مقاومة الشعوب الأصلية للاستعمار الإسباني: قرنان ونصف من الحروب في الأرض التي صارت الأرجنتين
من حروب كالتشاكي في الشمال الغربي (1560–1667) وانتفاضة فيلتيبوكو في كويبرادا دي هوماواكا، إلى شعوب تشاكو التي لم تُخضعها إسبانيا، وغارات المالون على الحدود الجنوبية، والحرب الغوارانية في منتصف القرن الثامن عشر، وأصداء ثورتي توباك أمارو الثاني وتوباك كاتاري في 1780 و1781، هذا عرض تاريخي لمقاومة الشعوب الأصلية للحكم الإسباني بالتسلسل الزمني.
لم يكن الاستعمار الإسباني لما يُعرف اليوم بالأرجنتين نزهة؛ فمدن أُحرقت وأُعيد بناؤها مرّات، ووديان وسهول بقيت خارج سلطان التاج عقوداً، وبعض الأقاليم لم يخضع له قطّ.
الشمال الغربي عند وصول الإسبان
كان الشمال الغربي لما يُعرف اليوم بالأرجنتين جزءاً من الحضارة الأنديزية الجنوبية، تسكنه شعوب زراعية تعرف الفخّار، أكثرها من حضارة سانتا ماريا، تجمعها لغات قليلة أوسعها انتشاراً لغة «الكاكان». وقد عُرفت هذه الشعوب جملةً باسم الدياغيتا، وكانت منظّمة في إمارات مستقلّة كثيرة، لكل منها مدينتها، تتحالف في أوقات الخطر، ثم شكّلت أمام الغزو الإسباني تحالفات شبه دائمة امتدّت أحياناً من تاريخا شمالاً إلى ما وراء لا ريوخا جنوباً.
أخضع الإسبان في المرحلة الأولى نحو نصف أراضي هذه الحضارة، لكنهم عجزوا عن السيطرة على كويبرادا دي هوماواكا التي يسكنها الأوماغواكا، وعلى وادي كالتشاكي إلى الجنوب منها، الذي يسكنه فرع من شعوب الكاكان عُرف لاحقاً باسم الكالتشاكي. وكان لكل جماعة اسمها المأخوذ من مدينتها؛ فأهل كيلمس هم الكيلمس، وأهل تولومبون هم التولومبون، وأهل تيلكارا هم التيلكارا.
صار الوادي والكويبرادا ملجأً لعشرات الآلاف ممّن فرّوا من السخرة التي فرضها الإسبان، حتى إن الوديان كانت من المناطق القليلة التي زاد سكانها بعد وصولهم، فبلغوا نحو 12,500 نسمة بحسب تقرير سوتيلو نارفايس سنة 1583. وحاول الإسبان ثلاث مرات تأسيس مدن في الوادي: إل باركو سنة 1551، وقرطبة كالتشاكي سنة 1559، ونويسترا سينيورا دي غوادالوبي دي كالتشاكي سنة 1631، ففشلت كلّها أمام عداء أهله، وبقي الوادي مستقلاً فعلياً.
امتدّت حروب كالتشاكي بين 1560 و1667 على أراضي أقاليم خوخوي وسالتا وتوكومان وكاتاماركا ولا ريوخا الحالية، وأدّت إلى فشل مدن إسبانية أو نقلها، وتعقّدت بنزاع على الولاية بين قيادة تشيلي العامة ونيابة الملك في البيرو. وكان في قلبها نظام «الإنكومييندا»، وهو نظام سخرة يُوزَّع فيه السكان الأصليون على المستعمرين الإسبان.
حرب كالتشاكي الأولى وخوان كالتشاكي (1560–1563)
في 1559 أسّس الحاكم خوان بيريس دي سوريتا مدينة قرطبة كالتشاكي، آملاً إخضاع السكان لنظام الإنكومييندا، فقاوموه بشدّة. وأسر الإسبان زعيماً يُدعى تشومبيتشا، واستعمله سوريتا للتفاوض مع أخيه، زعيم تولومبون المسمّى كالتشاكي، الذي قبل التعميد في أثناء المفاوضات فعُرف منذئذ باسم خوان كالتشاكي. وتذكر المصادر أن اسمه الأصلي «كالير موكايين»، وأنه كان زعيماً سياسياً وعسكرياً لتحالف الدياغيتا.
لكنه حين أدرك طبيعة الإنكومييندا العنيفة غير المتكافئة شنّ الحرب على الإسبان، وطردهم سنة 1562 من المدن الثلاث التي أسّسها سوريتا: قرطبة كالتشاكي، ولوندريس في كاتاماركا، وكانييتي في توكومان. ثم دمّر الأوماغواكا مدينة نييفا، سان سالفادور دي خوخوي الحالية، فاضطرّ جميع السكان الإسبان في إقليم توكومان إلى التجمّع في عاصمته سانتياغو ديل إستيرو، حتى وصفت كتابات تاريخية إسبانية النزعة هذه الحرب بأنها «من أعظم مآسي تاريخنا». ويقدّر المؤرّخ بيدرو لوسانو عدد الثائرين بثلاثين ألفاً حافظوا على حريتهم سنوات.
في 1563 فصل ملك إسبانيا إقليم توكومان عن قيادة تشيلي، ففضّل أول حكّامه فرانسيسكو دي أغيري أن يطوّق الوديان بمدن جديدة بدل مهاجمتها، فأعاد تأسيس لوندريس قرب أندالغالا، وأسّس سان ميغيل دي توكومان في إيباتين، وإستيكو في الشمال. وبعد استعادة الاستقلال تخلّت شعوب الوديان عن سلطة خوان كالتشاكي، فأضعفها التفرّق، وشنّ الحاكم غونسالو أبريو دي فيغيروا أربع حملات لم تُخضعها. ومات خوان كالتشاكي نحو 1580 في ظروف ما زالت مجهولة.

فيلتيبوكو وانتفاضة الأوماغواكا (1576–1594)
فيلتيبوكو زعيم من الأوماغواكا، كان «كوراكا»، أي زعيماً محلياً، على هوماواكا وبورماماركا. وحّد جماعات عدّة من الأوماغواكا، منهم التيلكارا والأوكلوشا، واستنجد بجيرانه من الدياغيتا وغيرهم، وتذكر المصادر أنه دمّر في 25 مايو 1576 التأسيس الإسباني الثاني لخوخوي، مدينة سان فرانسيسكو دي ألافا التي أُقيمت قبل عام.
بعد تأسيس مدينة سالتا سنة 1582، وتأسيس خوان راميريس دي فيلاسكو مدينتي لا ريوخا وسان سالفادور دي خوخوي، ثار سكان خوخوي الحالية سنة 1594. فجمع فيلتيبوكو جيشاً بلغ عشرة آلاف محارب من كويبرادا دي هوماواكا، لم يكونوا كلّهم من الأوماغواكا، وحاصر مدينة خوخوي وهدّد سالتا، وانضمّ إليه لايسا، زعيم الأوكلوشا المقيم قرب بيريكو، فحاصر خوخوي من الجنوب. وكان الوضع حرجاً للإسبان لأن الانتفاضة قطعت صلتهم بالبيرو العليا التي تأتيهم منها الإمدادات والسلاح.
صدّ الإسبان هجوم لايسا ففرّ إلى أراضي التشيريغوانو. ثم تسلّل مؤسّس خوخوي فرانسيسكو دي أرغانياراس إي مورغيا إلى الكويبرادا وباغت معسكر الثائرين، فقتل كبار القادة وأسر فيلتيبوكو، ونقله إلى خوخوي ثم إلى سانتياغو ديل إستيرو حيث مات سجيناً بعد سنوات. وتقول روايات أخرى إنه عُمّد باسم دييغو فيلتي وعاش في سلام مقابل إنشاء مجالس بلدية للسكان الأصليين في هوماواكا وتيلكارا، وما تزال مبانيها قائمة. ولا يزال المتحدّرون منه، من أسرة «فيلتي»، من الوجوه البارزة في بورماماركا.
وتعيد دراسات حديثة النظر في هوية فيلتيبوكو ومدى سلطته؛ فالوثائق الاستعمارية تحتمل أن يكون زعيماً من الأتاكاما، أو زعيماً إثنياً في منطقة البونا المحيطة، أو زعيم تيلكارا، أو أن يكون الاسم لقباً لنوع من الزعامة لا اسم رجل بعينه.

الانتفاضة الكبرى: حرب كالتشاكي الثانية (1630–1637)
كان وضع السكان الخاضعين للإنكومييندا قاسياً. وحين وصل الحاكم فيليبي دي ألبورنوس إلى سانتياغو ديل إستيرو جاءه، على عادة قديمة، مئتان من الدياغيتا من والفين لتحيّته، فغضب عليهم وأمر بجلدهم وقصّ شعورهم، وكان قصّ الشعر أشدّ إهانة للرجل في مجتمعهم. فأعلن زعيم والفين تشاليمين الثورة، وتبادلت الشعوب السهام رمزاً للتحالف، وطردت ملّاكها الإسبان أو قتلتهم. وكان أشدّ المشاركين نشاطاً الدياغيتا في كاتاماركا ولا ريوخا، ومعهم الكالتشاكي وغيرهم.
بدأت الانتفاضة في يوليو 1630 بقتل المالك خوان أورتيس دي أوربينا وأسرته في مالكاتشيسكو. وأسّس ألبورنوس في مايو 1631 حصن غوادالوبي في الوادي، فهوجم وقُتل معظم من فيه ثم أُخلي. وأغار تشاليمين على لوندريس فقتل كثيرين واستولى على ماشيتها وقطع ماءها، فأخلاها قائدها لويس دي كابريرا وفرّ سكانها إلى لا ريوخا. وفي ديسمبر 1631 هُزم كابريرا في ماتشيغاستا، وحاصر الدياغيتا لا ريوخا وهاجموها ثلاث مرات دون أن يسقطوها.
ردّ الإسبان بسياسة إرهاب، فعلّقوا على الطرق جثث المشنوقين والمشوّهين، ورفعوا الرؤوس المقطوعة على الرماح، ونفّذوا إعدامات علنية بتقطيع الأوصال. وأُعدم الزعيم الكالتشاكي كورونيشا تقطيعاً. وبعد مطاردة دامت عامين أسر بيدرو راميريس دي كونتريراس تشاليمين سنة 1637 في وادي والفين، فشُنق وقُطّعت أوصاله، وفرّ الناجون إلى وديان كالتشاكي.
أسفرت سبع سنوات من الحرب عن أعداد كبيرة من القتلى بين السكان الأصليين، وعن إخضاع منطقة الدياغيتا للإنكومييندا، بينما بقي خضوع وديان كالتشاكي اسمياً أكثر منه فعلياً، وأسّس اليسوعيون فيها بعثتين في سانتا ماريا وسان كارلوس. ثم هُزم أهل والفين بقيادة ابن تشاليمين، ورُحّل أربعمئة من الناجين منهم ومن جيرانهم الأباوكان إلى مدينة قرطبة ليُوزّعوا على المستعمرين.

«الإنكا المزيّف» وترحيل الكيلمس (1658–1667)
دامت حرب كالتشاكي الثالثة ثماني سنوات، وتميّزت في بدايتها بظهور مغامر أندلسي هو بيدرو بوركيس Bohórquez، واسمه الحقيقي بيدرو تشاميخو، المولود سنة 1602 في أراهال قرب إشبيلية، من أصل فلّاحي، والأرجح أنه من الموريسكيين أو المدجّنين. وصل إلى أمريكا في الثامنة عشرة، وتنقّل في البيرو بين حيل شتّى، ثم وصل نحو 1656 إلى سان ميغيل دي توكومان بعد فراره من سجن في فالديفيا.
قدّم بوركيس نفسه للكالتشاكي على أنه آخر أحفاد الإنكا باسم «إنكا والبا». وتدلّ الوثائق على أن الدياغيتا لم يصدّقوا نسبه قطّ، لكنهم قبلوا قيادة رجل قد يحرّرهم من الإسبان. وفي الوقت نفسه أقنع الإسبان واليسوعيين بأنه قادر على إخضاع السكان للملك وتنصيرهم، وأوهمهم بأنه سيكشف لهم مناجم الذهب والفضة. فاستقبله حاكم توكومان ألونسو ميركادو إي فيشاكورتا في يونيو 1657 في بومان، وقد جاء محمولاً على محفّة ذهبية وعلى رأسه شارة أباطرة الإنكا، فمنحه لقب القائد العام وأقام له أسبوعاً من الاحتفالات، ولم يعارضه إلا أسقف توكومان.
اتّخذ بوركيس تولومبون عاصمة له وحصّنها بمدافع من الخشب الصلب، وبنى جيشاً من السكان الأصليين بلغ 6,000 محارب، فأمر نائب الملك باعتقاله. فقاد مع كاتبه لورينسو تيساباناكو الانتفاضة الثالثة، وهاجم سالتا وسان ميغيل دي توكومان وأوقع بهما خسائر فادحة، ثم هُزم أمام قوات ميركادو، وسلّم نفسه في 1659 طامعاً في العفو. وبينما كان يُنقل إلى ليما انكشف أنه يدبّر ثورة جديدة، فخُنق سرّاً في ليما في 3 يناير 1667، ورُفع رأسه على رمح. وروى قصته اليسوعي إرناندو دي توريبلانكا سنة 1696، وجعلها الكاتب الأرجنتيني روبرتو خ. بايرو رواية بعنوان «الإنكا المزيّف» سنة 1905.
واصل التحالف الحرب بقيادة خوسيه إنريكيس، وكانت إمارة الكيلمس في طليعته. فلمّا هُزمت سنة 1665 قرّر الإسبان اقتلاعها كلياً وترحيل أفرادها الأحد عشر ألفاً إلى السهول القريبة من بوينس آيرس، حيث اندثروا شعباً مستقلاً بعد أن فتكت بهم الأمراض وتفرّقوا بالفرار، وفي ذلك الموضع تقوم اليوم مدينة كيلمس. وألغت الحكومة الثورية المستوطنة سنة 1812. وانتهت الحرب في 2 يناير 1667 بسقوط آخر معاقل الدياغيتا في أمايتشا ديل فايي، فخلت الوديان من سكانها، وتضرّر اقتصاد توكومان عقوداً.
وتقول المصادر إن الناجين من الكالتشاكي وُزّعوا على نظام الإنكومييندا للعمل القسري، ونُقل بعضهم من وديانهم الجبلية إلى أماكن بعيدة، اتّقاءً لأي انتفاضة جديدة.

تشاكو: الأرض التي لم تُخضعها إسبانيا
تمتدّ منطقة «غران تشاكو» على أجزاء من الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل والباراغواي، بين نهري الباراغواي والبارانا وهضبة الأنديز، واسمها تحريف لكلمة «تشاكو» في لغة الكيتشوا، التي تعني صيداً جماعياً تعاونياً. وقد حاول الإسبان طوال الحقبة الاستعمارية إخضاع سكانها بنظام الإنكومييندا وبالبعثات الدينية، لكن محاولات تأسيس المدن فشلت لإصرار شعوب تشاكو على الاحتفاظ بحكم نفسها.
أبرز تلك المحاولات مدينة كونسيبسيون ديل بيرميخو، التي أسّسها ألونسو دي فيرا إي أراغون في 14 أبريل 1585 في ما هو اليوم إقليم تشاكو، ودمّرها السكان الأصليون سنة 1632. وأُسّست سانتياغو دي غوادالكاسار سنة 1626 عند ملتقى نهري بيرميخو وسينتا عاصمة لإقليم مقترح، ثم هُجرت بين 1631 و1632 تحت الهجمات. وقد جُرّدت من أسونسيون وحدها 69 حملة على الأقل إلى تشاكو في العهد الاستعماري. وكان أول أوروبي عبر المنطقة، أليخو غارسيا، قد تعرّض في طريق عودته لهجوم شعوب سمّاها الغواراني «الغوايكوروييس»، ومات سنة 1525.
في القرن السابع عشر انتقلت المبادرة إلى شعوب تشاكو؛ فمنذ 1630 تعرّضت مدينة سانتا في لهجمات شعوب أطلق عليها الإسبان خطأً اسم «الكالتشاكي»، وهي في الحقيقة تحالف من الكوم / التوبا والموكوفي وغيرهم، ما اضطرّ المدينة إلى الانتقال من كاياستا إلى موضعها الحالي بين 1651 و1661. وهاجم الأبيبون والباياغواييس كورينتس سنتي 1673 و1689. وفي 1673 قاد حاكم توكومان أنخيل دي بيريدو حملة بأكثر من ألف رجل على طول نهر بيرميخو، أسر فيها بين 1,600 و1,800 من السكان.
حاول اليسوعيون ثم الفرنسيسكان إقامة البعثات؛ فتخلّى اليسوعيون عن بعثة الغوايكوروييس بعد سبعة عشر عاماً من المحاولات العقيمة، وأسّسوا سنة 1750 بعثة سان فرناندو ديل ريو نيغرو مع الأبيبون في موضع مدينة ريسيستينسيا الحالية. وبعد أن عقد حاكم توكومان خيرونيمو ماتوراس الصلح مع الزعيم بايكين سنة 1774، أُسّست بعثة لا كانغاشيه للموكوفي في 10 أغسطس 1780، ثم هُجرت نهائياً سنة 1793. وبقي تشاكو الأوسط والجنوبي في أيدي شعوبه حتى أطلقت الجمهورية الأرجنتينية حملاتها العسكرية عليه ابتداءً من 1870، وهو ما يُروى في سياق ما بعد الاستقلال.

المالون والحدود الجنوبية
«المالون» malón كلمة مأخوذة من لغة المابوتشي، وتعني هجوماً سريعاً مباغتاً يشنّه فرسان كُثر على خصم، سواء أكان شعباً آخر أم بلدات المستعمرين وحصونهم ومزارعهم، بقصد القتل والغنيمة من الماشية والمؤن والأسرى، ولا سيما النساء الشابات والأطفال. واستعملته شعوب منها المابوتشي والتشاروا في أراضي الأرجنتين والباراغواي والأوروغواي وتشيلي الحالية، واستُعمل اللفظ منذ القرن الثامن عشر.
كانت فاعلية المالون في المباغتة، فكثيراً ما يقع ليلاً والسكان والجنود نيام، ولا يسهر إلا الحرّاس على أبراج المراقبة، ثم ينسحب المهاجمون بسرعة قبل أن ينتظم الدفاع. وكان سلاحهم الرماح والهراوات وكرات الرمي، وعُرفت النساء المخطوفات باسم «الأسيرات». وامتدّ استعماله على الحدود الجنوبية لقيادة تشيلي العامة ونيابة الملك في البيرو ثم نيابة ريو دي لا بلاتا.
ومن أبرز الغارات في الحقبة الاستعمارية: هجوم سبعين محارباً بقيادة الزعيم باغوال على بوينس آيرس سنة 1610، وغارات على مزارع سانتا في وطرقها سنة 1638، وهجوم شعوب البامبا على بوينس آيرس سنة 1680، وغارة الزعيم تاكو وحلفائه من المينوان والتشاروا على مزارع مونتيفيديو في 1 نوفمبر 1730. وفي سبتمبر 1740 أغار الزعيم كانغابول، مع التيويلتشي وغيرهم، على أريسيفيس ولوخان وماغدالينا، فقُتل مئات من الإسبان والكريول.
ولم ينتهِ المالون بانتهاء الحكم الإسباني، بل استمرّ في الدول التي قامت بعد الاستقلال حتى مطلع القرن العشرين؛ فكانت غارة كالفوكورا سنة 1872 بستة آلاف محارب على بلدات في إقليم بوينس آيرس، و«المالون الكبير» في ديسمبر 1875، من أكبر فصوله، وتوصف مجزرة فورتين يونكا في شمال فورموسا في 19 مارس 1919 بأنها آخر مالون كبير على الأرض الأرجنتينية. وردّت الحكومة الأرجنتينية بخطوط من الحصون وبخندق ألسينا عبر البامبا، ثم بحملة الصحراء في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر.

الحرب الغوارانية (1754–1756)
في 1750 وقّعت إسبانيا والبرتغال معاهدة مدريد، التي تنازلت فيها إسبانيا عن بعثات اليسوعيين السبع الواقعة شرق نهر الأوروغواي، في ولاية ريو غراندي دو سول البرازيلية اليوم، مقابل مستعمرة كولونيا ديل ساكرامنتو البرتغالية على الضفة الشرقية لريو دي لا بلاتا. وكان على 29,191 من الغواراني أن يغادروا أرضهم خلال عام بكل ما يملكون إلى غرب النهر، أو يبقوا تحت السيادة البرتغالية. والبعثات السبع هي سان ميغيل وسان لويس غونساغا وسان نيكولاس وسان فرانسيسكو دي بورخا وسان لورينسو وسان خوان باوتيستا وسانتو أنخيل.
كانت بعثات الغواراني قد شكّلت منذ 1609 حاجزاً أمام التوغّل البرتغالي، وخاضت معارك دامية مع «البانديرانتيس»، حملات صيد البشر الخارجة من ساو باولو لبيع السكان الأصليين عبيداً، وانتصرت في أكثرها، ومنها معركة مبوروريه سنة 1641. فلمّا بلغها أمر المعاهدة رفض زعماؤها ومجالسها الرحيل رفضاً قاطعاً، واستولى أهل سان خوان باوتيستا ثم سان ميغيل وسانتو أنخيل على الأسلحة النارية التي كان اليسوعيون يحفظونها. وفي 27 فبراير 1753 منعت حامية غوارانية مسلّحة لجنة ترسيم الحدود من دخول أراضيها عند سانتا تيكلا.
في 1754 زحف حاكم بوينس آيرس خوسيه دي أندوناإيغي بألف وخمسمئة جندي، فأبادت قوات الغواراني بقيادة رافاييل باراكاتو إحدى فرقه، واضطرّ إلى التراجع، بينما واجه البرتغاليون هجمات سيبيه تيارايو وانسحبوا بعد هدنة في نوفمبر 1754. وساند التشاروا وجيرانهم الغواراني في مراقبة تحرّكات الجيشين. ثم اتّحدت القوات الإسبانية والبرتغالية، وفي فبراير 1756 قُتل سيبيه تيارايو في اشتباك برصاص حاكم مونتيفيديو خوسيه خواكين دي فيانا، فتولّى القيادة نيكولاس نيانغيرو.
في 10 فبراير 1756 طوّق الجيش المتحالف قوات نيانغيرو عند تلّة كايباتيه وأبادها، فسقط 1,511 غوارانياً بينهم نيانغيرو نفسه، وأُسر 154، مقابل أربعة قتلى فقط من المتحالفين. وتقدّر بعض المصادر قتلى السكان الأصليين في الحرب كلّها بعشرة آلاف. ثم هجر الغواراني البعثات إلى الغابات، وأحرقوا سان ميغيل وسان لويس، وأعلن أندوناإيغي نهاية الحرب في 8 يونيو 1756. ولم تنتقل البعثات إلى البرتغال في النهاية، إذ ألغى كارلوس الثالث المعاهدة بمعاهدة إل باردو سنة 1761، لكن بعثات شرق النهر لم تتعافَ قطّ.
وفي 1767 طُرد اليسوعيون من إسبانيا وممتلكاتها، بعد أن اتُّهموا بتحريض المقاومة. وبعد عقود، بين 1815 و1820، استعاد أندريسيتو غواكوراري السيطرة على قسم كبير من الأراضي التي احتلّها البرتغاليون.
أصداء ثورتي توباك أمارو الثاني وتوباك كاتاري (1780–1781)
في 1776 أنشأت إسبانيا، ضمن الإصلاحات البوربونية، نيابة ملك ريو دي لا بلاتا، وضمّت إليها البيرو العليا، بوليفيا اليوم، والأراضي التي صارت الأرجنتين، فصارت عائدات مناجم الفضة في بوتوسي تتّجه إلى بوينس آيرس بدل ليما وكوسكو. وفي هذا السياق اندلعت ثورة تُعدّ أكبر ثورة في الأمريكتين قبل حروب الاستقلال.
في 4 نوفمبر 1780 أسر الزعيم خوسيه غابرييل كوندوركانكي، المعروف بـتوباك أمارو الثاني، حاكم منطقة تينتا في البيرو أنطونيو دي أرياغا، الذي كان أيضاً حاكماً مؤقتاً لتوكومان، ثم أعدمه علناً، وأعلن إلغاء «الميتا»، أي السخرة الدورية في المناجم، ونظام البيع الإجباري الذي يفرضه الحكّام. وانتصر في سانغارارا في 18 نوفمبر 1780، وحاصر كوسكو ثم رفع الحصار في 11 يناير 1781. وبعد هزيمته في كومباباتا وتشيكاكوبي وخيانة بعض أتباعه، أُعدم في ساحة كوسكو في 18 مايو 1781 بعد أن شهد إعدام زوجته ميكاييلا باستيداس وأحد أبنائه، وحظرت السلطات بعده لغة الكيتشوا ولباس السكان الأصليين وكل ما يذكّر بالإنكا.
وفي البيرو العليا قاد الزعيم الأيماري خوليان أباسا، المعروف بـتوباك كاتاري، ثورة موازية، وقد اتّخذ اسمه تكريماً لتوباك أمارو ولتوماس كاتاري. جمع نحو أربعين ألف مقاتل وحاصر مدينة لا باس منذ 13 مارس 1781 مئة وتسعة أيام، ثم عاد لحصارها في أغسطس، إلى جانب زوجته بارتولينا سيسا وأخته غريغوريا أباسا. وتذكر المصادر أن المدينة صمدت بمساندة قوات أُرسلت من بوينس آيرس، وأن الحصار كُسر في 17 أكتوبر 1781 بقوات جاءت من ليما وبوينس آيرس. ثم أُسر توباك كاتاري بخيانة بعض أتباعه، وأُعدم تقطيعاً في بينياس في 15 نوفمبر 1781.
استمرّت الثورة بقيادة دييغو كريستوبال توباك أمارو حتى قبل العفو في 1782، ثم أُعدم سنة 1783 بذريعة خرق الاتفاق. ويُقدّر عدد من ماتوا من السكان الأصليين في هذه الثورات بنحو مئة ألف. وتحضر ذكراها اليوم في الأرجنتين؛ ففي 25 مايو 2010، ضمن احتفالات المئوية الثانية، افتُتح في القصر الرئاسي «كاسا روسادا» معرض لأبطال أمريكا اللاتينية تمثّل فيه بوليفيا صور توباك كاتاري وبارتولينا سيسا وبيدرو دومينغو موريشو.










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.