الكوم (التوبا): فرسان تشاكو الذين حملوا ذاكرة مذبحة نابالبي
الكوم، المعروفون أيضًا بالتوبا، شعب من مجموعة الغوايكورو في منطقة تشاكو، عرّف نحو 127 ألف شخص أنفسهم بالانتماء إليه في تعداد 2010. قاوموا الإسبان فرسانًا ثم واجهوا حملات الدولة الأرجنتينية، وقُتل منهم ومن الموكوفي المئات في مذبحة نابالبي عام 1924. يعيشون اليوم في تشاكو وفورموسا وسانتا في وبوينس آيرس، ولغتهم رسمية في مقاطعة تشاكو.
من الغابات الحارّة بين نهري بيرميخو وبيلكومايو إلى أحياء روساريو وبوينس آيرس، يعدّ الكوم من أكبر الشعوب الأصلية في الأرجنتين وأكثرها حضورًا في تاريخ المقاومة والذاكرة.
من هم الكوم
الكوم Qom، المعروفون تاريخيًا باسم التوبا Toba، شعب أصلي من منطقة تشاكو الوسطى في أمريكا الجنوبية، ويُعدّ من أهم شعوب مجموعة الغوايكورو، وهو اسم ذو نبرة مهينة أطلقه الغواراني على أبرز خصومهم في منطقة تشاكو الكبرى. وتعني كلمة «كوم» في لغتهم «الإنسان» أو «الناس»، ويسمّي المتحدثون بها شعبهم «نوم كوم» أي «أهلنا»، ويطلقون على غير السكان الأصليين اسم «روكشي».
أمّا اسم «توبا» فأصله الكلمة الغوارانية «توفا» ومعناها «عريض الجبهة»، ويُرجَّح أنه يعود إلى عادة قديمة مهجورة تتمثّل في حلق مقدّمة شعر الرأس، في حين رأى اللغوي كليمنتي بالموري أنه يشير إلى عادة نتف الحاجبين. وكان للاسم في البداية طابع تحقيري، ثم صار الكوم أنفسهم يستعملونه، وهو الاسم المعتمد في الإحصاءات الرسمية في الأرجنتين والباراغواي. وعاد اسم «كوم» إلى الواجهة في مطلع القرن العشرين، في مرحلة صراع اجتماعي مع السلطات الأرجنتينية، وسيلةً للتمييز بين السكان الأصليين وغيرهم.
لغتهم هي الكوم لاكتاك qom l'aqtac، وتُدرج ضمن اللغات الغوايكورية التي يرى كثير من الباحثين أنها تشكّل مع لغات الماتاكو عائلة لغوية واحدة هي عائلة الماتاكو-غوايكورو. ويبلغ عدد المتحدثين بها في الأرجنتين نحو 60 ألف شخص، يقيم أغلبهم في شرق مقاطعتي فورموسا وتشاكو. وفي عام 2010 أعلنت مقاطعة تشاكو لغة الكوم لغة رسمية فيها إلى جانب الإسبانية ولغتي الموكويت والويتشي، وفي عام 2015 أعلنت السلطة القضائية في فورموسا أنها ستنشر قانون العنف الأسري في المقاطعة بلغتي الكوم والغواراني.
وقد كشف التعداد الوطني للسكان في الأرجنتين عام 2010 عن 126,967 شخصًا عرّفوا أنفسهم بأنهم من التوبا، ما يجعلهم من أكبر الجماعات الأصلية في البلاد. وكانت المسوحات التكميلية للشعوب الأصلية في 2004–2005 قد أحصت 69,452 شخصًا ينتمون إليهم أو يتحدّرون منهم في الجيل الأول.
أين يعيشون: الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -26.0333, -59.9167. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
أين يعيش الكوم اليوم
في القرن السادس عشر كان الكوم يسكنون جزءًا كبيرًا من شمال الأرجنتين الحالية، في مقاطعات سالتا وتشاكو وسانتياغو ديل إستيرو وفورموسا، وفي مقاطعة تشاكو الكبرى جنوب شرقي إقليم تاريخا في بوليفيا. وفي عام 2006 كانت تجمّعاتهم الرئيسية تتوزّع بين غرب مقاطعة فورموسا ووسط مقاطعة تشاكو وشرقها وشمال مقاطعة سانتا في. وفي غرب فورموسا اختلطوا بشعب البيلاغا حتى صاروا يُعرفون هناك باسم «التوبا-بيلاغا».
دفع الفقر وإزالة الغابات وانتشار زراعة الصويا كثيرًا منهم، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، إلى الهجرة نحو المدن، فاستقرّوا في ضواحي ريسيستينسيا وروكي ساينس بينيا وتشاراتا وفورموسا وتارتاغال وسان رامون دي لا نويبا أوران، وفي سانتا في الكبرى وروساريو الكبرى، حيث يتجمّعون خاصة في «حيّ التوبا»، وفي بوينس آيرس الكبرى ومنطقة لا بلاتا. ويعيش أغلبهم في هذه المدن في أفقر الأحياء اقتصاديًا.
وبحسب تعداد 2010 كان 35,544 منهم يقيمون في بوينس آيرس الكبرى، و30,766 في مقاطعة تشاكو، و14,089 في سانتا في، و13,475 في داخل مقاطعة بوينس آيرس، و12,246 في فورموسا، و4,117 في قرطبة، و3,845 في مدينة بوينس آيرس، و3,427 في سالتا، مع أعداد أقل في سائر المقاطعات حتى تييرا دل فويغو وسانتا كروس.
ومنذ عام 1995 اعترف المعهد الوطني لشؤون السكان الأصليين بالشخصية القانونية لعشرات من جماعات الكوم: في مقاطعة بوينس آيرس جماعات في مورون وماركوس باس وتيغري وألميرانتي براون وكيلمس ولا بلاتا وبيراساتيغي وسان نيكولاس؛ وفي تشاكو جماعات في ماكايه وباسايل ومارغريتا بيلين وفي محيط خوان خوسيه كاستيلي وريو بيرميخيتو؛ وفي سانتا في جماعات في فلورنسيا وروساريو ورافاييلا؛ وفي فورموسا جماعات في إل كولورادو ولايشي؛ وفي سالتا جماعات في تارتاغال وإمباركاسيون وخنرال موسكوني وسانتا بيكتوريا إستي. أمّا الذين بقوا في أراضي أجدادهم فيعيشون في جماعات ريفية تديرها لجان أهلية أو جمعيات مجتمعية أو زعماء يُعرفون بـ«الكاسيك».
وخارج الأرجنتين أحصى تعداد الشعوب الأصلية في الباراغواي عام 2012 نحو 1,939 شخصًا من الكوم، معظمهم في إقليم بريسيدنتي آيس، بينما لم يعرّف أنفسهم بأنهم من التوبا في تعداد بوليفيا للعام نفسه سوى 86 شخصًا.

الفرسان في وجه الإسبان
عند وصول الإسبان كان الكوم يعيشون أساسًا في منطقة تشاكو الواقعة اليوم في سالتا وتاريخا، ويمتدّون على طول نهر بيرميخو، وبدرجة أقل نهر بيلكومايو. ثم دفعهم النمو السكاني الكبير لشعب الويتشي إلى التحرّك شرقًا نحو الأراضي التي يسكن أغلبهم فيها اليوم. وكانوا، كسائر الغوايكورو، ينتظمون في عصابات تضمّ كل منها عدة أسر، وأبرز مجموعاتهم: «الشيولك» سكان الشمال، و«الدابيغيملك» سكان الغرب، و«اللانياغاشيك» سكان الأرض الصلبة في الجنوب الشرقي، و«التاكشيك» سكان الشرق، و«الكولاخالك» سكان الجنوب. وكانوا يعدّون الموكوفي حلفاء لهم.
مثّل الوجود الإسباني ثورة في حياتهم: فقد واجهوا عدوًّا جديدًا قويًا، لكنهم أخذوا عنه الحصان. ففي القرن السابع عشر بدأ الكوم يستعملون الخيل، وسرعان ما صاروا قوة فروسية كبرى في وسط تشاكو الكبرى وجنوبها، المعروفة بتشاكو غوالامبا. وأصبحوا فرسانًا مهرة رغم أن أرضهم كانت مغطاة في معظمها بالغابات، فكانوا يضعون على رؤوسهم قطعة من الجلد مثبّتة بإحكام تقيهم أشواك الأشجار وهجمات الأسود الأمريكية والنمور المرقّطة التي قد تنقضّ عليهم من الأغصان.
وبفضل الحصان وسّعوا نطاق غاراتهم وصاروا الشعب المهيمن في تشاكو الوسطى، ووصلت غاراتهم الخاطفة إلى شمال غرب منطقة البامبا، وكانوا يصطادون من على ظهور الخيل بالقوس والسهم الحيوانات المحلية والماشية الأوروبية معًا. وفي القرن التاسع عشر، وهم أعداء لدولة الباراغواي، كانوا مع جيرانهم من الغوايكورو يعبرون نهر الباراغواي على خيولهم في الليالي المقمرة لشنّ الغارات.
وفي عام 1756 أسّس اليسوعيون قرب حصن ليديسما في خوخوي «ريدوكسيون» (قرية إرسالية) للتوبا باسم سان إغناسيو دي ليديسما، وكان يعيش فيها 600 من الكوم حين طُرد اليسوعيون عام 1768. غير أن الكوم ظلّوا من أشدّ الشعوب مقاومة لمحاولات التذويب الثقافي والاستيلاء على الأرض في منطقة تشاكو، وتذكر المصادر من زعمائهم المشهورين الزعيم تايوليكي، وكانوا يستعملون الأسلحة النارية ويحدّثون بنادقهم للدفاع عن أرضهم، حتى إنهم هدّدوا مدينة سانتا في عام 1858.
وفي بوليفيا شارك التوبا في انتفاضات شعب التشيريغوانو في أعوام 1849 و1864 و1874، وفي 27 أبريل 1882 نصب فريق منهم كمينًا قُتل فيه الطبيب والمستكشف الفرنسي جول كريفو أثناء رحلته على ضفاف نهر بيلكومايو. وفي عام 1912 ارتكبت قوات الكولونيل بونسي مذبحة بحق التوبا في بلدة سان فرانسيسكو، فلجأ الناجون إلى الأرجنتين.

حملة تشاكو والإرساليات وضياع الأرض
ظلّت شعوب تشاكو الكبرى مستقلة عمومًا حتى أواخر القرن التاسع عشر. وبعد عام 1880 لم يعد الكوم قادرين على مواجهة حملات الجيش الأرجنتيني التي حاصرتهم في «تشاكو المنيعة»، وهي منطقة غابات كثيفة يصعب اجتيازها والعيش فيها لقلّة الماء. وبدأت الحملة الكبرى على أراضيهم عام 1884، وتُعرف بفتح تشاكو الكبرى، وكان الجنرال بيكتوريكا من أبرز قادتها. وأدّى إخضاع الأرض وسكانها إلى تناقص أعدادهم تناقصًا كبيرًا، وحُصر الكوم في أفقر المناطق، فصار البقاء أصعب مع تقلّص أراضيهم.
وفي عام 1901 اتفقت حكومة خوليو أرخنتينو روكا مع الرهبنة الفرنسيسكانية في دير سان كارلوس بوروميو في سان لورينسو بمقاطعة سانتا في على تأسيس قريتين إرساليتين في إقليم فورموسا الوطني: الأولى إرسالية سان فرانسيسكو سولانو دي تاكاغليه، أسّسها الراهب تيرينسيو ماركوتشي في 21 مارس 1901 مع 150 من التوبا والبيلاغا جاء أغلبهم من تشاكو الشمالية في الباراغواي، على أرض مساحتها 20,000 هكتار قرب نهر بيلكومايو؛ والثانية سان فرانسيسكو دي لايشي، أُسّست مع التوبا في 25 مارس 1901 في جنوب شرق فورموسا على يد الأبوين سيرافين إيتورالدي وغيو، على أرض مساحتها 74,000 هكتار كان فيها مصنع للسكر عمل حتى عام 1946. ولمّا صارت فورموسا مقاطعة عام 1955 انتقلت الإرساليتان إلى الإدارة المدنية فنشأت منهما بلدتا ميسيون تاكاغليه وسان فرانسيسكو دي لايشي.
وأُجبر كثير من الكوم على العمل في مزارع القطن أو حطّابين في مناشر الخشب، وعمّالًا موسميين في الأعمال الريفية. وحين استغنت عنهم الزراعة في النصف الثاني من القرن العشرين وقع طرد جماعي لهم من المنطقة.
وفي عام 1954 اعترفت الحكومة الوطنية بالمذبحة التي ارتُكبت في عهد ألبيار، وبحقوق الشعوب الأصلية في أراضيها، ومُنحت الشعوب الأصلية أكثر من 300,000 هكتار في فورموسا ملكيةً جماعية، بقرار من حاكم الإقليم أرتورو إيغليسياس بايس والرئيس خوان دومينغو بيرون. لكن بعد الانقلاب الذي أطاح ببيرون عام 1955 وسمّى نفسه «الثورة المحرِّرة» أُلغي هذا المنح وبيعت الأراضي في المزاد، وانتهى بعضها في أيدي مقرّبين من الحاكم العسكري كارلوس غارسيا كويرباس.

مذبحة نابالبي، 19 يوليو 1924
كانت «ريدوكسيون نابالبي» للسكان الأصليين، واسمها بلغة الكوم يعني «مكان الموتى»، واسمها الرسمي اليوم «المستعمرة الأصلية تشاكو»، تقع على بُعد 120 كيلومترًا من ريسيستينسيا، ويُجمَع فيها أساسًا الكوم والموكوفي مع بعض الكريولّيين. وكان سكانها يُستخدمون أيدي عاملة زراعية، ولا سيما في إنتاج القطن، في ظروف وصفتها الوثائق والشهادات اللاحقة بأنها قسرية إلى أقصى حد. وكانت الأراضي المنتزعة من السكان الأصليين بعد حملة تشاكو قد بيعت لمستوطنين أوروبيين، ولا سيما الإيطاليين والفرنسيين، فخصّصوها للقطن.
في عام 1924 عيّن الرئيس مارسيلو توركواتو دي ألبيار الإقطاعي القطني والسياسي الراديكالي فرناندو سينتينو حاكمًا لإقليم تشاكو الوطني، وكان من أولى قراراته إلزام سكان الريدوكسيون بتسليم 15% من محصولهم من القطن. فأثار هذا الاقتطاع استياءً واسعًا، وفي يوليو 1924 أعلنت جماعات الكوم والموكوفي الإضراب، وشكت سوء المعاملة واستغلال الملّاك، وعزمت على الرحيل إلى مصانع السكر في سالتا وخوخوي، فمنعها الحاكم من مغادرة تشاكو، ثم أمر بالقمع حين أصرّت.
في الساعات الأولى من صباح 19 يوليو 1924 طوّقت قوة من نحو مئة وثلاثين رجلًا، من الشرطة الوطنية للأقاليم والملّاك والمدنيين الكريولّيين، مدجّجين ببنادق وينشستر وماوزر، المخيّم الذي تجمّع فيه المضربون في منطقة «إل أغوارا»، وهي بقعة يعدّها الكوم مقدّسة داخل حدود المستعمرة، وكانوا يرقصون في احتفال ديني نظّمه الشامانات وليس بأيديهم سوى العِصيّ، مقتنعين بأن آلهتهم ستحميهم من رصاص البيض. واستمرّ إطلاق النار على المخيّم أربعين دقيقة، ثم دخله المهاجمون ليُجهزوا بالمناجل على من بقي، وكثير منهم يحتضرون، ومنهم نساء وأطفال؛ فذُبح الجرحى وشُنق بعضهم.
تقدّر المصادر الإسبانية عدد القتلى بما بين مئتين وسبعمئة شخص من شعبي الكوم والموكوفي. وكتب الصحفي ماريو بيدال في كتابه «نابالبي، الجرح المفتوح» (1998) أن نحو مئتين من الرجال والنساء والأطفال قُتلوا، ومعهم بعض الفلاحين البيض الذين انضمّوا إلى الإضراب. وفي 29 أغسطس، بعد أربعين يومًا من المذبحة، كتب المدير السابق للريدوكسيون إنريكي لينش أريبالساغا رسالة قُرئت في الكونغرس الوطني. وفي سبتمبر 1924 ناقش مجلس النواب القضية شهرًا كاملًا، وعرض النائب الاشتراكي فرانسيسكو بيريس ليروس برطمانًا فيه أذنا الزعيم مايدانا وخصيتاه. وتؤكد المؤرخة ميرسيديس سيلبا في كتابها «ذكريات تشاكو الكبرى» أن الموكوفي بيدرو مايدانا، أحد قادة الإضراب، قُتل بوحشية وقُطعت أعضاؤه لتُعرض غنيمةً.
بقيت المذبحة وأماكنها حيّة في الذاكرة الشفوية للكوم. وفي عام 2004 قرّر معهد السكان الأصليين في تشاكو، بحضور ست وأربعين جماعة من الكوم والموكويت والويتشي، رفع دعوى تعويض على الدولة. وفي 25 نوفمبر 2019 اعترفت القاضية زونيلدا نيريمبيرغر بوقوع المذبحة لكنها رفضت التعويض بحجة التقادم، ثم ألغت محكمة الاستئناف في ريسيستينسيا الحكم في 14 سبتمبر 2020 وقضت بتعويض قدره 375 مليون بيسو، غير أن المحكمة العليا رفضت الدعوى في 2 نوفمبر 2023 لعدم ثبوت صفة الجمعية المدّعية في تمثيل شعب التوبا. وفي موازاة ذلك انتهت «محاكمة الحقيقة» في 19 مايو 2022 بحكم حمّل الدولة مسؤولية جرائم القتل المشدّد والاستعباد، وأمر بإدراج وقائع نابالبي في المناهج الدراسية الوطنية ومواصلة عمل الفريق الأرجنتيني للأنثروبولوجيا الجنائية في المنطقة. وقد اعتذر حاكم تشاكو خورخي كابيتانيتش رسميًا في يناير 2008، ثم اعتذرت الحكومة الوطنية عام 2022، وشُيّد «موقع ذاكرة نابالبي التاريخي» عام 2021.

النضال المعاصر على الأرض والحقوق
منذ عام 2008 انضمّ كثير من السكان الأصليين إلى الحركة الوطنية للفلاحين والسكان الأصليين للدفاع عن حقهم القانوني في الأرض. وفي عام 2010 دفع حاكم فورموسا خيلدو إنسفران نحو بناء معهد جامعي قرب الغابة الوطنية في بيلكومايو، على أرض تقول جماعة لا بريمافيرا La Primavera من الكوم إنها تملك سندها، فقطع الزعيم فيليكس دياس ورفاقه الطريق الوطني 86 احتجاجًا، مستندين إلى الدستور الأرجنتيني وإعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية.
في 23 نوفمبر 2010 استُدعيت الشرطة لفضّ الاحتجاج بالقوة، فأحرقت الملاجئ المؤقتة على جانب الطريق واندلع العنف، واعتُقل نحو ثلاثين شخصًا بينهم أطفال، وقُتل رجل من الكوم يُدعى روبيرتو لوبيس وشرطي. ووُجّهت إلى دياس و23 من أبناء جماعته تهم الاحتلال غير المشروع للأرض، ثم أُسقطت عام 2012 لعدم كفاية الأدلة. وفي عام 2012 صدمت دياس سيارة رباعية الدفع وهو على دراجته النارية، وقال إنها محاولة لاغتياله. واستقبله البابا فرنسيس، وطلبت لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان من السلطات الأرجنتينية ضمان سلامته وسلامة أسرته.
في أواخر فبراير 2015 أقامت جماعات الكوم والبيلاغا والويتشي والنيفاكليه، المنضوية في منظمة «كوبيويني»، مخيّمًا عند تقاطع جادّة 9 يوليو وجادّة مايو في قلب بوينس آيرس، ونال المخيّم اهتمامًا دوليًا وطالبت منظمة العفو الدولية بحماية المعتصمين. وفي يوليو 2016 أُنشئ «المجلس الاستشاري والتشاركي للشعوب الأصلية»، واختير فيليكس دياس رئيسًا له والزعيمة ريلمو نيامكو أمينةً عامة.
ولا تزال أحوال أغلب الكوم الاقتصادية هشّة. ففي عهد حاكم تشاكو روي نيكيش وُصف وضعهم بأنه «كارثة إنسانية حقيقية» بعد وفاة العشرات منهم بسبب سوء التغذية، وفي عام 2015 أثارت وفاة الطفل نيستور فيمينيا، ذي السبع سنوات، اهتمامًا وطنيًا، إذ توفي بمضاعفات سوء التغذية والسل. وفي المقابل بُني مستشفيان جديدان في جماعات الكوم في فورموسا هما مستشفى لاغونا بلانكا ومستشفى إل إسبينيشو، وأُقيم مركز «نام كوم» للرعاية الصحية الأولية على الطريق الوطني 11 في مدينة فورموسا، ومُنحت الجماعة 1,000 هكتار بُنيت عليها مساكن مزوّدة بمياه الشرب ومدارس ثنائية اللغة.
ويكفل القانون الوطني رقم 23302 لعام 1985 التعليم ثنائي اللغة بلغات السكان الأصليين، ونُظّم التعليم بلغة الكوم في تشاكو منذ 1987 وفي بوينس آيرس منذ 2007، لكن 29% فقط من أطفال التوبا في تشاكو و1% في بوينس آيرس يلتحقون بهذا النوع من المدارس. وتراجعت الأمية بينهم من 6% في تعداد 2001 إلى 3.7% في تعداد 2010.

المعتقدات والدين
صنّف الأنثروبولوجيون معتقدات الكوم التقليدية ضمن الإحيائية والشامانية: فهم يقدّسون كائنات الطبيعة ويؤمنون بإله أعلى، وقد حفظوا هذا النظام الديني عبر رواية شفوية صامدة. وكانوا يبنون أكواخًا للصلاة تُسمّى «تامناغايكي» يجتمع فيها أفراد الجماعة جميعًا للصلاة معًا.
ولا يزال قسم كبير منهم حتى اليوم يلجأ إلى الشامانات المعروفين باسم «بيوخوناك»، وهم معالجون يُولي طبّهم التقليدي أهمية خاصة للحيوانات، ولا سيما دهونها؛ إذ تُظهر الدراسات أن شامانات الكوم يعرفون نحو مئتي استعمال طبي لنحو خمسة وسبعين نوعًا من الحيوانات، منها الطيور والحشرات والزواحف والرخويات، بل أدخلوا في طبّهم أنواعًا غير محلية كالخيل والنحل. ويرتبط هذا التبجيل بمعتقدهم القديم بأن الحيوانات كانت آلهة وخالقة الأرض الأولى. ولا يقتصر دور الشامان على الروحانيات والعلاج، بل كان قائدًا سياسيًا ومستشارًا لزعيم العصابة.
في العهد الاستعماري رأى المبشّرون اليسوعيون والفرنسيسكان في معتقدات الكوم إيحاءً شيطانيًا، وعدّوا الشامانات عائقًا أمام التبشير. أمّا اليوم فقد اعتنق أغلب الكوم المسيحية على طريقتهم، ولا سيما الكنائس الخمسينية والأنغليكانية، إذ تحوّل كثير من الشامانات أنفسهم إلى قساوسة بروتستانت. ولا يخلو الأمر من توتّر بين الأنغليكان والمتمسّكين بالممارسات التقليدية، إذ ينظر بعض الأنغليكان بازدراء إلى الديانة القديمة.

المجتمع والعادات
حتى القرن التاسع عشر كان الكوم شعبًا شبه مترحّل يعيش على الصيد وجمع الثمار، مع تقسيم صارم للعمل: الرجال يصطادون الحيوانات والأسماك منذ الصغر، والنساء يجمعن الثمار ويزرعن حدائق صغيرة تأثّرت بإسهامات الشعوب الأنديزية والأمازونية، فيزرعن القرع «ناتشيتيك» والذرة «أولتانيي» والفاصولياء «أفاغا» والبطاطا الحلوة والمنيهوت. وكانوا يصطادون التابير والخنازير البرية والأيائل والغوانكو وأنواعًا كثيرة من الطيور، ويجمعون العسل والثمار البرية والجذور. وكان شهرا أغسطس وسبتمبر «موسم الجوع والصمت»، تجمع فيه النساء أطعمة الطوارئ كالتين الشوكي والدرنات والقصب.
ورغم التقسيم الصارم للعمل كان الرجال والنساء متساوين في المكانة الاجتماعية والسياسية، ولم يكن هناك دور بلا نظير للجنس الآخر سوى دور المحارب. وبعد الغارات كانت النساء يقسمن الغنائم ويجدن أسرًا تربّي الأطفال الأسرى، وفي احتفالات النصر كنّ يبقين صاحيات لا يشربن الخمر كي يمنعن الشجار ويتوسّطن فيه. واليوم تتغيّر هذه الأدوار: فالنساء في الريف يرعين الأغنام والماعز وينسجن الأقمشة والحقائب، ومع ظهور الوظائف الحكومية صار الرجل مصدر الدخل الأول، ما أدخل تراتبية اجتماعية لم تكن معروفة من قبل.
كانوا يسكنون أكواخًا من جذوع الأشجار المغطاة بالقش يبلغ قطرها نحو مترين، ويصنعون الفخار والسلال والمنسوجات لأغراض عملية. وفي الأشهر الحارة لم يكونوا يلبسون تقريبًا سوى مآزر بسيطة، وفي الأيام الباردة يلبسون ثوبًا يُسمّى «بوتو» من ألياف نبات الكاراغواتا والجلد، ثم القطن بعد مجيء الإسبان، إضافة إلى البونشو. وكان الرجال البالغون يزيّنون رؤوسهم بـ«الأوباغا»، وهو غطاء من الريش والحبال، ويتحلّى الجنسان بأساور «الأونغواغاتشيك» المصنوعة من أسنان الحيوانات ومخالبها والبذور والريش والأصداف، وبقلائد «الكولاك»، وبزينة احتفالية ملوّنة تُسمّى «الناياغاتشيك» من الريش والزهور والأوراق.
ويستعمل الكوم ثلاثة أعلام: علم بخطوط عمودية صفراء وخضراء وحمراء متكرّرة، يرمز الأصفر فيه إلى أزهار الربيع، والأخضر إلى أشجار الصيف، والأحمر الصدئ إلى ثمار الخريف الناضجة، والتكرار إلى دورة الفصول واستمرار حياة الكوم؛ وعلم ثانٍ بالرموز نفسها تضاف إليه خطوط أفقية زرقاء ترمز إلى الماء؛ والثالث هو «الويبالا» المشترك بين شعوب أصلية كثيرة في أمريكا الجنوبية، وقد انتشر استعماله في احتجاجات الأرض المشتركة.
وفي السنوات الأخيرة يعمل فريق من كلية الزراعة في جامعة بوينس آيرس مع جماعة لا بريمافيرا على إعادة زراعة نحو ستين سلالة محلية من الذرة، بإدارة الباحث خوليان إرنانديس الذي درس هذه السلالات خمسة وثلاثين عامًا، بهدف تحسين الغذاء والدخل في المنطقة.
الموسيقى والرقص والحضور في الثقافة
ارتبط الرقص عند الكوم بالحرب والاحتفال: فقبل الغارات كان المحاربون يؤدّون «رقصة الشجاعة» التي لا يُسمح للنساء بالمشاركة فيها كي يبقى المحاربون مركّزين، وبعد النصر يحتفل الجميع بـ«رقصة فروات الرؤوس» مع المشروبات المخمّرة. وكان الاحتفال الديني الذي نظّمه الشامانات في إل أغوارا يوم مذبحة نابالبي رقصًا جماعيًا اعتقد المشاركون فيه أن آلهتهم ستحميهم.
واستلهم كثير من الكتّاب والملحّنين الأرجنتينيين الكوم في أعمالهم، وأشهر ذلك أغنية «المالك القديم للسهام» المعروفة بمطلعها «إنديو توبا» Indio toba، من كلمات المؤرخ والشاعر فيليكس لونا وألحان عازف البيانو أرييل راميريس من سانتا في، وقد سُجّلت عام 1974 واشتهرت بصوت المغنية ميرسيديس سوسا. وأعاد الزعيم فيليكس دياس غناءها مع الموسيقي غوستابو كورديرا في مخيّم الاحتجاج.
ويقدّم الثنائي تونوليك Tonolec أغاني بلغة الكوم يمزجها بالإيقاعات الإلكترونية، ومغنيته تشارو بوغارين من أبرز وجوه الكوم في عالم الفن. وفي كرنفال أورورو في بوليفيا تُؤدّى رقصة شعبية تُسمّى «التوبا»، وهي تمثيل متخيَّل لثقافة هذا الشعب من منظور الأيمارا، أُعلنت تراثًا ثقافيًا غير مادي لبوليفيا عام 2014.
وفي عام 2008 أخرج خورخي لويس نونييس وغوستابو خيورجيتي فيلمًا وثائقيًا قصيرًا بعنوان «الأراضي الموعودة: رحلة التوبا»، يركّز على جماعة «19 أبريل» من الكوم في حيّ دوك سود في بوينس آيرس، أحد أكثر المواقع تلوّثًا في المدينة، ويروي فيه زعيمها روبين سارمينتو معاناة جماعته مع الفقر والتمييز وسوء التغذية والسل وداء شاغاس.
أعلام من الكوم وتاريخهم
تايوليكي: من أشهر زعماء الكوم في مقاومة التدخّل الأوروبي في تشاكو، واشتهر قومه باستعمال الأسلحة النارية وتحديثها دفاعًا عن أرضهم. وبيدرو مايدانا: زعيم من الموكوفي وأحد قادة إضراب نابالبي، قُتل في المذبحة ومُثّل بجثته.
ميليتونا إنريكي وروسا غريشو: من الناجين من مذبحة نابالبي؛ كرّمت حكومة تشاكو الأولى عام 2008 يوم بلغت 107 أعوام، وتوفيت في 13 نوفمبر 2008، أمّا روسا غريشو المولودة في 22 فبراير 1908 فقد نجت طفلةً مع أمها ورأت أباها يُقتل، وتوفيت في 4 أبريل 2023 آخرَ الناجين المعروفين. وخوان تشيكو: مؤرخ من الكوم وُلد في نابالبي، تتبّع آثار المذبحة سنوات وأسّس «مؤسسة نابالبي».
فيليكس دياس: زعيم جماعة لا بريمافيرا في فورموسا، قاد قطع الطريق الوطني 86 عام 2010 ومخيّم بوينس آيرس عام 2015، وتولّى رئاسة المجلس الاستشاري والتشاركي للشعوب الأصلية عام 2016. وإستيبان مورينو: زعيم من التوبا نقل رواية المذبحة كما تناقلتها الأجيال. وتشارو بوغارين: مغنية ثنائي تونوليك.
بطاقة الشعب
- الاسم الذاتي: كوم «الناس» (Qom)، ونوم كوم «أهلنا»
- اللغة: الكوم لاكتاك (qom l'aqtac)، من عائلة الماتاكو-غوايكورو، ولغة رسمية في مقاطعة تشاكو منذ 2010
- العدد: 126,967 نسمة (تعداد 2010)
- المقاطعات: تشاكو، فورموسا، سانتا في، بوينس آيرس، سالتا، قرطبة
- أهمّ المدن والبلدات: ريسيستينسيا، روكي ساينس بينيا، فورموسا، روساريو، سانتا في، لا بلاتا، بوينس آيرس الكبرى، تارتاغال، تشاراتا
- الدين والمعتقد: المسيحية بغلبة الكنائس الخمسينية والأنغليكانية، مع استمرار اللجوء إلى الشامانات المعالجين
- تنظيمات وجماعات: جماعة لا بريمافيرا، منظمة كوبيويني، معهد السكان الأصليين في تشاكو، مؤسسة نابالبي










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.