عبور الأنديز: سان مارتين على ظهر بغلٍ لا على حصانٍ أبيض
في يناير وفبراير 1817 عبر «جيش الأنديز» بقيادة خوسيه دي سان مارتين سلسلة جبال الأنديز من مندوسا إلى تشيلي، في ستّ فرق وعبر ممرّاتٍ يتجاوز ارتفاع بعضها 4500 متر، ثمّ انتصر في معركة تشاكابوكو. يروي المقال كيف أُعدّ الجيش وكيف عبر، ويفصل بين ما جرى وما رسمه الرسّامون.
في اللوحات يمتطي سان مارتين حصاناً أبيض ويشير إلى القمم المكسوّة بالثلج، أمّا في الواقع فقد عبر الجبال على ظهر بغل، مريضاً، وكان يُحمل على محفّةٍ في بعض الطريق.
صورةٌ على الجدران والأوراق النقدية
حين يتخيّل الأرجنتينيون عبور الأنديز يرون صورةً واحدة: الجنرال خوسيه دي سان مارتين على حصانٍ أبيض أنيق، يقف على قمّةٍ مثلجة ويشير بيده إلى الأفق، والجنود خلفه في صفوفٍ منتظمة. تكرّرت هذه الصورة في اللوحات والتماثيل والكتب المدرسية، وظهرت حتّى على الأوراق النقدية.
لكنّ الحصان الأبيض رمزٌ صنعه الرسّامون بعد عقود، ليميّزوا البطل في وسط اللوحة ويرفعوه فوق الآخرين. أمّا الرحلة الحقيقية فكانت أقسى وأقلّ أناقةً بكثير.

الخطّة
وصل سان مارتين إلى مندوسا يوم 7 سبتمبر 1814، وعُيّن بعد أيامٍ حاكماً لإقليم كويو. وكانت فكرته أنّ محاربة الإسبان عبر الطريق الشمالي إلى البيرو العليا، حيث هُزمت جيوش الثورة مرّةً بعد مرّة، لا تجدي. فالطريق الأقصر إلى ليما، قلب السلطة الإسبانية في القارّة، يمرّ عبر تشيلي ثمّ البحر.
وكانت تشيلي قد عادت إلى قبضة الإسبان سنة 1814، فلجأ كثيرٌ من الوطنيين التشيليين إلى مندوسا، وفي مقدّمتهم برناردو أوهيغينز الذي صار من أقرب رفاق سان مارتين.
البلوميريو: مصنعٌ عسكري في الصحراء
أقام سان مارتين معسكره في البلوميريو قرب مدينة مندوسا، وحوّل الإقليم كلّه إلى ما يشبه ثكنةً ومصنعاً كبيرين. فقد صُنع البارود والذخيرة والمدافع والثياب محلّياً، وتولّى الأهالي جانباً كبيراً من العمل والتمويل.
وكان الحساب دقيقاً لأنّ الجبال لا ترحم: كم بغلاً يحتاج الجيش، وكم يحمل كلّ بغل، وكم يوماً يكفي الطعام. وحمل الجنود اللحم المجفّف المعروف بـ«التشاركي» والبسكويت والبقول والأرز والجبن والنبيذ، وساقوا معهم ماشيةً حيّة.


جيشٌ من البغال
تتراوح التقديرات لحجم الجيش بين 5000 و5400 فرد، منهم نحو 4000 جندي، إلى جانب قرابة 1400 مدنيٍّ تولّوا النقل والتموين. ومعهم ما بين 7000 و9000 بغل و1200 إلى 1600 حصان.
هنا يكمن جوهر «أسطورة الحصان الأبيض». ففي الممرّات الجبلية الضيّقة، على حافّة الهاوية وفي هواءٍ قليل الأكسجين، البغل أثبت قدماً وأكثر احتمالاً من الحصان. لذلك عبر الجيش كلّه تقريباً على البغال، ومعه قائده، وكانت الخيول تُقاد لتصل قادرةً على القتال. ومع ذلك كانت الخسارة فادحة: لم يصل إلى تشيلي إلا نحو 4300 بغل و500 حصان.

ستّ فرق على جبهةٍ طولها 800 كيلومتر
لم يعبر الجيش من طريقٍ واحد. فقد قُسّم إلى ستّ فرق انطلقت في يناير 1817 عبر ممرّاتٍ مختلفة تمتدّ على جبهةٍ تقارب 800 كيلومتر، يزيد ارتفاع بعضها على 4500 متر.
سلكت القوّة الرئيسية، وفيها نحو 2650 مقاتلاً بقيادة سان مارتين وأوهيغينز وميغيل إستانيسلاو سولير، ممرّ لوس باتوس. وسلكت فرقةٌ ثانية من نحو 680 رجلاً بقيادة خوان غريغوريو دي لاس هيراس ممرّ أوسبالاتا، والتقت بالقوّة الرئيسية في تشيلي يوم 9 فبراير. أمّا الفرق الأربع الصغيرة فعبرت شمالاً وجنوباً، واستولت على مدنٍ تشيلية بعيدة مثل كوبيابو وكوكيمبو.
حرب الخداع
كان نجاح الخطّة مرهوناً بألّا يعرف الإسبان من أين سيأتي الهجوم. فأدار سان مارتين ما سُمّي «حرب الخُلد» (guerra de zapa): جواسيس ورسائل مزوّرة وشائعات. واجتمع بزعماء شعب البيونتشي وأوهمهم أنّه سيعبر من ممرّاتٍ جنوبية، وهو يعلم أنّ الخبر سيصل إلى الإسبان.
وصل الخبر فعلاً، فوزّع القائد الإسباني قوّاته على طول الجبهة ليحرس كلّ الممرّات، فلم يبقَ معه ما يكفي لصدّ الهجوم الحقيقي حين جاء.


قائدٌ مريض على محفّة
تفصيلٌ آخر تُسقطه اللوحات: سان مارتين لم يكن في أحسن أحواله. فقد كان يعاني من آلامٍ في المعدة ونوباتٍ من المرض، فاشتدّ عليه المرض في أثناء العبور حتّى اضطرّ رجاله إلى حمله على محفّةٍ في بعض الطريق. ورافق الجيشَ مستشفى ميدانيٌّ يتّسع لنحو مئتي مريض.
وعانى الجنود ما عاناه قائدهم: البرد الشديد في الليل والشمس الحارقة في النهار، ودوار المرتفعات، والتعب، ومشهد البغال تسقط في الهاوية.

تشاكابوكو
اجتمعت الفرق في الوادي التشيلي في الموعد المحدّد تقريباً. وفي 12 فبراير 1817، بعد أقلّ من شهرٍ على الانطلاق، اشتبك جيش الأنديز مع القوّات الإسبانية في تشاكابوكو شمال سانتياغو وهزمها هزيمةً حاسمة.
دخل سان مارتين سانتياغو بعد أيام، وبدأت في تشيلي مرحلةٌ تُسمّى «الوطن الجديد»، وتولّى أوهيغينز حكم البلاد. ومن تشيلي انطلقت بعد ثلاث سنواتٍ الحملة البحرية إلى البيرو، كما خطّط سان مارتين منذ البداية.

لماذا الحصان الأبيض؟
يوضّح المختصّون في المتحف التاريخي الوطني في بوينس آيرس أنّ الحصان الأبيض لغةٌ فنّية قديمة، يستعملها الرسّامون ليدلّوا العين على البطل في زحام اللوحة. وليس في الوثائق المعاصرة للعبور ما يدلّ على أنّ سان مارتين امتطى حصاناً أبيض في الجبال.
والحقيقة لا تنقص من عظمة الإنجاز، بل تزيده وضوحاً. فما جعل عبور الأنديز من أعظم العمليات العسكرية في تاريخ القارّة لم يكن مشهداً بطولياً على قمّة، بل سنتان من الإعداد الصبور في مندوسا، وحساب البغال وأكياس الطعام، والخداع المتقن، وجيشٌ من الناس العاديين عبر الجبال وقائده مريضٌ بينهم.
للتوسّع: فيليبي بينيا، «أساطير التاريخ الأرجنتيني» (Los mitos de la historia argentina)، الجزء الثاني، دار بلانيتا، 2005.





التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.