الموازي1,555الرسمي1,54514°غائمبوينس آيرس
الخميس، 1 أكتوبر
بلغرانو والعلم الأرجنتيني: القصة كما ترويها الوثائقCasimir Carbonnier · Public domain · ويكيميديا كومنز

بلغرانو والعلم الأرجنتيني: القصة كما ترويها الوثائق

رفع مانويل بلغرانو علماً سماوياً وأبيض على ضفّة نهر بارانا يوم 27 فبراير 1812، فأمرته الحكومة بإخفائه. يروي هذا المقال كيف وُلد العلم من الشارة الوطنية، وكيف انتظر أربع سنواتٍ حتّى اعتُمد، ولماذا لا يعرف أحدٌ على وجه اليقين من أين جاء لوناه.

يُروى أنّ مانويل بلغرانو رفع عينيه إلى السماء فأخذ منها لونَي العلم، لكنّ ميلاد العلم الأرجنتيني كان أطول وأعقد من لحظة إلهامٍ واحدة، وكاد يُدفن في أيّامه الأولى.

لحظة إلهام؟

في الرواية الشعبية يقف مانويل بلغرانو على ضفّة النهر، ينظر إلى السماء الصافية والغيوم البيضاء، فيقرّر أن يكون العلم على لونها. هي صورةٌ جميلة تتكرّر في الأغاني المدرسية، لكنّ بلغرانو نفسه لم يقل ذلك. فقد كتب أنّه صنع العلم على لون الشارة الوطنية التي اعتُمدت قبل أيّام.

وكان بلغرانو قد درس القانون والاقتصاد في إسبانيا، وعمل سنواتٍ أميناً لقنصلية التجارة في بوينس آيرس، ثمّ صار عضواً في المجلس الأول سنة 1810. ولم يكن عسكرياً محترفاً، لكنّ الثورة كلّفته بقيادة الجيوش، فحمل همّ أن يكون لجنوده رمزٌ يقاتلون تحته.

الشارة أوّلاً

كانت جيوش الثورة حتّى 1812 تحمل رموزاً متفرّقة، بل كان بعضها يقاتل تحت ألوانٍ قريبة من ألوان إسبانيا التي تحاربها. فاقترح بلغرانو يوم 13 فبراير 1812 شارةً وطنية واحدة، وفي 18 فبراير اعتمدت الحكومة الشارة البيضاء والسماوية وألغت الشارة الحمراء.

هذه الشارة المستديرة، التي ما زال الأرجنتينيون يعلّقونها على صدورهم في الأعياد الوطنية، هي الأصل الذي خرج منه العلم.

الشارة الوطنية الأرجنتينية بلونيها الأبيض والسماوي، وقد اعتُمدت في 18 فبراير 1812
الشارة الوطنية الأرجنتينية بلونيها الأبيض والسماوي، وقد اعتُمدت في 18 فبراير 1812Manuel Belgrano [1] (Vector graphics by Lobo argentino) · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

روساريو، 27 فبراير 1812

كان بلغرانو يومها يقيم بطاريّتين من المدافع على ضفّة نهر بارانا قرب قرية روساريو، لصدّ السفن الإسبانية القادمة من مونتيفيديو، وسمّاهما «الحرّية» و«الاستقلال». وفي مساء 27 فبراير 1812، قرابة السادسة والنصف، رفع علماً من تصميمه، وخطب في جنوده داعياً إيّاهم إلى أن يجعلوا هذا الرمز علامة النصر.

وتقول الرواية المحلّية إنّ امرأةً من أهل روساريو هي ماريا كاتالينا إتشيفاريّا دي فيدال خاطت ذلك العلم الأول بيديها.

إعادة رسمٍ للعلم الذي رفعه بلغرانو في روساريو عام 1812 بحسب أحد المصادر
إعادة رسمٍ للعلم الذي رفعه بلغرانو في روساريو عام 1812 بحسب أحد المصادرManuel Belgrano, according to [1] (vector graphics by Guilherme Paula) · Public domain · ويكيميديا كومنز

علمٌ ممنوع

لم تفرح الحكومة في بوينس آيرس بما فعله بلغرانو. فقد كانت الحكومة الثلاثية (Primer Triunvirato) ما زالت تحكم رسمياً باسم الملك فرديناند السابع، ولا تريد أن تعلن قطيعةً مع إسبانيا قد تُغضب بريطانيا وتستفزّ أعداءً جدداً. ففي 3 مارس 1812 أمرته بإخفاء العلم واستعمال الرموز المعتادة.

لكنّ الأمر لم يصله في وقته، إذ كان قد توجّه شمالاً لتولّي قيادة «جيش الشمال». وفي مدينة خوخوي، يوم 25 مايو 1812 في الذكرى الثانية للثورة، رفع العلم من جديد وباركه أحد الكهنة في الكنيسة الكبرى. فلمّا علمت الحكومة وبّخته، فطوى العلم وانتظر.

مباركة العلم في خوخوي يوم 25 مايو 1812، لوحة للرسّام لويجي دي سيرفي (1912)
مباركة العلم في خوخوي يوم 25 مايو 1812، لوحة للرسّام لويجي دي سيرفي (1912)Luigi De Servi (1863-1945) · Public domain · ويكيميديا كومنز

من الحرب إلى الاعتراف

تغيّر الموقف مع تغيّر الحكومة. ففي 31 يناير 1813 قبلت «جمعية العام الثالث عشر» أن يستعمل جيش الشمال هذا العلم. وفي 13 فبراير 1813 أقسم الجنود الولاء له على ضفّة نهر باساخي، الذي صار يُسمّى منذ ذلك اليوم «نهر القسم». وبعد أسبوعٍ واحد، يوم 20 فبراير 1813، رفرف العلم لأوّل مرّة في معركة، حين انتصر بلغرانو في معركة سالتا.

ولم يكن التصميم ثابتاً في تلك السنوات. ففي كنيسةٍ ببلدة ماتشا في بوليفيا اليوم عُثر على علمين قديمين من جيش الشمال يُعرفان بـ«أعلام ماتشا»، وأحدهما مكوّن من خطوطٍ أبيض فسماوي فأبيض، أي على عكس الترتيب الذي استقرّ لاحقاً.

أحد «أعلام ماتشا» بعد ترميمه، وقد عُثر عليه في كنيسةٍ ببوليفيا ويُنسب إلى جيش الشمال بقيادة بلغرانو
أحد «أعلام ماتشا» بعد ترميمه، وقد عُثر عليه في كنيسةٍ ببوليفيا ويُنسب إلى جيش الشمال بقيادة بلغرانوMinisterio de Cultura · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الاعتماد الرسمي والشمس

بعد إعلان الاستقلال في 9 يوليو 1816 اعتمد مؤتمر توكومان في الشهر نفسه العلم ذا الخطوط الثلاثة، السماوي فالأبيض فالسماوي، علماً للدولة الجديدة. وفي 1818 أُضيفت إليه «شمس مايو» في وسط الخطّ الأبيض، وهي شمسٌ بوجهٍ إنساني لها 32 شعاعاً، نصفها مستقيم ونصفها متموّج، رمزاً لثورة مايو.

العلم الأرجنتيني بشمس مايو في وسطه، وقد أُضيفت الشمس عام 1818
العلم الأرجنتيني بشمس مايو في وسطه، وقد أُضيفت الشمس عام 1818Manuel Belgrano · Public domain · ويكيميديا كومنز

من أين جاء اللونان؟

لا يملك المؤرّخون جواباً واحداً. فالقول بأنّ السماوي لون السماء والأبيض لون الغيوم هو أشهر التفسيرات، لكنّه ليس الوحيد. فهناك من يربط السماوي بمياه نهر لا بلاتا والأبيض بالفضّة التي أعطت المنطقة اسمها. وهناك من يربط اللونين بعباءة العذراء في صورة «الحبل بلا دنس» التي كان بلغرانو شديد التعلّق بها. وهناك من يربطهما بألوان أسرة البوربون المالكة في إسبانيا، وهو تفسيرٌ يتّسق مع حكومةٍ كانت ما تزال تحكم باسم الملك.

والثابت الوحيد هو ما قاله بلغرانو نفسه: العلم أُخذ من الشارة. أمّا من أين أُخذت الشارة، فسؤالٌ ما زال مفتوحاً.

يوم العلم

مات بلغرانو في بوينس آيرس يوم 20 يونيو 1820 فقيراً، في سنةٍ كانت البلاد فيها غارقة في الحرب الأهلية، ولم يلتفت إلى موته إلا القليل. وفي 1938 جعل قانونٌ أقرّه الكونغرس ذلك اليوم «يوم العلم» في الأرجنتين.

وفي روساريو، قرب المكان الذي رفع فيه العلم أوّل مرّة، يقوم اليوم «النصب الوطني للعلم»، وهو بناءٌ ضخمٌ من الحجر يتوسّطه برجٌ عالٍ، تُقام عنده الاحتفالات الكبرى في 20 يونيو من كلّ عام.

النصب الوطني للعلم في مدينة روساريو
النصب الوطني للعلم في مدينة روساريوSac2087 · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز
نقشٌ بارز على أحد جوانب برج النصب الوطني للعلم في روساريو
نقشٌ بارز على أحد جوانب برج النصب الوطني للعلم في روساريوCésar Pérez · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

للتوسّع: فيليبي بينيا، «أساطير التاريخ الأرجنتيني» (Los mitos de la historia argentina)، الجزء الأول، دار بلانيتا، 2004.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo