هجرة العرب إلى الأرجنتين: من بلاد الشام إلى بوينس آيرس
بدأت الهجرة العربية إلى الأرجنتين في أواخر القرن التاسع عشر من بلاد الشام، وتحوّلت خلال جيلين من تجارة متنقلة إلى حضور راسخ في الاقتصاد والسياسة والثقافة الأرجنتينية.
بدأت الهجرة العربية إلى الأرجنتين في أواخر القرن التاسع عشر من بلاد الشام، وتحوّلت خلال جيلين من تجارة متنقلة إلى حضور راسخ في الاقتصاد والسياسة والثقافة الأرجنتينية.
حين رست أولى السفن القادمة من موانئ المتوسط في مرفأ بوينس آيرس في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان على متنها مهاجرون من جبل لبنان وحمص وحلب ودمشق وبيروت. لم تكن الأرجنتين وجهتهم الأولى في الذهن؛ كان معظمهم يقصد "أميركا" بمعناها الواسع، فمن لم يجد مكانه في نيويورك أو ساو باولو تابع جنوباً إلى الريو دي لا بلاتا.
دفعت هؤلاء أسباب متشابكة: ضغط اقتصادي في أرياف بلاد الشام، وأزمة صناعة الحرير في جبل لبنان، والتجنيد الإجباري في الجيش العثماني، وتقلبات سياسية وطائفية. وفي المقابل كانت الأرجنتين في ذروة انفتاحها على الهجرة، تعرض أرضاً وعملاً على من يصل.
سُجّل هؤلاء الوافدون في سجلات الهجرة الأرجنتينية باسم turcos أي "الأتراك"، لا لأنهم أتراك، بل لأنهم كانوا يحملون جوازات سفر عثمانية. وظلت التسمية عالقة بهم عقوداً بعد زوال الدولة العثمانية نفسها، حتى صارت لقباً شعبياً لا يخلو من ألفة في الأرجنتين.
بدأ كثير منهم بائعين متجولين يجوبون الأرياف بحقيبة أقمشة وخردوات. ومن هذه التجارة المتنقلة تكوّن رأس المال الأول، فتحوّل الباعة إلى أصحاب متاجر، ثم إلى تجار جملة وأصحاب مصانع نسيج. وتوزّعوا على بوينس آيرس وتوكومان وسانتياغو ديل إستيرو ولا ريوخا وقرطبة، وتركوا أثراً واضحاً في مدن الشمال الأرجنتيني تحديداً.
لم يكن العرب في الأرجنتين جالية على هامش المجتمع، بل اندمجوا سريعاً حتى صار الاندماج نفسه هو التحدي أمام حفظ اللغة والذاكرة.
مع الجيل الثاني تراجعت اللغة العربية في البيوت وتقدّمت الإسبانية، لكن الحضور اتسع: نواد اجتماعية مثل النادي السوري اللبناني في بوينس آيرس، وصحف صدرت بالعربية، وجمعيات خيرية ومدارس وكنائس ومساجد. ودخل أبناء الجالية البرلمان والقضاء والجامعة والطب، ووصل أحدهم إلى رئاسة الجمهورية حين انتخب كارلوس منعم، ابن مهاجرين سوريين، عام 1989.
تتفاوت التقديرات في عدد الأرجنتينيين من أصل عربي اليوم، وتذهب بعضها إلى ملايين عدة، غير أن الأرقام تبقى تقديرية لأن التعداد الأرجنتيني لا يسجّل الأصل الإثني. الأكيد أن الأثر أوسع من الأرقام: في المطبخ، وفي أسماء العائلات، وفي أسماء الشوارع، وفي مفردات تسللت إلى العامية الأرجنتينية.







التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.