّدت في ريسيستينسيا برشاش من عيار 7.65 ملم، وكان على متنها قائد الدرك في المنطقة الشمالية خوليو كروس بيشافانيي، وبقيت في منطقة المذبحة حتى 23 أكتوبر. وكانت تلك أول غارة جوية يشنّها سلاح الجو الأرجنتيني على أهداف أرضية، ويوصف هذا بأنه «معمودية النار» له، وإن لم يُعترف بذلك رسميًا.

وكشف العثور على رفات الضحايا خلال التحقيق القضائي الذي فُتح عام 2005 عن أربعة مواقع على الأقل ترسم «طريق الموت» الممتدّ أكثر من 40 كيلومترًا، من المقبرة الجماعية في رينكون بومبا، التي أقام الدرك فوقها ميدان رماية، مرورًا بموضع لا فيليسيداد والكيلومتر 30 في بوسو ديل تيغري، حتى كولونيا مونيس قرب الطريق الوطني 81. أمّا الأسر التي أُسرت حيّة فنُقلت إلى مستعمرتي فرانسيسكو مونيس وبارتولومي دي لاس كاساس للسكان الأصليين، حيث أُجبرت على العمل أُجراء تحت رقابة الدرك في نظام أقرب إلى العبودية.

في 11 أكتوبر، بعد يوم من إطلاق النار الأول، أرسل المدير العام للدرك ناتاليو فابيريو إلى وزير الداخلية وثيقة سرّية تتحدّث عن «انتفاضة» للسكان الأصليين، وفي 16 أكتوبر أعلن رسميًا أن ضابطًا أُصيب في «هجوم للسكان الأصليين» وأن خمسة عشر منهم قُتلوا، دون ذكر أسمائهم أو مواضع دفنهم. وتبنّت الصحف الوطنية الكبرى رواية «الغارة»، ولم تنشر سوى صحيفة «إل إنترانسيخينتي» في سالتا أنباء عن تستّر الدرك على مجزرة. وظلّت الحادثة مغيّبة عن التاريخ الرسمي إلى القرن الحادي والعشرين، محفوظة في ذاكرة البيلاغا الجماعية وحدها.

مدخل مدينة لاس لوميتاس في مقاطعة فورموسا بزينة عيد الميلاد، على بعد 297 كيلومتراً من عاصمة المقاطعة، في يناير 2025.
مدخل مدينة لاس لوميتاس في مقاطعة فورموسا بزينة عيد الميلاد، على بعد 297 كيلومتراً من عاصمة المقاطعة، في يناير 2025.Iro Bosero · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

من الصمت إلى القضاء

في عام 2005 رفع «اتحاد البيلاغا» دعويين: دعوى جنائية ضد من بقي حيًّا من الجناة، ودعوى مدنية ضد الدولة الأرجنتينية عن جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. وفي الدعوى الجنائية كان المتّهمان لياندرو سانتوس كوستاس، رئيس قسم الرشاشات الثقيلة في السرية، الذي صار لاحقًا قاضيًا فدراليًا وتوفي أواخر 2011، وكارلوس سماكيتي، مساعد قائد الطائرة، الذي توفي في 6 يناير 2017 عن 97 عامًا فحُفظت القضية لعدم بقاء متّهم على قيد الحياة. وأدلى ثمانية ناجين كانوا أطفالًا يومئذ بشهاداتهم، منهم كريستينا دوارتي ونورما نابارِيتي وروخيليا خيمينيس وإرنستو غوميس (كاديكاكيين).

أمّا الدعوى المدنية فقدّمها المحاميان كارلوس ألبيرتو دياس وخوليو غارسيا أمام المحكمة الفدرالية في فورموسا، مستندين إلى عدم تقادم الجرائم ضد الإنسانية. وفي عام 2006 عثر خبراء الطب الشرعي قرب لاس لوميتاس على رفات 27 شخصًا من البيلاغا. وأدلت الناجية كلارا أولموس بشهادتها بلغتها الأصلية عبر مترجم، وأخذ القاضي في الحسبان الروايات الشفوية التي حفظ بها البيلاغا ذاكرة ما جرى.

في عام 2019 قضت المحكمة الفدرالية الأولى في فورموسا بأن المذبحة جريمة ضد الإنسانية، وألزمت الدولة بنشر الحكم، وبإدراج يوم 10 أكتوبر في التقويم المدرسي ذكرى للمذبحة بالتنسيق مع اتحاد البيلاغا، وبإقامة نصب تذكاري في موقعها، وبإنشاء «منح التعويض الدراسية عن مذبحة لا بومبا»: اثنتا عشرة منحة جامعية وثلاثون منحة لطلاب المدارس. كما قضت بتعويضات مالية سنوية لمدة عشر سنوات تعادل 72 حدًّا أدنى للأجور (نحو 18,000 دولار) لتعزيز الاتحاد، و600 حدّ أدنى للأجور (نحو 150,000 دولار) لاستثمارات عامة لصالح أبناء الشعب.

استأنف الاتحاد الحكم لأنه لم يصف ما جرى بالإبادة الجماعية ولأن التعويضات زهيدة في نظره، فوصفت محكمة الدرجة الثانية عام 2020 المذبحة بأنها إبادة جماعية ورفضت زيادة التعويضات، فلجأ الاتحاد إلى المحكمة العليا. ولجأت إليها الدولة أيضًا، معترضة على وصف الوقائع بالجريمة ضد الإنسانية والإبادة وعلى مبدأ عدم تقادم التعويض. وفي سبتمبر 2025 أوصى النائب العام لدى المحكمة العليا بقبول طعن الدولة وإلغاء الحكمين السابقين، ثم أُحيلت القضية إلى المحكمة للفصل فيها.

غطاء رأس من البيلاغا مصنوع من الصوف والخرز الزجاجي والريش الأحمر، معروض في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك.
غطاء رأس من البيلاغا مصنوع من الصوف والخرز الزجاجي والريش الأحمر، معروض في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك.Daderot · CC0 · ويكيميديا كومنز

المعتقدات والدين

تكشف أحداث 1947 جانبًا من الحياة الدينية للبيلاغا في منتصف القرن العشرين. فقد كان تونكييت، وهو من أبناء هذا الشعب، قد اتّصل عام 1946 بمبشّرين من الكنائس الخمسينية في بلدة ساباشار بمقاطعة تشاكو، ومنذ ذلك الحين طوّر ممارسة دينية تمزج عناصر من الإنجيلية بالتقاليد الدينية للبيلاغا، وتصفه المصادر بالمعالج.

ولمّا استقرّ المجتمعون في لا بومبا أقام تونكييت ساحة احتفالية دائرية سمّاها «كورونا» (التاج)، تجتمع فيها الأسر للإنشاد والصلاة على طريقة الإنجيليين، ويُصعد إليها المرضى الذين يعدهم بالشفاء. وسرعان ما انتشرت أخبار عن شفاءات عجيبة، فتوافد مزيد من السكان الأصليين على المخيّم. وبعد التسمّم الجماعي في أوائل أكتوبر ازدادت مكانته، وامتدّت الأناشيد والرقصات أيامًا متتالية. وقد درس باحثون هذه الظاهرة تحت اسم «حركة الإله لوسيانو الألفية».

مياه بانيادو لا إستريشا قرب لاس لوميتاس في فورموسا، ثاني أكبر أرض رطبة في الأرجنتين، في يناير 2025.
مياه بانيادو لا إستريشا قرب لاس لوميتاس في فورموسا، ثاني أكبر أرض رطبة في الأرجنتين، في يناير 2025.Iro Bosero · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

المجتمع والعادات والموسيقى

عاش البيلاغا قديمًا على الصيد وجمع الثمار في غابات تشاكو ومستنقعاتها، وكانت ثمار الخرّوب الأمريكي والتشانيار والميستول والتين الشوكي والمولي من أهم ما يجمعونه. وكانت عادة حلق مقدّمة الرأس سمة لهم ولجيرانهم من الغوايكورو حتى سمّاهم الغواراني «عِراض الجباه». وبعد حملة تشاكو تحوّل كثير منهم إلى عمّال في مزارع القطن ومصانع السكر، وكانت الهجرة الموسمية إلى مصانع السكر في سالتا جزءًا من حياتهم، كما في رحلة 1947 إلى إل تاباكال التي قطعتها أسر كاملة مشيًا.

وفي تنظيمهم الحديث يجمع اتحاد جماعات شعب البيلاغا جماعاتهم في فورموسا، وقد سجّله المعهد الوطني لشؤون السكان الأصليين في 19 ديسمبر 2011 في السجلّ الوطني لمنظمات الشعوب الأصلية. ويقوده مجلس ثلاثي تنفيذي تنتخبه الجمعية العامة، إلى جانب ثلاثة مجالس: مجلس المرأة، ومجلس الممثّلين، ومجلس الشيوخ. وفي فورموسا يُمثَّل كلّ من الشعوب الأصلية الثلاثة المعترف بها في المقاطعة، الويتشي والكوم والبيلاغا، في مجلس إدارة معهد الجماعات الأصلية الإقليمي، بممثّلين تنتخبهم الجماعات.

أمّا الموسيقى فتذكر المصادر أن المجتمعين في رينكون بومبا كانوا كل مساء ينشدون ويرقصون ويقرعون الطبول حتى الفجر، فيُسمع صوتها من بعيد، وأن الأناشيد والرقصات الشفائية امتدّت أيامًا بعد موت ضحايا التسمّم.

أعلام وذاكرة

أونييدي (بابليتو نابارو) ونولا لاغاديك: الزعيمان اللذان قادا الأسر المسرّحة من إل تاباكال إلى لاس لوميتاس عام 1947، وتقدّم بابليتو يوم 10 أكتوبر لمقابلة قائد الدرك حين بدأ إطلاق النار. وتونكييت: المعالج الذي جمع حوله الآلاف في ساحة «كورونا».

ومن الناجين الذين حفظوا الذاكرة وأدلوا بشهاداتهم أمام القضاء: نايرون (مارتين بيدرو) الذي كان في الثالثة عشرة، وسيتشولي (نورما نابارِيتي) التي كانت في الخامسة عشرة، وكاديكاكيين (إرنستو غوميس)، وكلارا أولموس التي شهدت بلغتها الأصلية.

وقد وثّقت المخرجة فاليريا مابيلمان المذبحة في فيلمها «أكتوبر البيلاغا، روايات عن الصمت» (80 دقيقة) وفيلم «التاريخ في الذاكرة» (18 دقيقة)، وعُرضا عام 2010، ونال الأول جائزة في قسم حقوق الإنسان بمهرجان بوينس آيرس الدولي للسينما المستقلة وجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان إيكارو في غواتيمالا، ثم أصدرت كتاب «أكتوبر البيلاغا: ذكريات وأرشيف مذبحة لا بومبا». وتناول الروائيان أورلاندو بان بريدام في «رينكون بومبا: قراءة في مجزرة» (2009) وبيدرو باريوس أحداث 1947 في عمل روائي.

بطاقة الشعب

  • الاسم الذاتي: بيتلاخا (pit'laxá)
  • اللغة: البيلاغا، من عائلة الماتاكو-غوايكورو، وثيقة الصلة بلغة الكوم؛ يتحدّث بها نحو ألفي شخص
  • العدد: 5,137 نسمة (تعداد 2010)، منهم 4,366 في فورموسا
  • المقاطعات: فورموسا، مع جماعات أصغر في تشاكو وسانتا في
  • أهمّ المدن والبلدات: لاس لوميتاس، مدينة فورموسا، بوسو ديل تيغري، ميسيون تاكاغليه
  • تنظيمات وجماعات: اتحاد جماعات شعب البيلاغا، معهد الجماعات الأصلية في فورموسا

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo