موسيقى الشعوب الأصلية: من الباغوالا والكاخا في الأنديز إلى الكولترون عند المابوتشي
تتوزّع موسيقى الشعوب الأصلية في الأرجنتين على عالمين كبيرين: الغناء بالكاخا وآلات النفخ الأنديزية في الشمال الغربي، من الباغوالا والفيدالا إلى الإركي والسيكو والكينا والتشارانغو وكرنفال هوماواكا، وموسيقى المابوتشي الطقسية في الجنوب بالكولترون والتروتروكا. ويعرض هذا الملف الآلات والأشكال الغنائية والطقوس التي تحملها، وأبرز من حفظوها ونشروها، مثل ليدا فاشاداريس وإيمي باينيه وبياتريس بيتشي مالين.
في وديان الشمال الغربي ما زال المغنّون يضربون الكاخا ويرتجلون الكوبلا كما فعل أسلافهم، وفي الجنوب يقرع الماتشي الكولترون في طقوس المابوتشي.
عالمان موسيقيان
تحمل موسيقى الشعوب الأصلية في الأرجنتين إرثين كبيرين متباعدين في الجغرافيا والوظيفة. في الشمال الغربي، في جبال خوخوي وسالتا وتوكومان وكاتاماركا ولا ريوخا وسانتياغو ديل إستيرو، نشأ ما يُعرف بـ«الغناء بالكاخا» canto con caja، وهو غناء يرافقه طبل يدوي صغير، ويضمّ ثلاثة أشكال متقاربة هي التونادا والباغوالا والفيدالا، ويُعدّ عنصراً أساسياً في الطقوس الاحتفالية والمقدّسة لجماعات الأنديز. وإلى جانبه تعيش آلات النفخ الأنديزية: الإركي والإركينتشو والسيكو والكينا، ثمّ التشارانغو الوتري الذي وُلد في الحقبة الاستعمارية.
وفي الجنوب، في باتاغونيا، تقوم موسيقى المابوتشي على الطبل الطقسي الكولترون والبوق الطويل التروتروكا، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعبادة والشفاء والاحتفالات الجماعية مثل النغيلاتون. وقد لاحظ دارسو هذه الموسيقى أنّ لغة المابوتشي لا تعرف تقليدياً مفهوماً مستقلاً اسمه «الموسيقى»، فما يسمّيه الغربيون موسيقى هو عندهم أشكال من التواصل، كثيراً ما تكون تلاوة للأنساب مصحوبة بالآلات وحركات الجسد.
وتصف المصادر الموسيقى الأنديزية عموماً بأنّها نشأت في نتاج الكيتشوا والأيمارا وغيرهم من شعوب الأنديز، وأنّها تتميّز بألحان تجمع بين الفرح والحنين، تؤدّى بالنايات القصبية ومزامير «بان» والنايات المستقيمة، وترافقها عادة آلة التشارانغو والطبل الكبير «بومبو». ويشمل هذا الاسم أساليب وتشكيلات متعدّدة لا أسلوباً واحداً، لأنّ تنوّع اللغات والأقاليم والدول في منطقة الأنديز يمنع تعريف طراز موسيقي متجانس للمنطقة كلّها.
الباغوالا: غناء الوديان
الباغوالا baguala جنس موسيقي نشأ في شمال غرب الأرجنتين، وهو مشتقّ من موسيقى جماعات الدياغيتا التي سكنت وديان كالتشاكي، وانتشر أساساً بين السكان الأصليين في تلك المنطقة، ويُعدّ من الأجناس غير الراقصة. وترى بعض المصادر أنّ صيغتها السهلية مشتقّة في معظمها من ألحان إسبانية قديمة.
وتقوم الباغوالا على غناء أبيات تكون في الغالب ثمانية المقاطع، يرتجلها المغنّي عفوياً، ويرافقها إيقاع ثلاثي بطيء منتظم يضبطه طبل «الكاخا» الذي يعزف عليه المغنّي نفسه في أغلب الأحيان. ويُعدّ هذا الغناء بالكاخا جزءاً من طقس مقدّس واحتفالي يميّز الثقافة الأنديزية. وكثيراً ما تُضاف إلى «الكاخا الكوبليرا» آلة الكينا بأصواتها الحادّة، وأحياناً الإركي، وفي الأعياد الأكثر بهجة كالكرنفال تُمرَّر في الطبل شعيرات من عُرف الخيل فيصدر صوتاً متدحرجاً يشبه صوت نوابض الطبل الحديث. ويردّد الحاضرون ما يغنّيه صاحب الكوبلا، فينشأ أثر شبيه بالترانيم التي يجيب فيها الجمع على المنشد.
ومن مؤدّي هذا اللون الذين تذكرهم المصادر «إل تشانغو ماي» وخوسيه بوتاس، ويبقى العمل الأوسع في جمع هذه الأغاني هو ما قامت به الأرجنتينية ليدا فاشاداريس، التي وصفت الغناء بالكاخا بأنّه «غناء الهاوية»، بصرخاته وانحداراته المؤلمة.

الفيدالا والكوبلا وتعميد الكاخا
الفيدالا vidala هي أقرب أشكال الغناء بالكاخا إلى زمننا، وقد بلغت أوج تطوّرها نحو عام 1800، ولذلك تُعدّ أوّل جنس فولكلوري في البلاد، إذ تكوّنت بالتوازي مع نشوء الدولة الأرجنتينية. وتُغنّى منفردة أو في حلقات جماعية، بصوت واحد أو صوتين، مع الكاخا، وأحياناً مع القيثارة. ومنطقة انتشارها الجبال: توكومان وسالتا وكاتاماركا وسانتياغو ديل إستيرو ولا ريوخا. ولا ترتبط الفيدالا برقصة معيّنة، وتتنوّع صيغها من «الفيداليتا» السهلية الرتيبة إلى «الفيدالا التشاييرا» الخاصة بلا ريوخا وكاتاماركا، والتي تُغنّى في الكرنفال. ويتّسم صوت مغنّيها بالانكسار، فيُبرز بقوّة الانتقالات بين طبقات الصوت، وفيها تقابل بين الطبل الذي «يقع إلى الأرض» والصوت الذي يتموّج في الهواء.
وتعود جذور الغناء بالكاخا إلى ما قبل الغزو الإسباني. ففي القرن السابع عشر وثّق غوامان بوما دي أيالا في أراضي إمبراطورية الإنكا القديمة طبلاً يدوياً اسمه «تينيا» كانت النساء يعزفن عليه بطريقة تشبه العزف الحالي في الشمال الغربي الأرجنتيني. وكان هذا الغناء في أصله يؤدّى بلغات الشعوب السابقة للوجود الإسباني مثل الكاكان والكيتشوا، ثمّ فرض المستعمرون لغتهم ودينهم في أماكن كثيرة، فدخلت الإسبانية إلى النصوص، واعتُمد شكل الكوبلا.
والكوبلا copla مقطوعة شعرية من أربعة أبيات قصيرة، ثمانية المقاطع في الغالب، تقفّى فيها الأبيات الزوجية، ويُرجَّح أنّها نشأت في إسبانيا في القرن السابع عشر ثمّ صارت جزءاً من التقاليد الشعبية في أمريكا اللاتينية كلّها. ولغتها عامية مباشرة، وكثيراً ما تلجأ إلى التورية لإحداث أثر فكاهي. وفي الشمال الغربي تحوّلت إلى وعاء الارتجال في الأعياد، ومنها «الكوبليادا» التي تتبارى فيها النساء بالغناء.
ومع وصول الإسبان تداخلت الطقوس المقدّسة للشعوب الأصلية مع الكرنفال الأوروبي، فصار الكرنفال في الشمال الغربي يُحتفل به مع طقوس طلب الوفرة من الباتشاماما وجني الخرّوب. ولا تُعزف الكاخا قبل أن تُعمَّد في مراسم تسمّى «التشايا»، وتتولّى ذلك نساء مسنّات من المغنّيات الخبيرات بالكوبلا، اللواتي قضين عمراً طويلاً في الغناء بالكاخا.

آلات النفخ الأنديزية: الإركي والسيكو والكينا
الإركي erke (من الكلمة الكيتشوية «إرقي» بمعنى الطفل الباكي)، ويُسمّى أيضاً «كورونيتا» و«كيبا»، آلة نفخ ضخمة تُستعمل في الاحتفالات العامة في شمال غرب الأرجنتين، في خوخوي وسالتا وتوكومان، وفي جنوب بوليفيا. وتُعرف في الأرجنتين بأسماء عدّة منها «كانياس» نسبةً إلى منطقة أورنيشوس في سالتا حيث يكثر القصب الذي تُصنع منه، و«كورنيتا» في خوخوي وسالتا. وتتكوّن من خمس قطع طويلة من القصب أو أكثر تُوصل أطرافها لتصير أنبوباً واحداً، تُنزع عُقده الداخلية ويُلفّ من الخارج بالمصران أو الصوف، وفي طرفه الأعلى بوق من قرن البقر أو النحاس. ويتراوح طولها بين ثلاثة أمتار وسبعة.
والإركي عند السكان الأصليين والكريول في المنطقة الأنديزية آلة طقسية فقط، تُعزف مثلاً في مناسبات «الميساتشيكو» الدينية. ولا يعزفها تقليدياً إلا الرجال البالغون، ويُعدّ النفخ فيها خارج الطقوس تدنيساً يجلب الشؤم، وأخفّ ما يُعتقد أنّه يترتّب على مخالفة القاعدة أن يضرب الصقيع في عزّ الصيف. وترافقها الكينا عادةً. وأمّا الإركينتشو فآلة نفخ أخرى تُعزف في الكرنفال وفي «زمن الصيف» في كويبرادا دي هوماواكا.
السيكو siku (من الأيمارية «سيكتاسينيا» أي الأنبوب الذي يُصدر صوتاً) آلة من فصيلة مزامير «بان»، تتألّف من صفّين من الأنابيب المتناقصة الطول: «الأركا» بسبعة أنابيب و«الإيرا» بستّة، وتُستعمل في موسيقى الهضبة الأنديزية وما زالت حاضرة في الأرجنتين. ويُسمّى عازفها «سيكوري»، والعزف عليها جماعي في جوهره: تتوزّع الفرقة نصفين، يعزف كلّ نصف نصف السلّم الموسيقي، فيتناوبان على النغمات ويتشابك اللحن بينهما كأنّه يُنسج. ويُعدّ صفّ الإيرا روحياً مقابلاً للمبدأ الذكري، وصفّ الأركا للمبدأ الأنثوي.
الكينا quena (من الكيتشوية «قينا») ناي ذو حافة يشبه المزمار، وهي من أقدم آلات القارّة الأمريكية، انتشرت في جبال الأنديز في عهد إمبراطورية الإنكا. وفي عام 1973 عثر فريق عالم الآثار الأرجنتيني كارلوس أستشيرو على ثماني كينات، سبع منها من القصب وواحدة من العظم، في موقع «إنكا كويفا» في خوخوي، يعود تاريخه إلى نحو 4,000 عام قبل الحاضر. وأوّل تدوين لكلمة «كينا» ورد في معجم اللغة الأيمارية الذي وضعه المبشّر لودوفيكو بيرتونيو عام 1612. وللكينا الحديثة سبعة ثقوب، ستّة في الأمام وواحد في الخلف للإبهام، بعد أن كانت ثقوبها الخمسة القديمة تناسب الألحان الخماسية المميّزة لموسيقى الإنكا. وتُعزف الكينات عموماً في الموسم الجافّ، بينما تُعزف النايات العمودية مثل «البينكيشو» و«التاركا» في موسم المطر. ومن عازفي الكينا الذين تذكرهم المصادر بين الفنانين الأرجنتينيين أونيا راموس.

التشارانغو: وتر وُلد في الحقبة الاستعمارية
التشارانغو charango آلة وترية صغيرة من فصيلة العود، نشأت في منطقة الأنديز بعد أن أدخل الإسبان آلاتهم الوترية، وانتشرت في جبال الأنديز في عهد نيابة الملك في البيرو. ولها في الغالب خمسة أزواج من الأوتار، ويبلغ طول الوتر المهتزّ في النموذج الأكثر انتشاراً نحو 37 سنتيمتراً. وكانت تُصنع تقليدياً من الخشب ومن درقة المدرّع الأنديزي، ثمّ حلّ الخشب محلّ الدرقة حمايةً لهذا الحيوان المهدّد بالانقراض. وتذكر المصادر أنّ اسمها في الأرجنتين «موليتا» و«تاتو»، وهما من أسماء المدرّع.
وتختلف النظريات في أصلها ومكان مولدها بين البيرو وبوليفيا، ويُرجَّح أنّها اتّخذت شكلها الحالي في القرن الثامن عشر. وأوّل خبر تاريخي عنها يعود إلى عام 1814 حين كتب رجل دين من توبيسا أنّ السكان الأصليين يستعملون بشغف «قيثارات صغيرة» يسمّونها تشارانغو. وفي القرن التاسع عشر كانت تُعزف في الأرياف وحدها، وكثيراً ما احتقرها سكان المدن ووصفوها بأنّها «آلة الهنود».
وفي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين انتشر التشارانغو في شمال غرب الأرجنتين، وحمله موسيقيون من المنطقة إلى أوروبا والولايات المتحدة واليابان، ومنهم الأرجنتيني خورخي ميلشبيرغ عضو فرقة «أوروبامبا». ومن أشهر عازفيه الأرجنتيني البوليفي خايمي توريس، والأرجنتيني غوستافو سانتاولاشا المتخصّص في «الرونروكو»، وهو تشارانغو كبير عميق الصوت، وقد أصدر عام 1998 ألبوماً يحمل اسم هذه الآلة.

كرنفال هوماواكا: موسيقى تنظّم السنة
كرنفال هوماواكا Carnaval de Humahuaca احتفال شعبي يُقام في بداية الصوم الكبير في منطقة كويبرادا دي هوماواكا في ولاية خوخوي. أدخله الإسبان، فاندمج بطقوس السكان الأصليين المخصّصة للاحتفاء بخصوبة الأرض وتكريم الباتشاماما، وهو صيغة قصيرة معدّلة من عيد «كاباج إنتي رايمي» عند الإنكا، الذي كان يبدأ في ديسمبر وينتهي في مارس.
يبدأ الاحتفال في كلّ جماعة بـ«استخراج الشيطان»، ويُسمّى محلياً «كولودو» أو «بوخشاي»: دمية من القماش تمثّل شيطان العام الماضي تُستخرج من كومة الحجارة بإذن من الباتشاماما. وفي الخميسين السابقين للكرنفال يجتمع «الكومبادريس» من الرجال ثمّ «الكومادريس» من النساء، وتتسلّى النساء بجلسات «الكوبليادا» يروين فيها بالغناء ما جرى لهنّ خلال العام، على إيقاع الكاخا التي تُصنع رقوقها عادة من جلد الخروف لأنّه يمنحها صوتاً أوسع. ويدوم الكرنفال ثمانية أيام، تجوب فيها الفرق الشوارع راقصةً على أنغام «الكرنافاليتو»، بآلات محلية مثل الإركينتشو و«الأناتا» والتشارانغو والطبول، وبآلات نحاسية كالساكسفون والبوق، وينتهي في «أحد الإغواء» بدفن الشيطان في حفرة تمثّل فم الباتشاماما، مع السجائر والكوكا والشيتشا. وفي مدينة هوماواكا يبلغ الكرنفال ذروته، ومنها انتشرت عادة التنكّر في هيئة «شياطين صغار» مع فرقة «لا خوفينتود أليغري دي هوماواكا» التي تأسّست في الأشهر الأولى من عام 1922.
والموسيقى في كويبرادا دي هوماواكا مرتبطة بدورة الزراعة والرعي، وتقسم السنة إلى «زمن الصيف» و«زمن الشتاء» بحسب غياب المطر وحضوره. يبدأ زمن الصيف بالاحتفال بالباتشاماما في أغسطس وينتهي بدفن الكرنفال، ويبدأ زمن الشتاء بدفن الكرنفال وينتهي بعيد جميع القديسين. ولكلّ آلة من «موسيقى العبادة» وقت محدّد، فالتقليد يجعل الإركينتشو للصيف والكورنيتا للشتاء، لأنّ موسيقى الصيف مرتبطة بآلهة الأرض والقوى الخفية المتّصلة بخصوبة الزرع والماشية، أمّا موسيقى الشتاء فمرتبطة بالمعتقد المسيحي وطلب حفظ الصحّة. وعزف الآلة في غير وقتها يُعدّ في الرؤية الأنديزية للعالم خرقاً يُخلّ بنظامه، وإن كان التنوّع في الآلات وفي من يعزفها صار ملحوظاً اليوم في كلّ أوقات السنة.
وإلى جانب موسيقى العبادة هناك «موسيقى الرقص والتسلية»: الزامبا والتشاكاريرا و«الغاتو» من التقاليد الغاوتشية، والموسيقى البوليفية من «السايا كابورال» و«التينكو» وفرق الآلات النحاسية، ثمّ الكومبيا الأنديزية و«الخوخينياسو»، أي الكومبيا الخاصة بخوخوي. ويُعدّ «الكرنافاليتو» إيقاعاً أنديزياً نشأ في ولاية خوخوي وهو جزء من ثقافة الكيتشوا فيها، و«البايليسيتو» إيقاعاً خاصاً بالوديان والمضائق والهضبة في الولاية نفسها.

موسيقى المابوتشي: الكولترون والتروتروكا
الكولترون kultrún طبل طقسي نصف كروي، وهو أهمّ آلة موسيقية في ثقافة المابوتشي. يبلغ قطره نحو 35 إلى 40 سنتيمتراً وارتفاعه 12 إلى 15 سنتيمتراً، ويُصنع بتجويف جذع من خشب القرفة البرّية أو الغار أو «اللينغا» أو «اللينغي»، يُقطع في الشتاء كي لا يتشقّق، ثمّ يُشدّ على فوهته رقّ من جلد الحمل أو الحصان بسيور من الجلد. ويعزف عليه الماتشي، وهم المعالجون التقليديون، في الطقوس الدينية والثقافية وفي صلاة النغيلاتون، إمّا ممسوكاً باليد ومضروباً بعصا واحدة، وإمّا موضوعاً على الأرض ومضروباً بعصوين.
وللكولترون في رؤية المابوتشي للكون معنى رمزي كامل: فشكله نصف الكروي يمثّل نصف الكون، وعلى رقّه تُرسم الجهات الأربع التي تمثّل قوى نغينيتشين Ngünechen، بخطّين متقاطعين تتفرّع أطرافهما إلى ثلاثة خطوط تمثّل قدم «التشويكي» أي طائر النعام الأمريكي، وفي الأرباع الأربعة تُرسم فصول السنة. ويمثّل هذا الرمز الرباعي عائلة نغينيتشين المؤلّفة من الشيخ والعجوز والشابّ والشابّة، ولذلك يُعدّ الطبل أنثوياً في جوهره، إذ يتصوّره كثير من المابوتشي رحماً، لكنّه يحمل عناصر ذكورية وأنثوية معاً.
والطقوس الموسيقية عند المابوتشي تقوم بها النساء في الأساس: فكلّ الأداءات الموسيقية في السياقات المقدّسة، وتسمّى «أول» ül، يؤدّيها غير الرجال، والكولترون مثل سائر آلات الإيقاع تعزفه النساء تقليدياً. وفي النغيلاتون تُؤدّى أغانٍ مقدّسة يرافقها رقص، ويقود الماتشي الطقس بإيقاع الطبل ويوجّه الرقص ويغنّي في الوقت نفسه، وقد يُضرب الطبل لطرد الأرواح الشريرة بينما تُحضَّر الأدوية العشبية. وأوسع دراسة علمية خاصة بالكولترون وضعتها الباحثة التشيلية ماريا إستر غريبي، التي رأت فيه صورة مصغّرة لرؤية المابوتشي للكون. وقد صار صوت الكولترون مسموعاً أيضاً في التظاهرات في المدن.
أمّا التروتروكا trutruka فبوق طويل من فصيلة الأبواق، منتشر أساساً بين المابوتشي في تشيلي والأرجنتين، يشبه الإركي في شكله. يُصنع جسمها من قصب «الكوليوي» بطول يتراوح بين مترين وخمسة أمتار، يُشقّ طولاً ويُجوَّف ثمّ يُضمّ نصفاه بخيوط الصوف أو المصران ويُكسى بأمعاء حيوان، في الغالب حصان، ويُثبَّت في طرفه قرن بقرة. وصوتها حادّ عميق قليل التنوّع، وتُستعمل إشارةً عن بعد وصيحةَ حرب ومرافقةً للنشاطات الاجتماعية والدينية، وتُعزف في النغيلاتون وفي «الكاماروكو» و«اللونكوميو» وفي الجنائز. ومن آلات المابوتشي الأخرى «اللولكين»، وهي آلة نفخ كبيرة، و«الكاسكاويشا» و«الترومبي» و«الكول كول». ومن أشكال الغناء عند المابوتشي «التايل»، وهو لحن ديني يُغنّى بلغة المابودونغون.

أصوات المابوتشي على المسارح: إيمي باينيه وبياتريس بيتشي مالين
إيمي باينيه Aimé Painé هو الاسم الفنّي لأولغا إليسا باينيه، المولودة في إنخينييرو لويس أ. ويرغو في ولاية ريو نيغرو في 23 أغسطس 1943، لأب من المابوتشي هو سيغوندو باينيه وأمّ من التيويلتشي. سُجّلت باسم «أولغا إليسا» لأنّ القوانين الأرجنتينية آنذاك لم تكن تسمح بتسجيل الأسماء المابوتشية، ثمّ اتّخذت لعملها الفنّي اسم «إيمي» الذي يعني «الغروب الأحمر». فُصلت عن جماعتها في الثالثة من عمرها، وأُرسلت إلى مدرسة داخلية للراهبات في مار ديل بلاتا، وهناك برعت في جوقة الترتيل الغريغوري، ثمّ تبنّاها المحامي والكاتب المسرحي هيكتور شان دي روسوس وزوجته، فدرست الغيتار والغناء.
في عام 1973 انضمّت إلى الجوقة البوليفونية الوطنية، وفي لقاء دولي للجوقات في مار ديل بلاتا أعدّت كلّ دولة عملاً واحداً على الأقلّ من الموسيقى الأصلية أو الفولكلورية إلا الجوقة الأرجنتينية، فشعرت بالخجل من الانتماء إلى بلد ينكر جذوره. فعادت إلى الجنوب، والتقت أباها وإخوتها، وتعرّفت على «التايل» الذي كانت تغنّيه «الجدّة دوميتيلا» بلغة المابودونغون، فوجدته شبيهاً بالترتيل الغريغوري الذي تعلّمته صغيرة. وقرّرت أن تقدّم ثقافة المابوتشي للعالم، فغنّت بالزيّ التقليدي وبالآلات التقليدية كالكولترون والترومبي والكاسكاويشا، وكانت بحسب كاتبة سيرتها الصحفية كريستينا رافانيلي أوّل امرأة من المابوتشي تجول بالغناء بلغتها وتشرح ثقافتها، وسافرت إلى إنجلترا وسويسرا مندّدة بتهميش الشعوب الأصلية في الأرجنتين.
توفّيت في أسونسيون عاصمة الباراغواي في 10 سبتمبر 1987، عن 44 عاماً، إثر تمدّد في أحد شرايين الدماغ أصابها خلال تسجيل، ودُفنت في مسقط رأسها إلى جانب أبيها. وتحمل اسمها مكتبات ومدارس وجوقات وشوارع في ولاية ريو نيغرو، وشارع في بويرتو ماديرو في بوينس آيرس، وصورتها معلّقة في «قاعة المرأة» في القصر الرئاسي «كاسا روسادا». وفي عام 2021 صُوّر عنها مسلسل من أربع حلقات في باتاغونيا من إخراج أيمارا روفيرا، أدّت فيه دورها المغنّية تشارو بوغارين.
وبياتريس بيتشي مالين Beatriz Pichi Malen هو الاسم الفنّي لنورما بياتريس بيريتا، المولودة في لوس تولدوس في ولاية بوينس آيرس في 22 أبريل 1953، وهي من أحفاد الزعيم إغناسيو كوليكيو من جهة أمّها. يدور عملها الفنّي حول البحث عن ثقافة المابوتشي وإنقاذها ونشرها، وتغنّي على مسارح العالم بلغة المابودونغون. بدأت مسيرتها نحو عام 1990 حين دعتها مؤسّسة روكفلر إلى المؤتمر الدولي الرابع للمرأة في مانهاتن، وشاركت عام 2018 في مهرجان «رويدوسا فيست» في سانتياغو دي تشيلي. ومن أسطواناتها «بلاتا» (2000) و«أنيل» (2005) و«مابوتشي» (2015).
ليدا فاشاداريس: خريطة البلاد الموسيقية
ليدا فاشاداريس Leda Valladares مغنّية وملحّنة وشاعرة وباحثة في الموسيقى والفولكلور، وُلدت في سان ميغيل دي توكومان في 21 ديسمبر 1919، وتخرّجت في جامعة توكومان الوطنية أستاذةً للفلسفة والتربية. نشأت على الموسيقى الكلاسيكية والجاز، لكنّ توكومان كانت منطقة تماسّ، فسمعت فيها أيضاً موسيقى الشعوب الأصلية المقيمة في وديان كالتشاكي. وفي الحادية والعشرين من عمرها، في كرنفال كافاياتي عام 1941، اكتشفت الباغوالا، ومنذ ذلك الحين لم تتوقّف عن جمع هذا الغناء المجهول المؤلّف في وديان الأرجنتين وجبالها.
سافرت إلى باريس عام 1952 وكوّنت مع الشاعرة ماريا إيلينا والش ثنائي «ليدا وماريا»، فغنّتا الباغوالا والتشاكاريرا والفيدالا والزامبا في قاعة السوربون ومقاهي المثقّفين، وأصدرتا أولى أسطواناتهما «أغاني الأرجنتين» عام 1954. ثمّ حصلت على منحة من الصندوق الوطني للفنون لجمع الموسيقى الشعبية، فجالت في الولايات بجهاز تسجيل متواضع، وسجّلت أصوات مغنّي الكوبلا في الأرياف والوديان، وكانت الثمرة سلسلة أسطوانات وثائقية صدرت بين 1960 و1974 بعنوان «الخريطة الموسيقية الأرجنتينية»، خُصّص مجلّدها الأوّل لكويبرادا دي هوماواكا، ومجلّدات أخرى لتوكومان وسالتا وسانتياغو ديل إستيرو وكويو.
وفي عام 1969 بدأت تغنّي منفردة في المؤسّسات التعليمية بالكاخا الكوبليرا، وضمّت إليها مجموعات من الطلاب بلغ عددها في السبعينيات أكثر من 30,000 طالب، ولبست البونشو فصارت رمزاً لحركة ترفض تسليع الموسيقى وقطعها عن جذورها الروحية، وبنت جسوراً بين مغنّي الأرياف وموسيقيي الروك، فتعاونت مع غوستافو سانتاولاشا ومع ليون خييكو في عمل «من أوشوايا إلى لا كياكا» عام 1985. وآخر أعمالها الكبرى «أمريكا بالجلد» (1992) جمع أكثر من 400 أغنية شعبية من أنحاء القارّة، ونالت عليه لقب عضو شرف في اليونسكو. وحصلت على جائزة «كونيكس» عام 1984 و1994 و2005، وكانت أوّل من نال الجائزة الوطنية للإثنولوجيا والفولكلور عام 1996.
اعتزلت عام 1999 بسبب مرض ألزهايمر، وتوفّيت في بوينس آيرس في 13 يوليو 2012 عن 92 عاماً. وفي عام 2019 أُقيمت احتفالات بمئوية ميلادها في أنحاء الأرجنتين، واقتُرح تخصيص «يوم وطني للغناء بالكاخا» تكريماً لعملها في حفظ التقاليد الشعبية.
من الوديان إلى العالم
منذ عام 1950 تقريباً ظهرت في الأرجنتين الفرق الفولكلورية المؤلّفة من أربع قيثارات وطبل «بومبو» ترافق غناءً بصوتين أو ثلاثة، مثل «لوس تشالتشاليروس» و«لوس فرونتيريسوس». ونحو عام 1960 دخلت الكينا والتشارانغو إلى هذه الفرق، خصوصاً في بوليفيا والأرجنتين وتشيلي. وفي الستينيات والسبعينيات نالت موسيقى الهضبة الأنديزية شهرة عالمية، وأسهمت في ذلك فرق أُسّست في أوروبا، معظمها أرجنتينية، نشرت موسيقى جُمعت من الهضبة ثمّ انتقلت إلى التأليف. ومن أشهر الأمثلة أغنية «الكوندور يطير» للبيروفي دانيال ألوميا روبليس، التي نشرها أوّلاً موسيقيون أرجنتينيون في أوروبا هم فرقة «أوروبامبا»، ثمّ اشتهرت عالمياً بصوت بول سايمون.
ومن الفنانين الأرجنتينيين الذين تذكرهم المصادر بين حملة الموسيقى الأنديزية: «أوروبامبا» و«لوس كالتشاكيس» وخايمي توريس ومرسيدس سوسا و«إنتي ماركا» و«كوكينا» و«رايسيس إنكاس» وأونيا راموس و«لوس نوتشيروس» و«لوس وايرا». ووصل صدى هذه الآلات إلى الروك أيضاً، فقد استعملت فرقة «سودا ستيريو» الكينا في أغنية «حين تمرّ الهزّة».
وتبقى هذه الموسيقى في مواطنها الأصلية جزءاً من الحياة الطقسية: الكاخا تُعمَّد قبل أن تُعزف، والإركي لا يُنفخ فيه خارج الطقس، والإركينتشو ينتظر زمن الصيف، والكولترون يرافق صلاة النغيلاتون. وبين الطقس والمسرح عمل جيل من الجامعين والمغنّين، من ليدا فاشاداريس إلى إيمي باينيه وبياتريس بيتشي مالين، على أن تُسمع هذه الأصوات خارج الوديان والجماعات التي حفظتها.










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.