الموازي1,560الرسمي1,54516°صحوبوينس آيرس
السبت، 26 سبتمبر
معتقدات الشعوب الأصلية: الباتشاماما في الأنديز ونغينيتشين عند المابوتشي والهاين في تييرا دل فويغوBernard Gagnon · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

معتقدات الشعوب الأصلية: الباتشاماما في الأنديز ونغينيتشين عند المابوتشي والهاين في تييرا دل فويغو

تتوزّع معتقدات الشعوب الأصلية في الأرجنتين على تقاليد متباينة: عبادة الباتشاماما والشمس وطقوس الأباتشيتا في الشمال الغربي الأنديزي، وديانة المابوتشي في الجنوب بطبقاتها الكونية وأرواحها وماتشياتها وصلاة النغيلاتون وعيد وي تريبانتو، وطقس الهاين عند السيلكنام في تييرا دل فويغو. ويعرض هذا الملف هذه المعتقدات وطقوسها، وما جرى لها في لقائها بالمسيحية.

في الأول من أغسطس تحفر العائلات في جبال الشمال الغربي حفرة في الأرض وتضع فيها أوّل صحن من الطعام قبل أن يأكل أحد، لأنّ الباتشاماما جائعة.

ثلاثة عوالم روحية

لا تجمع الشعوب الأصلية في الأرجنتين ديانة واحدة، بل تقاليد روحية متعدّدة نشأت في بيئات متباعدة. في الشمال الغربي الأنديزي، في خوخوي وسالتا وما جاورهما، تعيش عبادة الباتشاماما «الأمّ الأرض» والشمس «إنتي»، وطقوس القرابين على قمم الممرّات الجبلية، وهي معتقدات تمارسها جماعات الكيتشوا والأيمارا ومن تأثّر بهم في مناطق الأنديز في بوليفيا والإكوادور والبيرو وتشيلي وفي الشمال الغربي من الأرجنتين.

وفي الجنوب تقوم ديانة المابوتشي، وهي تُمارَس أساساً في وسط تشيلي الجنوبي وجنوب غرب الأرجنتين، على رؤية للكون مؤلّفة من طبقات، وعلى أرواح الأسلاف وأرواح الطبيعة، وعلى دور الماتشي المعالج والوسيط، وعلى صلاة النغيلاتون الجماعية. وفي أقصى الجنوب، في تييرا دل فويغو، عرف السيلكنام طقس الهاين الذي كان يُدخل الفتيان إلى عالم الرجال.

وتشترك هذه التقاليد في أنّها انتقلت شفاهاً، فلا توجد سجلّات مكتوبة للأساطير القديمة قبل وصول الإسبان، ولذلك تتفاوت المعتقدات بين الجماعات والعائلات. وقد تعرّضت كلّها لأثر المسيحية منذ القرن السادس عشر، عبر التبشير الإسباني أوّلاً ثمّ عبر الكنائس الحديثة، فنشأ عن ذلك توفيق واسع بين الموروث الأصلي والعقيدة المسيحية، حتى صارت عائلات كثيرة في الأنديز مسيحية ومتعبّدة للباتشاماما في آن واحد.

الباتشاماما: أمّ الزمان والمكان

الباتشاماما Pachamama إلهة أنديزية تمثّل الزمان والمكان معاً، تعبدها شعوب الأنديز. والاسم كيتشوي مركّب من كلمتين: «باتشا» بمعنى العالم والكون والزمان والمكان والكلّية والعصر، و«ماما» بمعنى الأمّ والمبدأ الأنثوي الذي يلد الحياة ويغذّيها. ولذلك فهي في الرؤية الأنديزية ليست «الأمّ الأرض» فحسب، بل «أمّ الزمان والمكان» والرحم الكوني الذي يحتوي الوجود كلّه. وهي في ديانة الإنكا وأساطيرهم إلهة من نوع «الإلهة الأمّ»، مرتبطة بالحياة والخصوبة والطبيعة، حاضرة في كلّ مكان، قادرة على الخلق وحفظ الحياة.

وتصفها الأساطير بأنّها واحدة من «الأمّهات الأربع» مع «ماما كوتشا» إلهة المياه و«ماما نينا» إلهة النار و«ماما وايرا» إلهة الريح، وبأنّها زوجة باتشاكاماك وأمّ «ماما كيا» إلهة القمر و«إنتي» إله الشمس. وكانت تُعبد غالباً في صورتها الأرضية المسمّاة «ألباماما»، في معابد هي صخور مقدّسة وجذوع أشجار أسطورية، وأشهر تمثيل لها امرأة ناضجة تحمل محاصيل البطاطس وأوراق الكوكا. وكان الكهنة الأنديزيون يقدّمون لها القرابين من اللاما وخنازير غينيا والملابس المصغّرة.

والباتشاماما في العادة إلهة محبّة كريمة، لكنّها قد تكون قاسية مدمّرة حين تُغضَب أو تُجرح. وهي لا تحتاج إلى معابد ولا أماكن عبادة محدّدة، لأنّها في كلّ مكان وكلّ زمان، وإن كانت تحبّ الينابيع. وتقوم العلاقة بينها وبين الإنسان على مبدأ التبادل المسمّى «أيني»: فعلى الناس أن يحترموها ويردّوا إليها بعض ما تعطيهم، وهي في المقابل تضمن الخصوبة والتوازن. ولذلك يلتزم الراعي في هضبة «البونا» الجنوبية بأن يقدّم لها جزءاً ممّا يناله في كلّ حدث مهمّ، لأنّها «جائعة كثيراً»، وإن لم تُطعَم أو أُسيء إليها أحدثت خللاً كونياً يمسّ العوالم كلّها.

مائدة قرابين تُحرق شكراً للباتشاماما، وفيها الحلوى والخشب والأعشاب، في بوليفيا، عام 2023.
مائدة قرابين تُحرق شكراً للباتشاماما، وفيها الحلوى والخشب والأعشاب، في بوليفيا، عام 2023.Casi metro y medio · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الأول من أغسطس وطقوس القربان

تُقام طقوس الباتشاماما طوال السنة، لكنّها تكثر في أغسطس، قبيل موسم البذر مباشرة. فأغسطس أبرد أشهر الشتاء في جنوب الأنديز، يشعر فيه الناس بأنّهم أكثر عرضة للمرض، ولذلك يُعدّ «شهراً عسيراً» ينبغي فيه أن يكون الإنسان على وفاق تامّ مع الطبيعة ليحفظ نفسه وزرعه وماشيته. فتقوم العائلات بطقوس تطهير تحرق فيها النباتات والخشب لإخافة الأرواح الشريرة التي يُعتقد أنّها تكثر في هذا الوقت، ويشرب الناس المتّة لأنّها تجلب الحظّ.

وقد اشتهر الأول من أغسطس يوماً رئيسياً للقربان، وإن كان الطقس يمتدّ على الشهر كلّه، ويُقام في أماكن كثيرة أيضاً في أوّل جمعة من كلّ شهر، ويتولّاه الشيوخ أو أصحاب السلطة المعنوية في كلّ جماعة. في الليلة السابقة تطبخ العائلات طوال الليل، ثمّ يحفر صاحب البيت حفرة في الأرض: فإن خرج التراب حسناً كان ذلك بشارة بعام طيّب، وإلا كان العام شحيحاً. ولا يُسمح لأحد من الضيوف بالأكل قبل أن يقدّم صاحب البيت صحناً من الطعام للباتشاماما، يُسكب في الحفرة وتُتلى عليه صلاة لها.

ويُسمّى القربان في بوليفيا «تشايا» أو «باغو» أي الدفع، وفي وسط الأنديز الجنوبية «كورباتشادا». ويرى عالما الأنثروبولوجيا الأرجنتينيان ماريو رابي ورودولفو ميرلينو، اللذان درسا الثقافة الأنديزية من السبعينيات إلى التسعينيات، أنّ أهمّ الطقوس هو «التشاياكو»، من الكلمتين الكيتشويتين «تشاياي» و«تشاياكوي» اللتين تعنيان الرشّ المتكرّر، ويستعمل الفلاحون كلمة «تشايار» بمعنى «إطعام الأرض وسقيها». يبدأ الطقس في البيوت في الليلة السابقة بطبخ طعام خاص يسمّى «تيختينتشا»، ويبلغ ذروته عند بركة أو جدول، حيث تُقدَّم للباتشاماما الأطعمة والمشروبات وأوراق الكوكا والسيجار. ومن القرابين التقليدية أيضاً الأصداف البحرية وجنين اللاما.

وفي الحياة اليومية يسكب كثيرون قليلاً من الشيتشا أو من أيّ شراب على الأرض قبل أن يشربوا، إكراماً للباتشاماما، ويُشرب نخبها قبل الاجتماعات والأعياد. ولها يوم خاص يسمّى «ثلاثاء التشايا» يوافق ثلاثاء الكرنفال عند المسيحيين، يدفن فيه الناس الطعام ويرمون الحلوى ويحرقون البخور شكراً على المحاصيل. ومن أبرز ما في عيدها «موكب الأحد»: تبحث لجنة العيد عن أكبر نساء الجماعة سنّاً وتنتخبها «ملكة الباتشاماما للعام»، وقد جرى ذلك أوّل مرّة عام 1949، ويرافقها الغاوتشو على خيولهم ويدورون بها حول الساحة ويحيّونها، وتُعدّ النساء المسنّات في هذا الطقس تجسيداً للتقاليد ورموزاً حيّة للحكمة والخصوبة.

عمود «ريوي» الاحتفالي الخشبي من المابوتشي، من القرن العشرين، معروض في متحف كي برانلي.
عمود «ريوي» الاحتفالي الخشبي من المابوتشي، من القرن العشرين، معروض في متحف كي برانلي.مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

الأباتشيتا والشمس

الأباتشيتا apacheta (من الكيتشوية والأيمارية «أباتشيتا») كومة من الحجارة مرتّبة على شكل مخروط، يبنيها السكان الأصليون في الأنديز قرباناً للباتشاماما أو لآلهة المكان على المنحدرات الصعبة من الطرق. وهي معالم مقدّسة كانت تُقام في نقاط مختلفة على جوانب «طريق الإنكا»، ومع مرور الزمن صارت علامات تحدّد تلك الطرق. وكان المسافرون عندها يطلبون من الباتشاماما ومن «الأبو»، أي آلهة الجبال، ويشكرونها.

ويُعتقد أنّ ترك حجر عند الأباتشيتا يحمي المسافر، ويُقدَّم الحجر مع مضغة من أوراق الكوكا أو التبغ أو المشروبات المخمّرة. وتختلف الأباتشيتا عن الركام الجنائزي، فهي لا تُبنى قبراً ولا شاهداً، وأكثرها يقف وحيداً منعزلاً، ويُعدّ نزع حجارتها تدنيساً يعادل انتهاك المقدّسات. ويرى بعض الباحثين أنّ الأباتشيتات نشأت من حرص الشعوب الأنديزية على التنظيم وقياس المسافات وتحديد الأراضي، ويرى آخرون أنّ أصلها أكوام من المواد جُمعت لبناء مراكز مراقبة على طرق الإنكا. وتُقام للباتشاماما طقوس خاصة عند المرور بأباتشيتا أو عند الخروج في سفر.

أمّا إنتي، الشمس، فهو ابن الباتشاماما وزوجها في بعض الأساطير، ويُعبدان معاً إلهين خيّرين في المنطقة التي كانت تسمّى «تاوانتينسويو»، أي إمبراطورية الإنكا القديمة الممتدّة في جبال الأنديز إلى شمال غرب الأرجنتين. وأشهر أعياده «إنتي رايمي» أي «عيد الشمس»، الذي يُقام حول الانقلاب الشتوي الجنوبي في يونيو في بلدان أنديزية عدّة منها الأرجنتين. وكان في عهد الإنكا أهمّ أعياد الإمبراطورية، يُحتفل فيه ببداية السنة الجديدة حين يبدأ النهار بالطول، ويُنسب تأسيسه إلى الإنكا باتشاكوتيك. وآخر إنتي رايمي حضره الإنكا أُقيم عام 1535، ثمّ منعه نائب الملك فرانسيسكو دي توليدو عام 1572 بوصفه طقساً وثنياً مخالفاً للعقيدة الكاثوليكية، فاستمرّ خفية، إلى أن أعيد تمثيله علناً في كوسكو منذ عام 1944.

جدار في متحف الباتشاماما في أمايتشا ديل فايي، تتوسّطه منحوتة لشخصية بشرية وتحيط بها شموس من الحصى، عام 2018.
جدار في متحف الباتشاماما في أمايتشا ديل فايي، تتوسّطه منحوتة لشخصية بشرية وتحيط بها شموس من الحصى، عام 2018.Bernard Gagnon · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

ديانة المابوتشي: طبقات الكون وأرواحه

تتصوّر ديانة المابوتشي الكون طبقات متراكبة: «وينو مابو» أي «الأرض العليا»، السماء المقدّسة غير المرئية التي تسكنها العائلة الإلهية وأرواح الخير وأرواح الأسلاف، و«ناغ مابو» أي «الأرض التي نمشي عليها»، عالم البشر والحيوان والنبات، و«مينتشي مابو» أي «الأرض السفلى» حيث قوى الشرّ والأرواح المعادية للإنسان. وتنقسم الأرض الوسطى إلى أربع جهات تُسمّى «ميلي ويتران مابو» أي «زوايا العالم الأربع»، منها «بويل مابو»، أرض الشرق، وهي الجزء من بلاد المابوتشي الواقع شرق جبال الأنديز.

وللإلهي أربعة وجوه ترتبط بأربع فضائل: «كوسيه» العجوز للحكمة، و«فوتشا» الشيخ للاستقامة، و«أولتشا دومو» الشابّة للطيبة، و«ويتشي وينترو» الشابّ للقوّة، وهي عائلة إلهية تعكس صورة العائلة المابوتشية. ويُترجم اسم نغينيتشين Ngenechén عادةً بـ«الله»، ويوصف بأنّه الروح الذي يحكم البشر، لكنّ المصادر الإسبانية تذكر أنّ أقدم ديانة المابوتشي لم تعرف روحاً أعلى يُعدّ إلهاً خالقاً للكون، وأنّ المساواة بين نغينيتشين والله صنعها المبشّرون اليسوعيون في القرنين السابع عشر والثامن عشر ليقرّبوا المفهوم المسيحي، فتقبّلتها ثقافة المابوتشي. ويساوي كثير من المابوتشي اليوم بين نغينيتشين والإله المسيحي، بينما يؤكّد تقليديون آخرون أنّهما مختلفان.

وتقوم هذه الديانة أساساً على عبادة أرواح الأسلاف وأرواح الطبيعة: «النغين» أرواح أولى تمثّل جوهر الأشياء وهي «مالكة» الأماكن الطبيعية، و«البيّان» أرواح خيّرة ذكورية، و«الوانغولين» أرواح خيّرة أنثوية، و«الويكوفي» أرواح شرّيرة. غير أنّ الخير والشرّ ليسا متقابلين تقابلاً حادّاً، فقد يعمل الويكوفي خيراً والبيّان شرّاً. ولكلّ كائن حيّ روح تسمّى «آم» منبثقة من «بو آم» الروح الكونية، وعند الموت تصير الروح «بيّو» وتتعرّض لخطر أن تستعبدها الأرواح الشريرة، ولذلك يحاول الأقارب في الجنازة إبعادها بالصياح والضرب لتسافر إلى جزيرة الموتى. ومن هنا الأهمّية الكبرى لاحترام الوالدين والأجداد، وهو أوّل واجبات «الأدمابو»، أي مجموع التقاليد: فلكي تبلغ روح الإنسان مرتبة البيّان أو الوانغولين لا بدّ من ذرّية كثيرة تذكره وتكرّم ذكراه.

ولا تعرف ديانة المابوتشي المعابد ولا طبقة الكهنة، بل تقوم على صلة وثيقة بالطبيعة: فالفسحة في الغابة، المحاطة بالأشجار ويُفضَّل أن تكون من شجر القرفة البرّية، والمطهَّرة بالرقصات الطقسية، هي أقدس المعابد. والبناء الوحيد المقبول هو «الريوي»، جذع شجرة تُحفر فيه درجات عالية يصعد عليها الماتشي. وللألوان دلالاتها: الأزرق والأبيض لونا الطقوس بامتياز ويرمزان إلى العالم الخيّر فوق الطبيعة، والأحمر لون القتال والدم ولذلك يُمنع في النغيلاتون، والأسود رمز المطر والسلطة ويلبسه أصحاب النفوذ من الزعماء والماتشي، والأخضر لون الطبيعة والخصوبة.

أباتشيتا من الحجارة المرصوفة على قمّة سيرو دي لوس سييس في منطقة تورنكيست بمقاطعة بوينس آيرس، في 24 يوليو 2014.
أباتشيتا من الحجارة المرصوفة على قمّة سيرو دي لوس سييس في منطقة تورنكيست بمقاطعة بوينس آيرس، في 24 يوليو 2014.Roberto Pampa · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

الماتشي والنغيلاتون

الماتشي machi رجل أو امرأة يقوم بدور الوسيط بين العالم المرئي والعالم غير المرئي، يعرف الأدوية الطبيعية «لاوين» واستعمالاتها، وهو مرجع الطبّ التقليدي والعارف بأسرار عالم المابوتشي، ويؤدّي دور الشفاء في طقس يسمّى «الماتشيتون». ويعتقد المابوتشي التقليديون أنّ الأرواح تختار أشخاصاً بعينهم ليصيروا ماتشي، فترسل إليهم الأحلام «بيوما» والرؤى «بيريمونتون»، وقد تصيبهم بمرض لا يزول إلا بتنصيبهم في طقس خاص. وفي حالة الغيبوبة الطقسية «كويمي» يترجم كلامَ الماتشي مساعدٌ يسمّى «دونغوماتشيفي». وفي البيت يُنصب «الريوي» ذو الدرجات، ويُعدّ محور العالم وصلة الوصل بين عالم البشر وعالم الأرواح، ويُوجَّه نحو الشرق. وفي المقابل يُسمّى الساحر المؤذي «كالكو»، ويلجأ من يظنّ نفسه مسحوراً إلى الماتشي ليبطل السحر.

وقد تراجعت فئات المختصّين بالطقوس الأخرى في القرن العشرين، فصار الماتشي المختصّ الوحيد المتفرّغ، وانتقلت إليه وظائف كان يؤدّيها غيره، فيما سمّته الباحثة ليديا ناكاشيما ديغارود «تأنيث العالم الديني». ويلبس الماتشي، رجلاً كان أو امرأة، ثياباً مرتبطة بالنساء: مناديل رأس زرقاء أو بنفسجية وشالات سوداء وحلياً فضّية.

والنغيلاتون nguillatun (ومعناه بالمابودونغون «فعل الشراء أو الطلب»، ويُترجم بالإسبانية «روغاتيفا» أي صلاة الاستسقاء والطلب) طقس ديني قديم، وهو اليوم الطقس الرئيسي في ديانة المابوتشي. تشارك فيه الجماعة كلّها لطلب الخير وتقوية وحدتها أو شكراً على النعم، ويُقام في موضع مخصّص يسمّى «نغيلاتوي» تُبنى فيه عريشة يتوسّطها الريوي، وتُزيَّن برايات صفراء أو زرقاء أو بيضاء أو سوداء. يصلّي المشاركون من أجل المناخ والبذار والحصاد والصحّة والوفرة، وتوضع عند قدم المذبح قرابين من الذرة والفاصوليا و«الموداي»، ثمّ يُذبح حيوان، في الغالب حمل. ويقود الطقس «النغينبين»، أي «صاحب الكلمة» الخطيب، وفي بعض الجماعات تتولّاه الماتشي.

وتقيم كلّ جماعة النغيلاتون بانتظام، مرّة في السنة على الأقلّ، وقد تدلّ الأحلام والرؤى على الحاجة إليه، ويدوم يومين على الأقلّ وأربعة أيام على الأكثر. ويلبس المشاركون الثياب التقليدية وقد يطلون وجوههم، ويرقصون صفوفاً وحلقات حول المذبح، ويدور فرسان على خيولهم حول الراقصين محاكين دورة الشمس في طقس يسمّى «أوون». وكثيراً ما يبارك كاهن كاثوليكي المذبح الجماعي بعد نصبه، وتُغرس إلى جانبه صلبان بيضاء وزرقاء ترمز إلى قوى السماء، والحقول التي يُقام فيها تُعدّ مقدّسة وتُترك بلا زراعة.

وي تريبانتو: عودة الشمس

وي تريبانتو We Tripantu هو رأس السنة عند المابوتشي، ويُحتفل به في الانقلاب الشتوي الجنوبي، أقصر أيام السنة، بين 21 و24 يونيو. ومعناه بالمابودونغون «السنة الجديدة»، ويُسمّى أيضاً «ويونوي تريبانتو» أي «عودة الشمس». فهو يوم مقدّس لأنّه اليوم الذي يبدأ فيه الشتاء بالتراجع ويطول النهار حتى الانقلاب الصيفي، فتبدأ سنة زراعية جديدة، وتتطهّر الأرض بالماء الذي يرسله نغينيتشين. وتختلف فكرة الزمن فيه عن الفكرة الغربية، فالقديم عند المابوتشي يتجدّد دائماً ولا يبقى وراءهم.

وكان المابوتشي القدماء يحدّدون يوم العيد ببناء بيتهم «الروكا» وفي وسطه موقد وبابه الرئيسي موجّه نحو مشرق الشمس، فيراقبون مسار الشمس خلال السنة، وبالأقمار الثلاثة عشر التي لكلّ منها اسم، وبظهور عنقود «الثريّا» الذي يسمّونه «كومة البطاطس»: فظهوره في الأفق قبل الشمس بساعة كان يعلن اقتراب الانقلاب الشتوي بـ12 يوماً.

تجتمع العائلات المدعوّة في بيت المضيف عند غروب اليوم السابق، ومع كلّ منها نصيبها من الطعام. وفي الليل يتحدّثون عن التاريخ ويروون الحكايات «إيبيو» والأخبار «نوترام» والألغاز «كونيو»، ويرقصون حول الموقد، ويسدي الشيوخ النصح للأطفال ليعتزّوا بثقافتهم، بينما تعدّ النساء الأطعمة التقليدية ومشروب «الموداي» من الذرة المخمّرة. وحين يغرّد أوّل الطيور يأخذ الكبار الأطفال ليغتسلوا في نهر جارٍ، فيذهب مع الماء كلّ قديم: الأرواح الشريرة والأمراض والأفكار السيئة. وقبل شروق الشمس تجتمع الجماعة لصلاة الفجر التي تقودها الماتشي أو زعيم الجماعة، وحين تطلّ الشمس من جبال «بويل مابو»، أرض الشرق، يصيح الجميع: «لقد جاءت السنة الجديدة».

وفي النهار تُلعب لعبة «البالين» وتُقام سباقات الخيل وألعاب القوى والنغيلاتون، ومهمّة الأطفال أن يجلدوا الأشجار التي لا تثمر لكي تثمر في العام الجديد. ويُسمّى الأطفال بأسماء الأجداد، وتُستقبل الفتاة البالغة امرأةً في طقس «كاتالووين» الذي تُثقب فيه أذنها وتُهدى أوّل أقراطها. وقد تغيّر الاحتفال منذ بدايات القرن العشرين مع دخول المدرسة والمسيحية وعيد القديس يوحنا المعمدان، ثمّ عاد إلى الانتعاش في العقود الأخيرة مع نهضة ثقافة المابوتشي والمطالبة بالأرض في جنوب الأرجنتين وتشيلي. ومن الاحتفالات التي تذكرها المصادر في الأرجنتين احتفال أُقيم عام 2018 في «بيلان ماويسا» على ضفّة نهر كارينليوفو.

الهاين: سرّ رجال السيلكنام

الهاين Hain طقس تنشئة كان يقيمه السيلكنام أو الأونا، سكان شمال تييرا دل فويغو ووسطها في الأرجنتين وتشيلي، لإدخال الفتيان بين 14 و18 عاماً إلى عالم الرجال، وكان في الوقت نفسه مناسبة لقاء بين جماعات السيلكنام المختلفة. وكان الفتيان المرشّحون يسمّون «كلوكيتين»، ويُراد بالطقس تربية عقولهم وطباعهم عبر اختبارات متتالية داخل كوخ كبير يُبنى في الغابة بعيداً عن المخيّم.

وتروي أسطورة السيلكنام أنّ النساء هنّ اللواتي أسّسن الطقس في الزمن الأسطوري، حين كنّ يحكمن الرجال بقيادة «كريه»: فخشين أن يثور الرجال الأقوياء، فابتكرن احتفالاً سرّياً يلبسن فيه الأقنعة ويطلين أجسادهنّ ليمثّلن أرواحاً مرعبة. حتى مرّ «كرين» زوج كريه قرب الكوخ فرأى امرأتين تغسلان الطلاء وتضحكان، فأدرك الخدعة، وهاجم الرجال الكوخ وقتلوا النساء إلا الصغيرات، وهربت كريه جريحة فصارت القمر، وتبعها كرين فصار الشمس. ومنذ ذلك الحين استولى الرجال على الهاين، وأقاموا أوّله في موضع يسمّى «ماوستاس»، وبنى الكوخ سبعة رجال جاء كلّ منهم بجذع كبير من موطنه.

يبدأ الطقس بفصل الكلوكيتين عن عائلاتهم، فيُجرَّدون من ثيابهم ويُغسَلون ويُطلَون كلّياً بالطين الأحمر، ثمّ يُقادون إلى الكوخ وسط الأغاني والصيحات، ويُجلَسون حول النار. ومن النار تخرج «الأرواح» مغنّية، فيصارع كلّ فتى روحاً منها، والروح تغلب دائماً، ثمّ يُؤمر الفتى بنزع قناعها فيجد أمامه رجلاً من لحم ودم يضحك قائلاً: «هكذا نلعب نحن الرجال». وفي الأيام التالية يتعلّم الفتيان واجبات الرجل البالغ والصيد والرمي، ويسمعون الأساطير، ويُكشف لهم سرّ الهاين، ويُحلَّفون ألا يبوحوا به للنساء أبداً، لأنّ عقوبة ذلك الموت.

وكان الكوخ متيناً واسعاً، من سبعة أعمدة وأربع دعائم، موجّهاً دائماً نحو الشرق، وفي وسطه نار لا تنطفئ طوال الطقس، وبابه في الجهة المقابلة للمخيّم كي لا تتلصّص النساء والأطفال، ويُفكَّك بعد انتهاء الطقس. وأبرز أرواح الهاين «شالبين» Xalpen والأرواح السبعة «سورتيس»، ولكلّ منها طلاء خاص وجهة ينتمي إليها، منها «يويسيك» أكبرها سنّاً و«تالين» أقواها. وكان الطقس يدوم من أسبوع إلى أشهر أو سنوات، وقد ينقطع بسبب الطقس أو نفاد الطعام.

اللقاء بالمسيحية

بعد الغزو الإسباني ووصول الكاثوليكية، ماثلت جماعات أصلية كثيرة بين الباتشاماما ومريم العذراء، في عملية توفيق ديني. وصارت طقوس كثيرة للباتشاماما تُمارَس إلى جانب الطقوس المسيحية، حتى إنّ عائلات كثيرة مسيحية ومتعبّدة للباتشاماما في آن واحد. ويرى الباحث مانويل مارسال أنّ القربان للباتشاماما أدخل «بعض الرموز والصلوات المسيحية»، وأنّ بعض الأنديزيين صاروا يرونها رمزاً لعناية الإله الواحد، أو وسيطاً بين الله والإنسان يشبه دور القدّيسين.

وفي هذا الاتّجاه وصف البابا يوحنا بولس الثاني، في موعظتين ألقاهما في البيرو وبوليفيا، تكريم الباتشاماما بأنّه اعتراف قديم بالعناية الإلهية، فقال في 3 فبراير 1985 إنّ الأسلاف حين كانوا يقدّمون الإتاوة للأرض «لم يكونوا يفعلون سوى الاعتراف بطيبة الله وحضوره الخيّر». وتحتفظ مناطق الأنديز بأمثلة كثيرة لهذا التوفيق، منها ثلاثاء التشايا الذي يوافق ثلاثاء الكرنفال، والكرنفال نفسه الذي اندمج في الشمال الغربي بطقوس الخصوبة وتكريم الأمّ الأرض.

وعند المابوتشي أدّى التبشير الإسباني إلى تبديل كثير من المعتقدات عبر التوفيق، ومن أشهر أمثلته المساواة بين نغينيتشين والله التي صنعها اليسوعيون، وربط أسطورة الأفعيين «تينتين فيلو» و«كايكاي فيلو» بقصّة الطوفان التوراتية، مع أنّ الرواية المابوتشية الأصلية تتحدّث عن زلزال وموج بحري عاتٍ لا عن مطر. واليوم يبارك كاهن كاثوليكي في أحيان كثيرة مذبح النغيلاتون، وتلبس صلاة الماتشي لغتين معاً، المابودونغون والإسبانية. وفي المقابل كثيراً ما دخلت جماعات إنجيلية وخمسينية إلى مجتمعات المابوتشي ونددت بالطقوس التقليدية بوصفها سحراً وخرافة.

وأظهر مسح أُجري عام 2001 في منطقتين من تشيلي على 352 شخصاً من المابوتشي أنّ الكاثوليكية هي الديانة الأوسع بينهم بنسبة 40.9 في المئة، تليها البروتستانتية الإنجيلية بنسبة 23.6 في المئة، ثمّ السبتيون بنسبة 9.7 في المئة، بينما قال 8 في المئة إنّهم يتّبعون الديانة التقليدية وحدها، و3.1 في المئة إنّهم يتّبعونها مع الكاثوليكية. ومنذ التسعينيات تشهد ديانة المابوتشي انتعاشاً وحضوراً أوضح، ويُقبل عدد أكبر من المابوتشي على الاعتراف بممارسة ديانتهم التقليدية.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo