سيفيرينو نامونكورا: حفيد كالفوكورا الذي صار أول طوباوي من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية
سيفيرينو نامونكورا (1886–1905) فتى من المابوتشي، ابن الزعيم مانويل نامونكورا وحفيد كالفوكورا، درس عند الرهبان السالسيين في بوينس آيرس وسافر إلى إيطاليا ليكمل دراسة الكهنوت، فمات بالسلّ في روما. انتشرت عبادته الشعبية في الأرجنتين منذ منتصف القرن العشرين، وأعلنته الكنيسة الكاثوليكية طوباوياً في 11 نوفمبر 2007 في مسقط رأسه تشيمباي، وتستقرّ رفاته اليوم في أرض جماعته في نيوكين.
ابن زعيم من المابوتشي قاتل حملة الصحراء، مات في روما طالباً للكهنوت في الثامنة عشرة، فصار من أكثر القدّيسين الشعبيين حضوراً في الأرجنتين.
المولد والأسرة
وُلد سيفيرينو نامونكورا Ceferino Namuncurá في 26 أغسطس 1886 في تشيمباي، البلدة الصغيرة في «الوادي الأوسط» بولاية ريو نيغرو، ومات في روما في 11 مايو 1905. كان فتى أرجنتينياً من الرهبنة السالسية يطمح إلى الكهنوت، مختلط الأصل من المابوتشي والكريول. ورث اسم أبيه نامونكورا لقباً، ومعناه في لغة المابودونغون «قدم الحجر»، من «نامون» القدم و«كورا» الحجر.
هو أحد أبناء مانويل نامونكورا، قائد قوات المابوتشي التي قاتلت الجيش الأرجنتيني بقيادة خوليو أرخنتينو روكا في حملة الصحراء، التي تُسمّى رسمياً «فتح الصحراء»، وهو حفيد الزعيم كالفوكورا. وأمه روساريو بورغوس، أسيرة تشيلية، وكان سيفيرينو الابن السادس لها من مانويل.
كان مانويل نامونكورا قد وُلد نحو 1811 في أراوكانيا بتشيلي، وانتقل مع أبيه إلى الأراضي الأرجنتينية عام 1831، ثم ورث قيادة «اتحاد الملاحات الكبرى» عند وفاة كالفوكورا في يونيو 1873. قاوم حملات روكا، واستطاع لبعض الوقت الإفلات من المطاردات التي شنّها الجيش بين 1881 و1884، ثم استسلم بوساطة الكاهن السالسي دومينغو ميلانيسيو في 21 مارس 1884 في نيوركين، ولم يبقَ معه إلا نحو 300 مقاتل جائعين عُزّل. وسعى بعدها لدى الحكومة حتى نال رتبة عقيد في الجيش الأرجنتيني وأراضي «مستعمرة سان إغناسيو» عند ملتقى جدول سان إغناسيو بنهر ألومينيه في نيوكين، حيث استقرّت قبيلته ومات في 31 يوليو 1908.
ترتبط أسرة سيفيرينو بأسرة إيبومير من الرانكيل، وما زالت أسرة نامونكورا مرجعاً مهماً في شعب المابوتشي.
الطفولة والمعمودية
قضى سيفيرينو سنواته الأولى على ضفاف نهر ريو نيغرو. وفي عام 1887، وهو ابن عام واحد، نجا من الغرق في النهر وهو يلعب على ضفّته، وهي حادثة تحوّلت في الرواية الشعبية إلى نجاة عجيبة.
وفي 24 ديسمبر من العام نفسه، عشية عيد الميلاد، عمّده المبشّر السالسي دومينغو ميلانيسيو الذي عمل على تبشير الشعوب الأصلية. ولما بلغ الحادية عشرة طلب من هذا الراهب أن يأخذه ليدرس، ثم يعود ليعلّم أبناء شعبه.
وكان أبوه، زعيم المابوتشي، قد رُقّي إلى رتبة عقيد في الجيش الوطني، فقرّر أن يدرس ابنه في بوينس آيرس ليستعدّ «ليكون نافعاً لشعبه». وهناك استقبلهما الجنرال لويس ماريا كامبوس، وزير الحربية والبحرية.

الدراسة عند السالسيين في بوينس آيرس
التحق سيفيرينو أولاً بورش البحرية في بلدة تيغري بولاية بوينس آيرس متدرّباً في النجارة، وبقي فيها ثلاثة أشهر. وكان التلميذ الوحيد من السكان الأصليين هناك، فلقي سوء معاملة من رفاقه ومرض، وكتب إلى أبيه أنه غير سعيد في ذلك المكان ولا يحبّ تلك المهنة. فاستشار مانويل صديقه الرئيس الأرجنتيني الأسبق لويس ساينس بينيا، فأوصى به لدى الرهبان السالسيين.
في 20 سبتمبر 1897 سُجّل تلميذاً داخلياً في «كوليخيو بيوس التاسع»، المعهد التقني السالسي في حيّ ألماغرو ببوينس آيرس. وتأقلم شيئاً فشيئاً، فأقبل على الدراسة وتعلّم الإسبانية والتعليم المسيحي، وكان تلميذاً متفوّقاً ومنشداً في الجوقة، يحبّ الرياضة ويعلّم رفاقه الرماية بالقوس ويسلّيهم بألعاب الورق. ومن 2 أبريل 1901 صار كارلوس غارديل، مغنّي التانغو والممثل الأسطوري فيما بعد، تلميذاً في المعهد نفسه وأنشد مع سيفيرينو في الجوقة.
في 8 سبتمبر 1898 تناول سيفيرينو المناولة الأولى، وفي 5 نوفمبر 1899 نال سرّ التثبيت على يد المونسنيور غريغوريو روميرو في كنيسة سان كارلوس، حيث بُنيت فيما بعد بازيليكا «مريم أمّ المعونة وسان كارلوس». ونال لقب «أمير العقيدة المسيحية» في مسابقة سنوية في التعليم المسيحي كان ينظّمها رئيس أساقفة بوينس آيرس الثالث أولاديسلاو كاستيشانو.
وكان أبوه يريد أن يعود إليه بعد الدراسة ليعمل مترجماً وكاتباً له، غير أن سيفيرينو كان قد تعلّق بأن يصير كاهناً سالسياً.

المرض والسفر إلى إيطاليا
في مطلع 1902 ساءت صحته، وتبيّن من الفحوص أنه أصيب بالسلّ. فقرّر المونسنيور خوان كالييرو نقله إلى فيدما على أمل أن يساعده هواء الريف على الشفاء. وفي مطلع 1903 بدأ في معهد سان فرانسيسكو دي ساليس في فيدما دراسته الثانوية طالباً يستعدّ للرهبنة داخل الجمعية السالسية، واعتنى به الكاهن الطبيب إيفاسيو غاروني والممرّض أرتيميديس ساتي الذي أعلنته الكنيسة الكاثوليكية قدّيساً فيما بعد.
في 19 يوليو 1904، وهو في السابعة عشرة، نقله المونسنيور كالييرو إلى تورينو في إيطاليا، إذ ظنّ السالسيون أنه سيستعيد صحته هناك ويتابع دراسة الكهنوت. وفي تورينو كان الطوباوي ميغيل روا، أول خليفة للقديس يوحنا بوسكو، يحادثه مرات في الأسبوع، ثم درس في المعهد السالسي «فيلا سورا» في فراسكاتي قرب روما.
وفي 27 سبتمبر 1904 زار سيفيرينو البابا بيوس العاشر برفقة المونسنيور كالييرو والكاهنين خوسيه فيسبينياني وإيفاسيو غاروني وسالسيين آخرين، فألقى كلمة قصيرة وأهدى البابا «كيشانغو»، وهو معطف أو بونشو من صنع المابوتشي، فمنحه البابا الوسام المخصّص للأمراء.

الوفاة في روما
في مارس 1905 عاوده السلّ مع برد الشتاء الإيطالي، فأُدخل مستشفى إخوة القديس يوحنا الإلهي في روما، حيث عالجه الطبيب خوسيه لابوني، الطبيب الخاص للبابوين لاون الثالث عشر وبيوس العاشر. وفي 11 مايو 1905 مات في الثامنة عشرة من عمره، والمونسنيور كالييرو إلى جانبه.
يذكر أكثر كتّاب سيرته أن آخر كلماته كانت صلاة، غير أن هذه الصلاة واردة في رسائله، ويرى بعض المؤلفين أنها نُقلت إلى لحظة موته لإبراز ميتته التقيّة.
دُفن في اليوم التالي لوفاته في مقبرة كامبو فيرانو البلدية في روما، بحضور قلّة من السالسيين وزملاء الدراسة، تحت صليب خشبي يحمل اسمه.
العبادة الشعبية ومسار التطويب
في عام 1924 أُعيدت رفاته إلى الأرجنتين بأمر من الرئيس مارسيلو دي ألفيار، ووُضعت في الكنيسة الصغيرة التي أُعيد بناؤها في حصن فورتين ميرسيديس القديم، قبالة بلدة بيدرو لورو في جنوب ولاية بوينس آيرس. وفي عام 1930 بدأ الكاهن لويس بيديمونتي ينشر فضائل «الهندي الصغير القديس» والتعبّد له، فجمع ونشر شهادات من قالوا إنهم نالوا نعماً بالصلاة له، ونشر رسائل سيفيرينو التي عُرفت منها روحه.
بدأت دعوى تطويبه في 2 مايو 1944، ووافق البابا بيوس الثاني عشر على إدخالها في 3 مارس 1957. وفي 22 يونيو 1972 أعلنه البابا بولس السادس «مكرَّماً»، فكان أول أرجنتيني يبلغ هذه الدرجة، وأول شخص من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية ينالها.
انتشرت عبادته الشعبية في أنحاء الأرجنتين منذ منتصف القرن العشرين، حتى صارت صوره المطبوعة الصغيرة في أواخر الستينيات مألوفة في معظم البلاد، وطُبع وجهه على كثير من المنشورات الدعائية. وعُرف شعبياً بـ«زنبقة باتاغونيا»، ويعدّه السكان الأصليون واحداً منهم. وفي 1992 نُقلت رفاته، لمزيد من الأمان، إلى قاعة مجاورة لمزار «مريم أمّ المعونة» في فورتين ميرسيديس.
رأت لجنة طبية في الفاتيكان أن شفاء فاليريا إيريرا، وهي أمّ شابة من ولاية قرطبة في الرابعة والعشرين أصيبت عام 2000 بسرطان الرحم، معجزة تمّت بشفاعة سيفيرينو، وقد استطاعت بعدها أن تحمل. وعلى هذا الأساس وقّع البابا بنديكت السادس عشر في 7 يوليو 2007 مرسوم تطويبه.
وفي 11 نوفمبر 2007 أعلنه الكاردينال تارتشيزيو برتوني، مبعوث البابا وهو نفسه سالسي، طوباوياً في احتفال أُقيم في تشيمباي، مسقط رأسه، أمام أكثر من 100,000 شخص، وأدّت فيه وفود المابوتشي دوراً فاعلاً. وكان هذا أول تطويب لشخص من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية، وحُدّد عيده الديني في 26 أغسطس، يوم مولده.
العودة إلى أرض المابوتشي
في 12 أغسطس 2009، بعد قدّاس، سُلّمت رفات سيفيرينو إلى أقاربه الذين طلبوا حفظها، فنقلوها إلى جماعة سان إغناسيو في مقاطعة ويليتشيس بولاية نيوكين، على بعد 60 كيلومتراً من خونين دي لوس أنديس، حيث تقيم أسرة نامونكورا. وهناك دُفنت في ضريح بُني على هيئة الكولترون، طبل المابوتشي المقدّس.
صمّم المزار المعماري أليخاندرو سانتانا، وهو أيضاً صاحب منحوتات منتزه «فيا كريستي» في خونين دي لوس أنديس. ويغطّي الثلج المكان في الشتاء فيمنحه مهابة خاصة.
وفي مسقط رأسه تشيمباي أُقيمت كنيسة صغيرة صار المؤمنون من ريو نيغرو وخارجها يصلّون فيها طالبين شفاعته، ويحمل اسمه منتزه على ضفة نهر ريو نيغرو هناك. وفي 4 مارس 2008 قال بعض سكان بلدة إل تريبول في ولاية سانتا في إنهم رأوا صورته على شجرة دردار، فسيّجت البلدية المكان وأقامت فيه مذبحاً مرتجلاً تكريماً للطوباوي.
في الأدب والسينما
نُشرت عن سيفيرينو سير وألبومات وقصص مصوّرة كثيرة. وكتب عنه الروائي وكاتب السير مانويل غالفيس عام 1947 سيرة بعنوان «القدّيس الصغير من مخيّمات الخيام: الحياة الكاملة لسيفيرينو نامونكورا»، ومن أهمّ ما كُتب عنه نصّ في كتاب «نحن الذين بلغنا أبعد» للكاتب ليوبولدو بريسويلا.
وصُنعت عنه أفلام منها «معجزة سيفيرينو نامونكورا» (1971) و«ابني سيفيرينو نامونكورا» (1972) والفيلم الوثائقي «سيفيرينو نامونكورا، الطريق إلى القداسة» (2010).
وبلغ أثره الفلبين، إذ قدّم طلاب «مركز دون بوسكو التكنولوجي» في مدينة سيبو في مارس 2008 مسرحية موسيقية عنه تكريماً لتطويبه، تبدأ بطفولته وتنتهي بعد موته، ثم أُعيد عرضها في العام نفسه.
بطاقة تعريف
- الولادة: 26 أغسطس 1886، تشيمباي (ريو نيغرو)
- الوفاة: 11 مايو 1905، روما
- الشعب: المابوتشي (أصل مختلط من المابوتشي والكريول)
- الصفة: طالب سالسي يستعدّ للكهنوت؛ طوباوي في الكنيسة الكاثوليكية
- اشتهر بـ: أول طوباوي من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية (11 نوفمبر 2007)، وقدّيس شعبي واسع الانتشار في الأرجنتين؛ ابن مانويل نامونكورا وحفيد كالفوكورا










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.