الموازي1,560الرسمي1,54517°صحوبوينس آيرس
السبت، 26 سبتمبر
السيلكنام: صيّادو الجزيرة الكبرى في تييرا دل فويغو من الإبادة إلى استعادة الاسممؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

السيلكنام: صيّادو الجزيرة الكبرى في تييرا دل فويغو من الإبادة إلى استعادة الاسم

السيلكنام، ويُعرفون أيضاً باسم الأونا، شعب من الصيّادين الرحّل سكن الجزيرة الكبرى في أرخبيل تييرا دل فويغو المقسّمة اليوم بين الأرجنتين وتشيلي. تعرّضوا في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين لإبادة تراجع فيها عددهم من نحو 4,000 إلى بضع مئات، وسجّل تعداد 2010 في الأرجنتين 2,761 شخصاً يعرّفون أنفسهم أبناءً لهذا الشعب.

شعبٌ عاش آلاف السنين على صيد الغواناكو في أقصى جنوب القارة، ثم قُتل أكثره في بضعة عقود حين تحوّلت أرضه إلى مراعٍ للأغنام، وأعلنه كثيرون منقرضاً، وهو اليوم يستعيد اسمه ولغته.

من هم السيلكنام

السيلكنام Selk'nam شعب من الشعوب الأصلية في أمريكا الجنوبية، موطنه الأصلي الجزيرة الكبرى في أرخبيل تييرا دل فويغو، التي يسمّيها أهلها بلغتهم «كاروكينكا» Kárwkènká، في أقصى جنوب القارة، على أرض تتقاسمها اليوم الأرجنتين وتشيلي. عاشوا تقليدياً شعباً برّياً رحّالاً يقوم عيشه على الصيد وجمع الثمار، خلافاً لجيرانهم من شعوب الزوارق.

«سيلكنام» هو الاسم الذي كانوا يطلقونه على أنفسهم، أمّا اسم «الأونا» Ona فمصدره لغة جيرانهم الياغان، وهو لفظ يدلّ عندهم على الشمال؛ فقد كان الياغان الساكنون في جنوب الجزيرة يسمّون الجزيرة الكبرى «أونا سين» أي «بلاد الشمال»، ويسمّون قناة بيغل «أونا شاغا» أي «قناة الشمال». وكانت لولا كيبخا تظنّ أن «أونا» كلمة إنجليزية، لأن السيّاح الناطقين بالإنجليزية الذين قصدوها لتصويرها كانوا يستعملونها في الحديث عنها.

تنتمي لغتهم، «سيلكنام تشان»، إلى عائلة لغات التشون التي تضمّ أيضاً لغة التيويلتشي ولغة الهاوش، والأخيرة أقرب إليها. ومن مفرداتها المعروفة «كرين» للشمس، و«تشون» للرجل، و«نا» للمرأة. وقد جمع المبشّر الساليزي خوسيه ماريا بوفوار معجماً من نحو 4,000 كلمة و1,400 عبارة نُشر سنة 1915، والأرجح أنه لم يعد في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أحدٌ يتكلّمها لغةً أمّاً.

قُدّر عدد السيلكنام بين 4,000 و5,000 نسمة عند بدء الاستيطان الحديث في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وفي تعداد 2010 عرّف 2,761 شخصاً في الأرجنتين أنفسهم بأنهم من الأونا، منهم 294 في إقليم تييرا دل فويغو، وسجّل تعداد تشيلي لسنة 2017 نحو 1,144 شخصاً يعرّفون أنفسهم سيلكناماً.

أين يعيشون: الموقع على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -53.7833, -67.7. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الموطن: الجزيرة الكبرى وأماكن العيش اليوم

سكن السيلكنام شمال الجزيرة الكبرى ووسطها، بينما استقرّ أقاربهم الهاوش في جنوبها الشرقي، في شبه جزيرة ميتري. وكانوا ينقسمون إلى مجموعتين كبيرتين: قبائل السهول الشمالية التي تصطاد القوارض الحفّارة وطيور الريا، وقبائل المنطقة الجبلية في جنوب الجزيرة. وشاركهم الجزيرةَ شعبان من الرحّالة البحريين هما الكاويسكار والياغان، المختلفان عنهم لغةً وعادات وهيئة.

يعيش أبناء هذا الشعب اليوم في إقليم تييرا دل فويغو خاصة، في مدينتي ريو غراندي وأوشوايا، وفي منطقة بحيرة فانيانو قرب تولهوين حيث أُعيدت إليهم أرض جماعية. وقد أظهر مسح الشعوب الأصلية التكميلي في 2004 و2005 أن 696 شخصاً في الأرجنتين يعرّفون أنفسهم أبناءً للأونا أو متحدّرين منهم في الجيل الأول، منهم 391 في تييرا دل فويغو، و114 في مدينة بوينس آيرس وضواحيها، و191 في سائر البلاد.

أبرز التنظيمات في الجانب الأرجنتيني «جماعة رافاييلا إيشتون» Comunidad Rafaela Ishton في أوشوايا، التي اعترف لها المعهد الوطني لشؤون الشعوب الأصلية بالشخصية القانونية في 12 ديسمبر 1996. وفي تشيلي تأسّست «جماعة كوفادونغا أونا» سنة 2015، ثم «مؤسسة السيلكنام في تشيلي».

صيادون من السيلكنام يلبسون جلود الغواناكو ويشدّون أقواسهم وأمامهم كلابهم في تييرا دل فويغو، 1930.
صيادون من السيلكنام يلبسون جلود الغواناكو ويشدّون أقواسهم وأمامهم كلابهم في تييرا دل فويغو، 1930.Alberto Maria de Agostini (1883-1960) · Public domain · ويكيميديا كومنز

قبل الاستيطان: الأصل والصيد والمسكن

تقول تقاليد السيلكنام أنفسهم، وتؤيّدها الشواهد اللغوية والجيولوجية، إن أسلافهم والهاوش كانوا من التيويلتشي في جنوب باتاغونيا ثم انتقلوا إلى الجزيرة الكبرى. وهم أقرباء قريبون للأونيكينك، أي التيويلتشي الجنوبيين، يشبهونهم في الهيئة واللغة والعادات. وقد نشأوا في القسم الشمالي من الجزيرة، ودفعوا الهاوش بالقوة نحو الجنوب الشرقي منذ القرن الرابع عشر.

كان الغواناكو عماد غذائهم، يصطادونه بالقوس والسهم وبكرات الرمي، إلى جانب الطيور والقوارض الحفّارة. وكان سكّان المناطق الساحلية يكمّلون ذلك بالمحار وما تقذفه الأمواج من حيتان، وبثمار الكالافاتي والتشاورا البرّية، ويصطادون السمك بالرماح في أوقات الجزر. واستعانوا في الصيد بكلب تييرا دل فويغو، وهو صنف مستأنس من ثعلب الكولبيو، وكان الكلاب ينامون ملتصقين بأصحابهم فيمدّونهم بالدفء.

صنعوا أدواتهم من الحجر والعظم والخشب، وسلاحهم الأول القوس والسهم، واستعملوا المقلاع والحربة، وثمة دلائل على أن صيّادي المنطقة استعملوا كرات الرمي منذ نحو سنة 6000 قبل الميلاد. ومع تكاثر الاحتكاك بالأوروبيين صاروا يصنعون رؤوس السهام من الزجاج.

سكنوا نوعين من الخيام المؤقتة تُسمّى «كاوي»، أحدهما نصف دائري والآخر مخروطي، يراوح قطرها بين 3.5 و4.5 أمتار. وكانت النساء يبنينها في منخفض من الأرض أو في حفرة بعمق 25 إلى 40 سنتيمتراً، ويغرسن الأعمدة ثم يكسونها بجلود مخيطة، والنار في وسطها، والجلود المفروشة على الأعشاب حولها للنوم. وكانت النساء أيضاً يحملن الخيمة عند الترحال مع الأدوات والأطفال الذين لم يبلغوا سنّ المشي.

لبسوا عباءة من جلد الغواناكو أو الثعلب أو القوارض يسمّونها «تشونكولي»، تُلبس والوبر إلى الخارج، وتحتها لا يلبس الرجال شيئاً، بينما تستر النساء عوراتهن بقطعة جلد. وانتعلوا أخفافاً من جلد قوائم الغواناكو، وكان الصيّاد يعقد على جبينه مثلثاً من جلد الغواناكو لغاية سحرية.

مجسّم لمشارك في طقس «الهاين»، طقس الانتقال من الطفولة إلى الرشد عند السيلكنام، في معرض بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في تشيلي، 2025.
مجسّم لمشارك في طقس «الهاين»، طقس الانتقال من الطفولة إلى الرشد عند السيلكنام، في معرض بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في تشيلي، 2025.Rjcastillo · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

اللقاء الأول بالأوروبيين

شوهدت نيران السيلكنام سنة 1520 من سفن بعثة ماجلان وإلكانو التي اكتشفت المضيق، ومن تلك النيران جاء اسم «أرض النار» الذي تحمله المنطقة. أمّا أول اتصال مباشر موثّق بهم فكان على يد المستكشف الإسباني بيدرو سارمينتو دي غامبوا سنة 1580.

وفي أواخر 1599 دخل أسطول هولندي صغير بقيادة أوليفييه فان نورت مضيق ماجلان، ووقع صدام مع السيلكنام قُتل فيه نحو أربعين منهم، وكان أدمى حادثة سُجّلت في المضيق حتى ذلك الحين. ووصف جيمس كوك سنة 1769 لقاءه بسكّان يضعون قطع الزجاج في رؤوس سهامهم.

ظلّت الاتصالات متقطّعة حتى مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، حين بدأت الأرجنتين وتشيلي تمارسان سيادتهما على تييرا دل فويغو، وهو ما جعل السيلكنام من آخر شعوب أمريكا الجنوبية التي عرفت الاستيطان الأوروبي.

تمثال يمثّل رجلًا من السيلكنام بالطلاء الطقسي في بلدة تولوين بإقليم تييرا دل فويغو، 2017.
تمثال يمثّل رجلًا من السيلكنام بالطلاء الطقسي في بلدة تولوين بإقليم تييرا دل فويغو، 2017.Mdcmar · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

إبادة السيلكنام

بعد معاهدة 1881 التي قسمت تييرا دل فويغو بين تشيلي والأرجنتين، توافد على الجزيرة الباحثون عن الذهب، ومنهم خوليوس بوبر، وكبار ملّاك المزارع، والمبشّرون الساليزيون، بامتيازات أراضٍ منحتها الدولتان. ففي 1879 أُعلن عن رواسب ذهب في رمال أنهار الجزيرة، وفي 1883 بدأت تشيلي منح أولى المزارع لتربية الماشية، وفي 1887 وصل المنقّبون إلى شمال الجزيرة.

حوّلت المزارع الكبرى أرض الصيد إلى مراعٍ للأغنام، ولم يكن للسيلكنام مفهوم للملكية الخاصة، فعدّوا الأغنام طريدة، وحطّموا الأسيجة، فكان ذلك بداية مقاومتهم للاستعمار. وردّ أصحاب المزارع باستئجار «صيّادي هنود»، أغلبهم من البريطانيين، لقتل العائلات أو أسرها. وتذكر المصادر الإسبانية أن مشرفين وعمّالاً إنجليزاً واسكتلنديين وإيرلنديين وإيطاليين، منهم ماك لينان ومن لُقّب بـ«الخنزير الأحمر»، مدير مزارع خوسيه مينينديس، حدّدوا مكافأة قدرها جنيه إسترليني عن كل رجل أو امرأة يُقتل، ونصف جنيه عن أذن كل طفل. وصوّر بوبر نفسه مع «الصيد» الذي أصابه.

تراجع عدد السيلكنام إلى ما لا يزيد على 2,000 سنة 1891. وفي 1888 أُنشئت بعثة ساليزية في جزيرة داوسون، وفي 1893 أُنشئت بعثة «لا كانديلاريا» في الموضع الذي صار منذ 1921 مدينة ريو غراندي. وفي 1895 اتّفق أصحاب المزارع مع بعثة داوسون على أن يدفعوا جنيهاً إسترلينياً عن كل فرد من السكان الأصليين يُحتجز فيها، فنُقل إليها أكثر من 800 من السيلكنام، مات أكثرهم بالأمراض الوافدة، ولا سيما السلّ، وبفعل التحوّل القسري إلى حياة الإقامة.

من نحو 4,000 سنة 1880 لم يبقَ إلا قرابة 500 حوالي 1905، ثم أهلكت الأمراض معظم من نجا. وأحصى الراهب والعالم الإثنولوجي مارتين غوسيندي 279 منهم سنة 1919، وعدّ المبشّر الساليزي لورينسو ماسا 25 فقط سنة 1945. وتشير المصادر إلى أن الإبادة جرت بتواطؤ من حكومتي الأرجنتين وتشيلي، وأن شركة استثمار تييرا دل فويغو سعت إلى إخفاء ما فعلته بالسكان الأصليين عن الرأي العام، وأن الحاكم مانويل سينيوريت انحاز إلى أصحاب المزارع.

وفي الطرف الجنوبي من الجزيرة، قرب قناة بيغل، كانت العلاقة أقلّ عنفاً؛ فقد أسّس المبشّر الأنغليكاني توماس بريدجز مزرعة هاربرتون على أرض منحتها إيّاه الحكومة الأرجنتينية، وتعلّم ابنه لوكاس بريدجز لغات المنطقة وحاول أن يترك للسكان الأصليين أرضاً يعيشون فيها على طريقتهم، لكن الوفيات ظلّت مرتفعة. وكتب الصحفي جون راندولف سبيرز أن عدوانية الأونا تجاه البيض لم تكن إلا ردّاً على سوء المعاملة.

لوحة تعريفية بفيرخينيا تشوكينتيل من السيلكنام، بصورها ونصوص عن حياتها، في ريو غراندي، 2015.
لوحة تعريفية بفيرخينيا تشوكينتيل من السيلكنام، بصورها ونصوص عن حياتها، في ريو غراندي، 2015.Gonce · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

من الإعلان عن الانقراض إلى الاعتراف

غطّت المجتمعات التي نشأت بعد الإبادة في جنوب باتاغونيا ما جرى بستار من الصمت، وعدّت الشعوب الأصلية منقرضة. وحين ماتت أنخيلا لويخ سنة 1974 عدّتها عالمة الأنثروبولوجيا آن تشابمان آخر ممثّلي هذا الشعب، ثم وصفت الصحافة فيرجينيا تشوكينتيل، المتوفاة في 2 يونيو 1999، بأنها «آخر السيلكنام». وقد انتُقد هذا الخطاب لأنه ينكر وجود المتحدّرين من هذا الشعب وحاجتهم إلى الاعتراف القانوني والسياسي.

في ثمانينيات القرن العشرين كان لا يزال نحو تسعة أشخاص ممّن عرفوا حياة الترحال أحياء، منهم فرانسيسكو مينكيول وفيديريكو إيتشيلايني ولويس غاريبالدي أونتي وسيغوندو أرتياغا ورافاييلا إيشتون مارتينيس. وفي ذلك العقد تأسّست الجماعة التي حملت اسم رافاييلا إيشتون للدفاع عن حقوق السيلكنام في الأرجنتين والمطالبة بالاعتراف بهم.

في 1998 اعترف المجلس التشريعي لإقليم تييرا دل فويغو بمعاهدة وُقّعت سنة 1925 بين الرئيس مارسيلو توركواتو دي ألفيار وشعب السيلكنام، وأعاد القانون 405 إليهم 35,000 هكتار من أصل 45,000 نصّت عليها المعاهدة، وأُبقيت 10,000 هكتار لإنشاء بلدية تولهوين مستقبلاً.

وفي تشيلي، حيث عُدّ هذا الشعب منقرضاً رسمياً حتى 2020، عدّل مجلس النواب قانون الشعوب الأصلية في 27 يونيو 2020، ثم اعترف المؤتمر الوطني في 5 سبتمبر 2023 بالسيلكنام شعباً أصلياً حادي عشر، وأصدر البرلمانيون بياناً يعبّرون فيه عن أسفهم لدور الدولتين التشيلية والأرجنتينية في المجازر. ويخوض المتحدّرون من هذا الشعب اليوم عملية استعادة لثقافتهم ولغتهم، ولا يعدّون أنفسهم منقرضين.

حذاءان من جلد الغواناكو من صنع السيلكنام كانا يُلبسان في الشتاء ويُحشيان بالعشب، معروضان في متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي في نيويورك.
حذاءان من جلد الغواناكو من صنع السيلكنام كانا يُلبسان في الشتاء ويُحشيان بالعشب، معروضان في متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي في نيويورك.Daderot · CC0 · ويكيميديا كومنز

المعتقدات: تيماوكيل وكينوس والشمس والقمر

كان للسيلكنام نظام معتقدات مركّب وأسطورة للخلق. فـ«تيماوكيل» Temáukel هو الكائن الأعلى الذي يحفظ نظام العالم، أمّا خالق العالم فاسمه «كينوس». وكان للشمس «كرين» والقمر مكانة كبيرة؛ فالشمس زوج القمر، يطاردها ليعاقبها ولا يدركها. ومن شخصيات أساطيرهم «كاوخ» الذي سهر على النظام وحسن السلوك ولقّن السيلكنام شرائعهم، وهزم مع ابن أخيه تايين الروح القاسي «تايتا».

كان للشامان، ويُسمّى «خون» xo'on، دور في مساعدة الصيّادين وشفاء المرضى، بل وفي التحكّم في الطقس، ويتلقّى قدرته من أرواح الشامانات الموتى التي تظهر له في الأحلام. وكانوا يعتقدون أن الميت يُساق بعد موته إلى محاكمة سماوية، فإن أُدين أُرسل إلى العالم السفلي حيث تنتظره «خالبين»، إلهة الفوضى وسوء الفعل.

وتتألّف أساطيرهم من حكايات قصيرة محدّدة المعالم، تتكرّر فيها شخصيات بعينها، يرويها الكبار في هدوء الغابات والمروج، ويحقّ للنساء والأطفال سماع أكثرها، ما عدا الأجزاء التي يرونها غير لائقة لهم.

الهاين: طقس بلوغ الرجال

«الهاين» Hain طقس يُدخل الفتيان بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة إلى عالم الرجال، ويُسمّى المُدخَلون فيه «كلوكيتين». وكان في الوقت نفسه مناسبة لاجتماع مجموعات السيلكنام المختلفة وتبادلها، يُعقد عادة حين يتوافر الطعام، كأن يجنح حوت إلى الشاطئ. وكان يُقام في كوخ كبير في الغابة، بعيداً عن المخيّم، مؤلّف من سبعة أعمدة وأربع دعائم، متّجه دائماً نحو الشرق، والنار في وسطه لا تنطفئ طوال الطقس، ومدخله في الجهة المقابلة للمخيّم حتى لا تتلصّص النساء والأطفال.

تروي الأسطورة أن النساء في الزمن الأول حكمن الرجال بقيادة «كريه»، واخترعن طقساً سرّياً يتنكّرن فيه بالأقنعة والطلاء في صورة أرواح ترهب الرجال. ثم اكتشف «كرين»، زوج كريه، الخدعة حين رأى امرأتين تغسلان الطلاء وتضحكان، فهاجم الرجال الكوخ وقتلوا النساء إلا الصغيرات، وهربت كريه جريحة فصارت القمر، وطاردها كرين فصار الشمس. ومنذ ذلك الحين استولى الرجال على الطقس ليبسطوا به سلطانهم.

يُعزل الفتيان عن أسرهم، ويُطلون كلّهم بالطين الأحمر، ثم يُقادون إلى الكوخ بين الأغاني والصيحات. وهناك تخرج «الأرواح» من جهة النار، فيصارع كل فتى روحاً حتى يُؤمر بنزع قناعه فيجد رجلاً من لحم ودم يضحك قائلاً إن هكذا يلعب الرجال. وفي الأيام التالية يتعلّمون واجبات الرجل البالغ والصيد والرمي، ويخضعون لاختبارات في الشجاعة وتحمّل الألم ومقاومة الإغراء، ويُروى لهم أصل الهاين، ثم يُقسمون ألا يكشفوا سرّه للنساء تحت طائلة الموت.

أبرز أرواح الهاين «خالبين»، وتمثّلها صفّ من الجلود على أرض الكوخ، و«الشورت» السبعة الذين يؤدّي الرجال أدوارهم بأجساد مطلية بأنماط مميّزة من الأحمر والأبيض والأسود وأقنعة من صنعهم، فيرقصون ويمثّلون المشاهد ويخيفون النساء. وقد يطول الهاين من أسبوع إلى أشهر، بل إلى سنة. وأُقيم آخر هاين في إحدى البعثات في مطلع القرن العشرين، أقصر وأصغر ممّا كان عليه من قبل، وصوّره المبشّر مارتين غوسيندي، وتُظهر صوره أزياء الأرواح التي صنعها السيلكنام ولبسوها. وقد وثّق غوسيندي سنة 1924 هايناً شاركت فيه أنخيلا لويخ.

المجتمع والعادات والأناشيد

قام مجتمع السيلكنام على الأسرة، يضاف إليها الأقارب الذين يسكنون الأرض نفسها، في وحدة تُسمّى «هاروين» haruwen. وكانت هذه الوحدات عشائر أبوية من ثلاثة أو أربعة أجيال، تضمّ بين 40 و120 فرداً، لكل منها أرض صيد محدّدة يحترم الجيران حدودها، ولا تُشارَك إلا في مناسبات كالهاين أو الزواج أو شحّ الطعام. وكان الرجل يتزوّج من عشيرة أخرى، والغالب الزواج الواحد، مع انتشار الزواج من أختين، والعمل بزواج الرجل من أرملة أخيه.

وكان الرجل إذا أراد امرأة للزواج صنع قوساً وقدّمه لها صامتاً أمام كبار أسرتها. وعند الموت تشعل الأسرة ناراً كبيرة وتغنّي وترقص، ثم يُلفّ الميت بعباءة من جلد الغواناكو ويُدفن سريعاً، وأحياناً في تجويف شجرة أو بين جذورها بحيث لا يُرى، وتُحرق أمتعته ويُهجر المكان. وكانوا يطلون أجسادهم ووجوههم بالأحمر والأسود والأبيض في الطقوس والأعراس والجنائز، ويرون في الطلاء وقاية من البرد وتعبيراً عن الحال النفسية، ويتواصلون بإشارات الدخان إذا وجدوا حوتاً جانحاً أو داهمهم خطر.

بقي من غناء السيلكنام ما سجّلته آن تشابمان على شريط من صوت لولا كيبخا ابتداءً من 1964، ونُشر في أسطوانتين أصدرهما متحف الإنسان في باريس بعنوان «أناشيد السيلكنام من تييرا دل فويغو، الأرجنتين»، ثم أُعيد إصدارها بالإسبانية سنة 2018.

أعلام من السيلكنام

لولا كيبخا Lola Kiepja (نحو 1874 – 9 أكتوبر 1966): شامانة، عُرفت بـ«آخر الأونا» لأنها آخر من نشأ في الحياة التقليدية وعرف طقوسها ولغتها معرفة مباشرة. كان جدّها لأمّها ألاكين شاماناً ومؤرّخاً لأساطير قومه، وقضت حياتها البالغة في محمية قرب بحيرة فانيانو. نُقلت رغماً عنها إلى مستشفى ريو غراندي في شتاء 1966 وماتت بعد ثلاثة أيام، ودُفنت في مقبرة المدينة.

أنخيلا لويخ Ángela Loij (نحو 1900 – 28 مايو 1974): وُلدت في مزرعة سارا شمال ريو غراندي، وتزوّجت نيلسون كانكوت من الهاوش، ومات أبناؤها الثلاثة بالسلّ سنة 1938. شاركت في هاين سنة 1924، ودوّنت تشابمان شهاداتها، وتحمل اسمها منذ 2 سبتمبر 1987 مدرسة في ريو غراندي. وانتُخبت حفيدة أخيها أماليا غوديينيو سنة 1995 نائبة في مجلس النواب الأرجنتيني، فكانت أول نائبة من الشعوب الأصلية فيه.

فيرجينيا تشوكينتيل (توفيت في 2 يونيو 1999): آخر من وُلد لأب وأم من السيلكنام، نشأت في بعثة ساليزية بعيداً عن عادات قومها، ويحمل اسمها متحف التاريخ في ريو غراندي. ومن الأعلام أيضاً إنريكيتا غاستيلوميندي (1913–2004)، النحّاتة المولودة لأم من السيلكنام وأب باسكي، التي نالت جوائز عن أعمال تصوّر الحياة في تييرا دل فويغو.

بطاقة الشعب

  • الاسم الذاتي: سيلكنام (اسم «الأونا» مأخوذ من لغة الياغان)
  • اللغة: لغة السيلكنام «سيلكنام تشان» من عائلة لغات التشون؛ لم يبقَ من يتكلّمها لغةً أمّاً
  • العدد: 2,761 نسمة في الأرجنتين (تعداد 2010)، منهم 294 في تييرا دل فويغو؛ و1,144 في تشيلي (تعداد 2017)
  • المقاطعات: تييرا دل فويغو
  • أهمّ المدن والبلدات: ريو غراندي، أوشوايا، تولهوين، ومنطقة بوينس آيرس الكبرى
  • الدين والمعتقد: المعتقد التقليدي بالكائن الأعلى تيماوكيل والخالق كينوس، وطقس الهاين؛ بعثات ساليزية كاثوليكية منذ 1888
  • تنظيمات وجماعات: جماعة رافاييلا إيشتون للسكان الأصليين (أوشوايا)

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo