عصر الهجرات الكبرى: كيف صارت الأرجنتين بلد المهاجرين
في خمسين عاماً استقبلت الأرجنتين واحدة من أضخم موجات الهجرة في التاريخ الحديث قياساً إلى عدد سكانها، فتغيّرت البلاد من جذورها.
في خمسين عاماً استقبلت الأرجنتين واحدة من أضخم موجات الهجرة في التاريخ الحديث قياساً إلى عدد سكانها، فتغيّرت البلاد من جذورها.
كانت الأرجنتين في منتصف القرن التاسع عشر بلداً شاسع المساحة قليل السكان. ورأت نخبتها الحاكمة أن الحل في استقدام الأيدي العاملة من أوروبا، فنصّ الدستور على تشجيع الهجرة الأوروبية، وصدر عام 1876 قانون ينظّم استقبال المهاجرين وتوطينهم.
وجاء الرد أكبر مما تُوقّع. بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين عبر المحيط ملايين المهاجرين نحو موانئ الريو دي لا بلاتا، وإن كان جزء كبير منهم عاد أدراجه بعد سنوات عمل موسمية.
تصدّر الإيطاليون والإسبان القائمة بفارق كبير، تلاهم مهاجرون من بلاد الشام، ويهود من الإمبراطورية الروسية استقروا في مستعمرات زراعية في إنتري ريوس وسانتا في، وبولنديون وألمان وفرنسيون، وجماعة ويلزية بنت قرى في تشوبوت ما زالت تحتفظ بلغتها وشاي العصر إلى اليوم.
كان "فندق المهاجرين" في مرفأ بوينس آيرس محطتهم الأولى: مبنى ضخم يوفّر إقامة وطعاماً مجانياً لأيام، وخدمة توظيف، وتذاكر سفر إلى الداخل. وهو اليوم متحف يحفظ سجلات الوصول التي يبحث فيها الأحفاد عن أسماء أجدادهم.
في تعداد 1914 كان نحو ثلث سكان الأرجنتين مولودين خارجها، وفي بوينس آيرس بلغت النسبة أكثر من ذلك بكثير.
لم يكن الأثر ديموغرافياً فحسب. من احتكاك الإسبانية بالإيطالية ولهجاتها ولدت اللونفاردو، لغة الشارع البورتيني التي ما زالت مفرداتها حيّة. ومن أحياء الميناء المكتظة بالوافدين خرج التانجو. ودخلت الباستا والبيتزا المائدة اليومية حتى صارت أرجنتينية أكثر منها إيطالية، ودخلت معها الكبة والصفيحة من الطرف الآخر من المتوسط.
هذه الموجة هي ما يفسّر ملمحاً أساسياً في الشخصية الأرجنتينية: بلد في أميركا الجنوبية تشعر في مدنه أنك في أوروبا، وتسمع في أسماء عائلاته نصف خرائط العالم القديم.
- الوسوم:
- بوينس آيرس
- تاريخ الأرجنتين







التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.