الموازي1,560الرسمي1,54518°صحوبوينس آيرس
السبت، 26 سبتمبر
عادات الشعوب الأصلية: العمل الجماعي والكوكا والشيتشا واللوكرو وفضّيات المابوتشيRoblespepe · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

عادات الشعوب الأصلية: العمل الجماعي والكوكا والشيتشا واللوكرو وفضّيات المابوتشي

تحمل الشعوب الأصلية في الأرجنتين عادات اجتماعية حيّة: العمل الجماعي «المينكا» ومبدأ التبادل «الأيني»، ومضغ أوراق الكوكا في الشمال الغربي، وشراب الشيتشا وطبق اللوكرو، وقرابين الباتشاماما والأباتشيتا، وكرنفال هوماواكا، وفي الجنوب فضّيات المابوتشي التي ترافق المرأة في مراحل حياتها. ويعرض هذا الملف هذه العادات وأصولها وما بقي منها اليوم.

حين يعود طبق اللوكرو إلى موائد الأرجنتينيين كلّ 25 مايو، يعود معه اسم كيتشوي قديم وطبخة سبقت الإنكا في جبال الأنديز.

المينكا: العمل الجماعي

المينكا minka، وتُكتب أيضاً «مينغا» و«مينكا»، ويُسمّيها المابوتشي «مينغاكو»، تقليد سابق للغزو الإسباني في المنطقة الثقافية الأنديزية، يقوم على العمل الجماعي التطوّعي لأغراض المنفعة العامة أو على سبيل التبادل، وما زال حيّاً في بلدان عدّة من أمريكا اللاتينية منها الأرجنتين. واسمه من الفعل الكيتشوي «مينكا» الذي يعني «طلب العون مع الوعد بشيء». وقد تكون غايته بناء منشأة عامة، أو مساعدة شخص أو عائلة في جني البطاطس أو غيرها من المحاصيل، مع مقابل يتفاوت لمن ساعدوا.

وكانت المينكا في عهد الإنكا الطريقة الأساسية لإنجاز العمل داخل الجماعات المسمّاة «أيّو» ayllu، وكانت تُمارَس أيضاً لمصلحة أقاليم أوسع ضمن الخدمات التي تقدّمها كلّ جماعة للمجتمع. وكانت العائلات تشارك في بناء المنشآت وقنوات الريّ، وفي العمل في حقول العاجزين، ورعاية الأيتام والشيوخ.

والمينكا لقاء عمل فيه عناصر احتفال: فصاحب الدعوة يعدّ كلّ ما يستطيع ليشعر ضيوفه بالرضا عن مساعدته، وبعد الفراغ من العمل يُقدَّم العشاء في البيت. وعند المابوتشي تُقام «المينغاكو» للأعمال الزراعية أو المنزلية المهمّة، كالبذر والحصاد وبناء البيت التقليدي، ويُسمّى هذا الأخير «روكان» أي «صنع الروكا».

وفي الأرجنتين تجتمع في مناطق عدّة، وخاصة في شمال باتاغونيا، في «الكومركا الأنديزية للخطّ 42» و«الوادي الأعلى لريو نيغرو» ومنطقة VIRCH-Valdés، جماعات تتكوّن عفوياً بحكم الجوار أو الحاجة، فتلتقي دورياً أو من حين إلى آخر للبناء أو للزراعة العائلية، وتعود فائدة العمل على عائلة أو شخص بعينه. ومن صورها «مينغا الطين» للبناء الطبيعي و«مينغا البستان» للبذر أو الحصاد أو إصلاح البستان العائلي. وعادة ما يتولّى أهل البيت تقديم المرطّبات والمواد، والجماعات مفتوحة، يستطيع العابر أن يشارك فيها بجهده أو بمواده أو بخبرته.

الأيني: قانون التبادل

الأيني ayni كلمة كيتشوية وأيمارية تدلّ على مبدأ التبادل والتكافل بين الناس في جماعات الأنديز، وعلى ممارسة هذا المبدأ. وهو بوصفه قانوناً يقرّر أنّ كلّ شيء في العالم مترابط بتيّار حيوي، وأنّ من يعطي يحقّ له أن يأخذ. ويُرجَّح أنّه نشأ من قسوة مناخ الجبال الأنديزية التي فرضت على سكانها التعاضد من أجل البقاء.

وفي جماعات مثل «الكيرو» تحدّد خمسة مبادئ طريقة العيش الأنديزية: «موناي» أي المحبّة، و«ياتشاي» أي التعلّم والمعرفة والتذكّر، و«ليانكاي» أي العمل، و«كاوساي» أي الحياة، و«أيني» أي التبادل، وهو أهمّها لأنّه العمود الفقري للحياة، ولا يقتصر على ردّ المعونة بل يشمل تبادل الطاقة بين البشر والطبيعة والكون.

وفي الممارسة اليومية يساعد أفراد الجماعة بعضهم بعضاً في البناء والزراعة، ويقدّم صاحب الشأن للمشاركين الطعام والشراب، ثمّ يردّ الجميل بمساعدة من ساعدوه أو غيرهم من المحتاجين، فتكتمل الدائرة. ويفرّق الدارسون بين الأيني والمينكا، إذ يتلقّى المشاركون في المينكا عادة مقابلاً عن عملهم كجني المحاصيل. وتذكر المصادر للأيني أربعة أبعاد: اثنان ملموسان، أحدهما ما يجري في الأعياد والآخر ما يجري في الخصوص كالقرض أو المساعدة في الحصاد، واثنان غير ملموسين، أحدهما مع الآلهة، حيث تُقدَّم القرابين شكراً وتأتي البركة جواباً، والآخر النوايا الطيبة وحسن التعامل مع الناس.

ويحكم الأيني أيضاً علاقة الإنسان بالآلهة كالباتشاماما و«الأبو»، وبالأسلاف والطبيعة. ولذلك يلتزم الراعي في هضبة «البونا» الجنوبية بأن يقدّم للأرض جزءاً ممّا يناله في كلّ حدث مهمّ، والجماعة في هذه الرؤية «تعيش فينا»، فيعرف الفرد دائماً أنّه عضو في جماعة «الأيّو» التي يشعر بالالتزام العميق تجاهها.

جماعة «إل بوخيشاي دي كوكتاكا» التقليدية في احتفال كرنفال بين نباتات الصبّار في كوكتاكا بمقاطعة خوخوي، في 18 فبراير 2026.
جماعة «إل بوخيشاي دي كوكتاكا» التقليدية في احتفال كرنفال بين نباتات الصبّار في كوكتاكا بمقاطعة خوخوي، في 18 فبراير 2026.GuilleTito3 · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

الأكوليكو: مضغ أوراق الكوكا

الأكوليكو acullico (من الكيتشوية «أكوليكوي»)، ويُسمّى في الأرجنتين «كوكيو» أي مضغ الكوكا، ممارسة تقليدية اجتماعية وطقسية وعلاجية، تقوم على وضع كتلة صغيرة من أوراق الكوكا بين الخدّ والفكّ ومضغها ببطء. وهي شائعة في بوليفيا والبيرو وشمال تشيلي وشمال غرب الأرجنتين، وفي المحميات الأصلية في الإكوادور وكولومبيا، ويُلجأ إليها لتخفيف دوار المرتفعات والتعب والجوع وعسر الهضم.

ويرافق المضغَ عادةً إدخالُ قليل من مادة قلوية إلى الفم لتقوية الأثر، كبيكربونات الصوديوم أو الجير أو رماد نبتة محروقة يُسمّى «ليخيا» أو «يبتا» إذا كان من رماد الكينوا، ويُحفظ الجير في وعاء خاص ويُؤخذ منه بإبرة. وبعد استخراج عصارة الأوراق توضع الكتلة الممضوغة في مكان ما بعناية.

وتعود آثار مضغ الكوكا في الأنديز إلى 8,000 عام، وفي البيرو يُعدّ من حسن الأدب أن يؤدّي المرء صلاة أنديزية قصيرة قبل أن يضع الأوراق في فمه. وبعد الاستعمار صارت هذه العادة مستهجنة، لكنّها بقيت لأنّها كانت سنداً للسكان الأصليين في الأعمال الشاقّة كالتعدين والسخرة في «سيرو ريكو» في بوتوسي. واليوم تبنّتها مهن تتطلّب جهداً بدنياً طويلاً كقيادة الحافلات والشاحنات لمسافات بعيدة والبناء والتعدين، بل والطلاب في مواسم الامتحانات.

وشمال الأرجنتين يحافظ على تقليد الكوكيو رغم بعض الأحكام المسبقة، وهو فيه علامة هوية وممارسة اجتماعية واسعة الانتشار. ولا يُعدّ مضغ الكوكا في القانون الأرجنتيني تعاطياً للمخدّرات: فالمادة 15 من القانون رقم 23737 لعام 1989 تنصّ على أنّ حيازة أوراق الكوكا في حالتها الطبيعية واستهلاكها لغرض المضغ أو الشرب منقوعةً لا يُعدّان حيازة أو تعاطياً لمواد مخدّرة. وترافق الكوكا أيضاً القرابين: فالمسافر الذي يترك حجراً عند الأباتشيتا يقدّمه مع مضغة من الكوكا أو التبغ أو شراب مخمّر.

احتفال «خميس الكومادريس» في سوق تيلكارا خلال كرنفال 2026، تحت سقف تتدلّى منه الرايات الملوّنة.
احتفال «خميس الكومادريس» في سوق تيلكارا خلال كرنفال 2026، تحت سقف تتدلّى منه الرايات الملوّنة.Maju Planas (WMAR) · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الشيتشا: شراب الذرة

الشيتشا chicha اسم لأنواع من المشروبات تُصنع أساساً بتخمير الذرة وغيرها من الحبوب الأمريكية دون تقطير، وقد تُصنع من الفواكه، ومنها ما لا كحول فيه وما فيه نسبة خفيفة أو متوسّطة. وكانت الذرة عند الإنكا محصولاً مقدّساً والشيتشا شراباً رفيع المنزلة، تُقدَّم للآلهة والأسلاف، وتُشرب بكمّيات كبيرة في الأعياد الدينية وفي مواسم الحصاد وبعدها وسط الغناء والرقص، وكانت النساء يتعلّمن صناعتها في مدارس خاصة.

وفي الأرجنتين ظلّت شيتشا الذرة حتى وقت متأخّر من الحقبة الاستعمارية الشراب الكحولي الرئيسي المصنوع في البلاد. وفي القرن العشرين وصفها الباحث في الفولكلور فيليكس كولوتشيو بأنّها «الشراب المفضّل للسكان الأصليين في الشمال الأرجنتيني»، وأنّ صناعتها وشربها ما زالا قائمين، وتُخمَّر بخميرة خاصة أو بلعاب الإنسان، لأنّ اللعاب غنيّ بخميرة تحوّل النشا إلى سكّر، وهذا يقتضي مضغ دقيق الذرة.

وكانت الطريقة القديمة المسمّاة «الشيتشا الموكيادا» تجري أمام الموقد، مركز اجتماع الجماعة، حيث يتلقّى الأفراد حفنات من الحبّ المطحون أو العجين فيمضغونها ويبصقونها في طست. وهذه الطريقة ممنوعة اليوم لأسباب صحّية، وحلّت محلّها خميرة الخبز العادية. وما زالت الشيتشا تُشرب كثيراً في ولايات الشمال مثل خوخوي وسالتا وتوكومان، وأحياناً في سانتياغو ديل إستيرو وكاتاماركا، في الأعياد الدينية وأعياد الميلاد وفي الاحتفال بالباتشاماما. ويرى الباحث سيرو برافو أنّها مدرّة للبول وفعّالة في طرد حصى المثانة. وتُقام في الأرجنتين «الحفلة الوطنية للشيتشا» في لا كالديرا.

وفي الجنوب يصنع المابوتشي شيتشا من القمح أو التفاح أو منهما معاً، بلا كحول، ويسمّونها «الموداي». وفي الحياة اليومية في الأنديز يسكب الناس قليلاً من الشيتشا على الأرض للباتشاماما قبل أن يشربوا الباقي، في طقس يسمّى «التشايا»، ويُدفن مع الشيطان في ختام كرنفال هوماواكا شيء من الشيتشا والكوكا.

طبق من اللوكرو، الحساء التقليدي من الذرة البيضاء واللحم واليقطين، الذي يُطهى في الأعياد الوطنية وأشهر الشتاء.
طبق من اللوكرو، الحساء التقليدي من الذرة البيضاء واللحم واليقطين، الذي يُطهى في الأعياد الوطنية وأشهر الشتاء.Horacio Cambeiro · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

اللوكرو ومائدة الأنديز

اللوكرو locro (من الكيتشوية «روقرو») يخنة سابقة للإنكا نشأت في شعوب الأنديز، أساسها القرع والذرة، وخاصة البيضاء، والفاصوليا البيضاء والبطاطس. وتذكر المصادر أنّ أوّل صيغة له كانت من البطاطس والفلفل الحارّ والملح والماء و«التشونيو»، أي البطاطس المجفّفة، فأعانت السكان على العيش رغم قلّة البروتين في غذائهم.

وفي الأرجنتين انتشر اللوكرو من الشمال الغربي وكويو إلى سائر البلاد، ويُصنع في نيوكين بالبازلاء أيضاً، وفي الشمال الشرقي بالمنيهوت. ومع أنّ أصله أمريكي أصلي، فإنّ طبخه في الأرجنتين منذ ثلاثة قرون على الأقلّ يجمع إسهامات أوروبية كلحم الخنزير والنقانق والكرشة والتوابل. وأشهر أنواعه من الذرة البيضاء والفاصوليا والقرع مع لحم البقر والخنزير، ويُطبخ على نار هادئة ساعات طويلة، ويمنحه القرع الرمادي المسمّى «ساباشو بلومو» لونه الأصفر، ويُتبَّل بعد الطبخ بصلصة حارّة تسمّى «كيكيريميتشي».

وللوكرو في لغة الناس أسماء تحفظ أصلها الكيتشوي: فاللوكرو الدسم الغنيّ بالمكوّنات يسمّى «بولسودو»، أمّا الخفيف بلا لحم فيسمّى «واستشالوكرو»، من الكيتشوية «واكتشا لوقرو» أي «لوكرو الفقير». واللوكرو المصنوع من حبّ الذرة المجروش يسمّى «فرانغويو».

واللوكرو طبق شتوي غنيّ بالسعرات، ويُؤكل على نطاق واسع في 1 مايو و25 مايو، ذكرى تأليف أوّل حكومة وطنية عام 1810، وفي 9 يوليو ذكرى إعلان الاستقلال في توكومان عام 1816، حتى صار من الأطباق الوطنية في البلاد. ويرى الكاتب فيكتور إيغو دوكروت أنّه صار طبقاً وطنياً في حرب الاستقلال، حين نشر الغاوتشو الذين قاتلوا في «جيش الشمال» طبخة الشمال الغربي في سائر المناطق، وأنّه اعتُمد عملياً في مئوية ثورة مايو عام 1910. ومن العادات أن يُقدَّم للضيوف في الأعراس في قصاع صغيرة. ومن مائدة الأنديز أيضاً «التيختينتشا» التي تُطبخ ليلة قربان الباتشاماما، والإمباناداس ولحم الحمل وجبن الماعز في ختام كرنفال هوماواكا.

رجل مع أطفال من الكوم يصنعون المشغولات اليدوية في حيّ التوبا بمدينة ريسيستينسيا، عام 1968.
رجل مع أطفال من الكوم يصنعون المشغولات اليدوية في حيّ التوبا بمدينة ريسيستينسيا، عام 1968.مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

فضّيات المابوتشي

فضّيات المابوتشي، وتسمّى بالمابودونغون «روتران»، من أبرز وجوه التراث المادّي لهذا الشعب وأكثرها بقاءً. وكان المابوتشي، مثل غيرهم من شعوب الأنديز، يعرفون تقنيات العمل بالمعادن منذ ما قبل الغزو الإسباني. وفي أواخر القرن الثامن عشر نشأت في منطقة «الحدود» حول نهر بيوبيو مساحة للتبادل التجاري بين الإسبان والمابوتشي، يعطي فيها المابوتشي البقر والخيل ويأخذون البضائع والنقود الفضّية، ولم تكن هذه النقود عندهم وسيلة للتبادل بل مادّة خاماً لصنع حلي النساء وزينة سروج الخيل. وكانت المشغولات الفضّية علامة على المكانة الرفيعة في المجتمع.

وبين 1840 و1870 حلّت الحلي الفضّية محلّ الزينة القديمة المصنوعة من الخرز الملوّن، وبلغت صناعة الفضّة أوجها في أواخر القرن التاسع عشر. ثمّ جاءت حملة الصحراء في الأرجنتين و«تهدئة أراوكانيا» في تشيلي، اللتان انتهتا نحو 1879 و1883، فخسر المابوتشي أراضيهم كلّها تقريباً، وقُتل الآلاف منهم أو أُسروا أو اقتُلعوا، فتراجعت ممارسات ثقافية كثيرة منها صناعة الفضّة تراجعاً يكاد لا رجعة فيه. واتّجه الصاغة، ويسمّون «روترافي»، إلى صنع حلي تنقل التصاميم التقليدية بحجم أصغر، وتوقّفت صناعة الأدوات المنزلية وزينة الخيل، وبقيت المعارف والتقنيات حيّة إلى اليوم تعبيراً فنّياً واستمراراً لرؤية المابوتشي للعالم.

ومن أشهر القطع «التراريلونكو»، سلسلة مسطّحة تحيط بالرأس عند الجبهة كالتاج تتدلّى منها أقراص أو نقود فضّية، و«التشاواي» وهي الأقراط، ومنها أقراط مربّعة ثقيلة كانت تُعلَّق بالتراريلونكو، و«السيكيل» صدرية من صفائح متّصلة بحلقات غليظة ذات زخارف صليبية مخرّمة، و«الترابيلاكوتشا» وهي أطول منها، و«الكولكاي» سلسلة تعبر الصدر، و«التوبو» دبوس كبير ينتهي بقرص مسطّح، واسمه واستعماله من أصل إنكي. وتشمل الفضّيات أيضاً الركابات والمهاميز واللجم وزينة الأعنّة، وأقداح الشرب في المناسبات، والغلايين.

وللفضّة عند المابوتشي معانٍ: فهي ترتبط بالقمر والأنوثة والخير والصحّة والحماية والأسلاف. وتصوّر زخارفها زهرة «الكوبيوي» وشجرة القرفة البرّية المقدّسة والطيور، وخاصة الكوندور، ويرى بعض الباحثين أنّ البراعم المغلقة للفتيات غير المتزوّجات والأزهار المتفتّحة للمتزوّجات والأكبر سنّاً. وجسد المرأة عبر الحلي هو المكان الذي تتجلّى فيه رموز رؤية المابوتشي للكون: ففي طقس «كاتان بيلون»، الذي ما زالت بعض الجماعات تحافظ عليه، تُثقب أذنا الفتاة وتُلبس أوّل أقراطها ويُطلق عليها اسمها. والحلي الطقسية تنتقل من الأمّهات إلى البنات، أمّا الخواتم اليومية فكثيراً ما تُترك في أيدي النساء حين يمتن وتُدفن معهنّ.

وكانت الصفائح تُصنع بطرق النقود الفضّية، ثمّ تُقطع وتُخرَّم وتُزخرف، والقطع المجسّمة تُصبّ في قوالب من الطين يصنعها الصائغ بنفسه. ومن أدقّ الأعمال زينة الضفائر التي تُغطّى فيها شريطة من النسيج أو الجلد بأنصاف كرات فضّية صغيرة تُخاط بخيوط لا تُرى، ويُقدَّر أنّ القطعة العادية تحتاج إلى نحو ألف منها. وتنوّعت التصاميم لأنّها كانت تُصنع لتدلّ على عائلات بعينها وأراضٍ بعينها وزعماء وماتشيات بعينهم.

نسيج من المابوتشي على النول بزخارف هندسية، لعصابة رأس تقليدية يلبسها الرجال، عام 2023.
نسيج من المابوتشي على النول بزخارف هندسية، لعصابة رأس تقليدية يلبسها الرجال، عام 2023.Catriel Puel · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

كرنفال هوماواكا

كرنفال هوماواكا احتفال شعبي يُقام في بداية الصوم الكبير في كويبرادا دي هوماواكا في ولاية خوخوي. أدخله الإسبان، فاندمج بطقوس السكان الأصليين للاحتفاء بخصوبة الأرض وتكريم الباتشاماما على ما أعطت، وهو صيغة قصيرة من عيد إنكي كان يبدأ في ديسمبر وينتهي في مارس، يُشرب فيه ويُغنّى ويُؤكل ويُرقص. ويحمل التقليد آثاراً أصلية وإسبانية وكريولية، وقد اضطرّت الكنيسة الكاثوليكية مع مرور الزمن إلى المشاركة في هذه الاحتفالات «الوثنية».

وفي الخميسين السابقين للكرنفال يجتمع «الكومبادريس» للاحتفال باللقاء، ثمّ يأتي دور «الكومادريس» اللواتي يتسلّين بجلسات «الكوبليادا»، يروين فيها بالغناء على إيقاع الكاخا ما جرى لهنّ خلال العام. ويبدأ الكرنفال يوم السبت بـ«استخراج الشيطان»، المسمّى «كولودو» أو «بوخشاي»: دمية من القماش تمثّل شيطان العام الماضي تُستخرج بإذن من الباتشاماما من كومة الحجارة بعد أن تُسقى «تشايا». ولكلّ فرقة عاداتها، ففرقة «لوس تشولوس» مثلاً لا تقيم هذا الطقس، بل يجتمع رجالها للشرب ولعب «التابا» ثمّ ينزلون في ساعة محدّدة إلى مدخل البلدة حيث تنتظرهم النساء.

ويدوم الكرنفال ثمانية أيام، يلبس فيها الناس ثياباً ملوّنة بالجلاجل والأقنعة، ويرشّون الطحين والتلك والأشرطة الورقية، ويوزّعون أغصان الريحان، وتجوب الفرق الشوارع راقصةً «الكرنافاليتو». وفي مدينة هوماواكا يبلغ الاحتفال ذروته، ومنها انتشرت عادة التنكّر في هيئة «شياطين صغار» مع فرقة «لا خوفينتود أليغري دي هوماواكا» التي تأسّست في الأشهر الأولى من عام 1922 لحفظ التقاليد. وينتهي الكرنفال في «أحد الإغواء» بدفن الشيطان في حفرة تمثّل فم الباتشاماما مع السجائر والكوكا والأشرطة والشيتشا، ثمّ تُذاق الأطباق التقليدية ويُصلّى، وسط النحيب، لكي تعود البهجة في العام المقبل.

ويقسم الكرنفال سنة الكويبرادا إلى زمنين: «زمن الصيف» الذي يبدأ بالاحتفال بالباتشاماما في أغسطس وينتهي بدفن الكرنفال، و«زمن الشتاء» الذي يبدأ بدفن الكرنفال وينتهي بعيد جميع القديسين، ولكلّ منهما موسيقاه وآلاته.

كفّ تحمل بذور الأروكاريا الصالحة للأكل في إيكالما بتشيلي، وهي غذاء أساسي في النظام التقليدي للبيوينتشي من المابوتشي، عام 2020.
كفّ تحمل بذور الأروكاريا الصالحة للأكل في إيكالما بتشيلي، وهي غذاء أساسي في النظام التقليدي للبيوينتشي من المابوتشي، عام 2020.CARLOS TEIXIDOR CADENAS · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

قرابين الأرض وعادات الطريق

من أرسخ عادات الشمال الغربي الأنديزي قرابين الباتشاماما، التي تُقام طوال السنة وتكثر في أغسطس. ففي الليلة السابقة للأول من أغسطس تطبخ العائلات طوال الليل، ثمّ يحفر صاحب البيت حفرة في الأرض، ولا يأكل أحد من الضيوف قبل أن يُسكب في الحفرة صحن للباتشاماما وتُتلى عليه صلاة. وفي هذا الشهر البارد تحرق العائلات النباتات والخشب لتطهير البيوت وإبعاد الأرواح الشريرة، ويشرب الناس المتّة لأنّها تجلب الحظّ. ويتولّى الطقس في الجماعة الشيوخ أو أصحاب السلطة المعنوية، ويُقام في أماكن كثيرة أيضاً في أوّل جمعة من كلّ شهر، وعند الخروج في سفر.

ومن عادات عيد الباتشاماما «موكب الأحد»، الذي تُنتخب فيه أكبر نساء الجماعة سنّاً «ملكةً للباتشاماما»، وقد جرى ذلك أوّل مرّة عام 1949، ويدور بها الغاوتشو على خيولهم حول الساحة محيّين، لأنّ النساء المسنّات يُعددن في هذا التقليد تجسيداً للحكمة والحياة والخصوبة. ومن العادات اليومية أن يُشرب نخب الباتشاماما قبل الاجتماعات والأعياد، وأن يُسكب قليل من الشراب على الأرض قبل الشرب.

وعلى الطرق الجبلية الصعبة تقوم الأباتشيتا، كومة الحجارة المخروطية التي يضيف إليها كلّ مسافر حجراً مع شيء من الكوكا أو التبغ أو الشراب، طالباً الحماية وشاكراً الباتشاماما وآلهة الجبال. ويُعدّ نزع حجر منها تدنيساً يعادل انتهاك المقدّسات. وبهذه العادات الصغيرة، من الحجر على الطريق إلى الصحن في الحفرة إلى القطرة المسكوبة قبل الشراب، يستمرّ مبدأ «الأيني» في حياة الناس اليومية: أن يُردّ إلى الأرض بعض ما تعطيه.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo