الموازي1,560الرسمي1,54516°صحوبوينس آيرس
السبت، 26 سبتمبر
الدياغيتا: أهل وادي كالتشاكي الذين قاوموا الإسبان قرناً كاملاًReinaldo A. Moralejo · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الدياغيتا: أهل وادي كالتشاكي الذين قاوموا الإسبان قرناً كاملاً

الدياغيتا اسم أطلقه الإنكا ثم الإسبان على شعوب مستقلّة جمعتها لغة الكاكان في شمال غرب الأرجنتين وشمال تشيلي. بنوا حضارة زراعية وفخّارية متقدّمة، وخاضوا ثلاث حروب كبرى ضدّ الإسبان انتهت بالتهجير والإنكوميندا. وفي تعداد 2022 عرّف 90,794 شخصاً أنفسهم دياغيتا، ولهم جماعات منظّمة في توكومان وسالتا وكاتاماركا ولا ريوخا وسانتياغو ديل إستيرو.

على مدى أكثر من مئة عام، من 1560 حتى 1667، صمد الدياغيتا في وديانهم الجبلية أمام الإسبان في ما عُرف بحروب كالتشاكي، ولا تزال جماعاتهم اليوم تحتفل بالباتشاماما في أمايتشا ديل فايي.

من هم الدياغيتا

الدياغيتا Diaguita كلمة من الكيتشوا، وهي اسم فرضه الإنكا ثم عمّمه الغزاة الإسبان على مجموعة من الشعوب المستقلّة التي تكلّمت لغة مشتركة هي الكاكان cacán / kakán. عاشت هذه الشعوب في شمال غرب الأرجنتين الحالي، ولا سيّما في وادي كالتشاكي Valles Calchaquíes، وفي منطقة «نورتي تشيكو» في تشيلي. ولم يكونوا شعباً موحّداً، بل زعامات متفرّقة يكاد يكون لكلّ وادٍ منها لسانه أو لهجته.

وعرفت كتب التاريخ أسماء أخرى لأقسام من هذا الشعب: الكالتشاكي، وهو الاسم الذي أُطلق على أهل الوديان بعد الانتفاضة الكبرى التي قادها خوان كالتشاكي ثم صار اسماً للوديان نفسها؛ و«الباسيوكا» الذي استُعمل حيناً لجماعات متكلّمي الكاكان؛ وكانت لكلّ جماعة تسميتها المأخوذة من مدينتها، فأهل كيلمس هم الكيلمس، وأهل تولومبون هم التولومبونيس.

في الأرجنتين استمرّ الدياغيتا في هويّتين ثقافيتين: «الدياغيتا الكالتشاكي» والكولا. أمّا لغة الكاكان فتكاد تكون منقرضة، ولم يبقَ منها إلا أسماء أماكن وألقاب عائلات، مثل «أنتوفاغاستا» و«تشالينغاستا» في الأماكن، و«كامبيشاي» و«تاليناي» و«سولانتاي» في الألقاب. وقد وضع الكاهنان ألونسو دي بارسانا وبيدرو أنياسكو نحو عام 1590 قواعد ومعاجم لها، وكتب بارسانا بها تعاليم وصلوات لم تُنشر قط. وفي عام 1634 فُرضت الإسبانية في الكنيسة والإدارة، ثم أمر مرسوم ملكي عام 1770 بالعمل على إطفاء اللغات الأصلية، فتسارع انقراضها.

في تعداد 2022 عرّف 90,794 شخصاً في الأرجنتين أنفسهم دياغيتا أو «دياغيتا كاكانو». وكان تعداد 2010 قد سجّل 67,410 أشخاص: 14,269 في ضواحي بوينس آيرس الكبرى، و13,956 في توكومان، و9,466 في سالتا، و6,664 في مدينة بوينس آيرس، و5,026 في كاتاماركا، و4,835 في داخل ولاية بوينس آيرس، و4,418 في قرطبة، و1,755 في سانتياغو ديل إستيرو، و1,688 في لا ريوخا، و1,616 في سانتا في، و1,308 في مندوسا، و1,262 في خوخوي، و702 في سان خوان، ومئات في الولايات الجنوبية.

أين يعيشون: الموقع على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -26.6, -65.9167. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

أين يعيشون اليوم

قلب أرض الدياغيتا هو وادي كالتشاكي الممتدّ بين سالتا وتوكومان وكاتاماركا، إلى جانب لا ريوخا وشمال سان خوان وغرب سانتياغو ديل إستيرو. وفي توكومان، في مقاطعة تافي ديل فايي، تقع أكبر جماعاتهم: جماعة أمايتشا ديل فايي الأصلية (873 أسرة)، وجماعة كيلمس الهندية (630 أسرة)، وجماعات إل رينكون ولا أنغوستورا وكاساس فييخاس وإل موشار ووادي تافي. وفي مقاطعة ترانكاس جماعات تولومبون ولوس تشوسشاغاستا وكولالاو وبوتريرو روديو غراندي، وفي لوليس جماعة مالا مالا.

وفي سالتا تنتشر جماعات «الدياغيتا الكالتشاكي» في مدن وقرى الوادي: كافاياتي وكاتشي وباياغاستا ومولينوس وسيكلانتاس وسان كارلوس وأنيمانا وأنغاستاكو وأمبلايو ولا بوما وتشيكوانا وروساريو دي ليرما. وقد اعترفت الولاية بعشرات منها، منها اثنتا عشرة جماعة في مولينوس وحدها عام 2010. وتقع في جنوب سالتا بلدة تولومبون التي كانت عاصمة المقاومة الكالتشاكية.

وفي كاتاماركا جماعات في بيلين (موريتيتوس ولاس كويفاس في فيا فيل) وفي سانتا ماريا (سيرو بينتاو وإنغامانا)، وفي لا ريوخا جماعة غواندكول. وفي سانتياغو ديل إستيرو يعرّف أبناء «الدياغيتا الكاكانو» أنفسهم في جماعات تُسمّى «أيّو» في مقاطعات أتاميسكي وأفيشانيدا ولوريتو، وفي ولاية سانتا في جماعة من «الدياغيتا الأولونغاستا» في سان خوسيه ديل رينكون.

ومن منظّماتهم «اتحاد جماعات شعب الدياغيتا الكاكانو» في سانتياغو ديل إستيرو (2011)، و«اتحاد شعوب أمّة الدياغيتا في توكومان» (2012). وتحتفظ أمايتشا ديل فايي بمؤسّساتها التقليدية، ومنها «الكاسيكية» (الزعامة) و«مجلس الشيوخ».

شارع بجوار الساحة الرئيسة في أمايتشا ديل فايي بإقليم توكومان عند الغروب، 2019.
شارع بجوار الساحة الرئيسة في أمايتشا ديل فايي بإقليم توكومان عند الغروب، 2019.Jaimalalatete · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

قبل الإسبان: حضارة سانتا ماريا

منذ نحو عام 850 تطوّرت في المنطقة ثقافة سانتا ماريا الأثرية التي تميّزت بالمعادن والفخّار، وتُعدّ ثقافة الدياغيتا امتداداً لها حتى عام 1480 تقريباً. وكانت الجماعات تسكن قرى صغيرة مستقلّة لكلّ منها زعيم، ويقوم التنظيم السياسي على نظام ثنائي: كلّ وادٍ وحدة من شطرين، علوي وسفلي، يحكم كلاً منهما سيّد يُعدّ رمزياً أخاً لسيّد الشطر الآخر. ولم يكن الزعيم يرث منصبه بمجرّد أنّه ابن الزعيم، بل كان عليه أن يُثبت أهليته للقيادة. وكان الزعيم متعدّد الزوجات، وسائر الناس على الزوجة الواحدة.

بُنيت البيوت مستطيلة أو مربّعة من عدّة غرف متّصلة بأبواب ضيّقة، بجدران من الحجارة المرصوفة وسقوف مائلة من القشّ أو الطين. وعاش الناس في بلدات مثل كيلمس ولا بايا وتولومبون، لكلّ منها حصن «بوكارا» للدفاع.

كان الزعيم يوزّع الأرض وينظّم بناء المدرّجات الزراعية على سفوح الجبال، وكانت الأرض تُفلح جماعياً ويُخزَّن جزء من المحصول في مخازن مشتركة. زرعوا الذرة، وهي أساس غذائهم، والقرع والكينوا والفاصولياء والفلفل والبطاطا، وجمعوا ثمار الخرّوب والتشانيار، وشقّوا قنوات الريّ. ومن الخرّوب صنعوا خبز «الباتاي» وشراب «الألوخا». وربّوا اللاما والألبكة، وجفّفوا لحمها في الشمس «تشاركي». وتذكر الباحثة آنا ماريا لوراندي أنّ أراضيهم القاحلة اليوم كانت حتى نحو عام 1600 غنية بغابات الخرّوب، وأنّ التصحّر جاء بعد أن قطع الإسبان الأشجار وأحرقوها لتجويعهم، ثم أغرقوا المراعي بالماعز والأغنام.

برع الدياغيتا في الفخّار: كانت كلّ أسرة تصنع قدورها وجرارها، وكان للحرفيين المتخصّصين صنع الجرار الجنائزية المزخرفة. وعملوا النحاس والبرونز، وصنعوا من الحجر رؤوس السهام والبولياداس والسكاكين. ومن أهمّ المتاحف التي تحفظ آثارهم متحف «إنكا واسي» في لا ريوخا الذي بناه الراهب برناردينو غوميس عام 1926، ومتحف «إريك بومان» في مدينة سانتا ماريا بكاتاماركا، ومتحف «أدان كيروغا» في عاصمة كاتاماركا.

فناء متحف الباتشاماما في أمايتشا ديل فايي بإقليم توكومان، بأرضيته المرصوفة بالحجارة وجدرانه المزيّنة بالنقوش، 2018.
فناء متحف الباتشاماما في أمايتشا ديل فايي بإقليم توكومان، بأرضيته المرصوفة بالحجارة وجدرانه المزيّنة بالنقوش، 2018.Bernard Gagnon · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

تحت حكم الإنكا

نحو عام 1480 تقدّم الإنكا بقيادة توباك يوبانكي إلى أرض الدياغيتا وضمّوها إلى «كولاسويو»، الإقليم الجنوبي من إمبراطوريتهم، وقسّموها إلى ولايات إنكية. وقاوم الدياغيتا الإنكا في البداية، ولا سيّما الكالتشاكي الذين لم يُخضَعوا بسهولة، ثم تحالف بعضهم معهم وصاروا سنداً عسكرياً لهم في فتح كوبيابو وأكونكاغوا.

تحت حكم الإنكا واصل الدياغيتا بناء الطرق والقرى الزراعية والمخازن والمحطّات والحصون، لكن لخدمة المركز في كوسكو، وأقيمت على قمم الجبال مزارات للديانة الإنكية الرسمية. وقسّم الإنكا الوديان إلى شطرين، «أنانسايا» العلوي و«أورينسايا» السفلي، يحكمهما زعيم معيّن. ومع الحرب الأهلية الإنكية ثم سقوط الإمبراطورية نال الدياغيتا استقلالاً فعلياً، ورفضوا سلطة الأمير الإنكي باوشو إنكا الذي تعاون مع دييغو دي ألماغرو، فكان ذلك مدخلاً إلى صدامهم مع الإسبان.

تمثال صغير لرجل جالس ينسب إلى الكالتشاكي، محفوظ في متحف برن التاريخي، 2017.
تمثال صغير لرجل جالس ينسب إلى الكالتشاكي، محفوظ في متحف برن التاريخي، 2017.Rama · CC BY-SA 3.0 fr · ويكيميديا كومنز

حروب كالتشاكي: قرن من المقاومة

وصلت أرضَ الدياغيتا أولُ حملة إسبانية بقيادة دييغو دي ألماغرو عام 1536، واختار معظم الدياغيتا المقاومة، فاندلعت حروب كالتشاكي الثلاث بين عامَي 1560 و1667 في ما هو اليوم ولايات خوخوي وسالتا وتوكومان وكاتاماركا ولا ريوخا. وكانت الوديان الجبلية الوعرة حصناً طبيعياً، بل كانت من المناطق القليلة التي ازداد سكّانها بعد وصول الإسبان، إذ لجأ إليها الفارّون من الخدمة القسرية، حتى بلغ عددهم نحو 12,500 نسمة عام 1583.

الحرب الأولى: في عام 1559 أسّس الحاكم خوان بيريس دي سوريتا مدينة «قرطبة كالتشاكي» آملاً أن يُخضع السكّان للإنكوميندا. وأسر الإسبان زعيماً يُدعى تشومبيتشا، وفاوضوا به أخاه، زعيم بلدة تولومبون، فقبل التعميد وحمل اسم خوان كالتشاكي. لكنّه حين أدرك طبيعة الإنكوميندا الجائرة هاجم الإسبان وطردهم من المدن الثلاث التي أسّسها سوريتا: قرطبة كالتشاكي ولوندريس وكانيتي. وبعد أن دمّر الأوماغواكا مدينة نييفا، اضطرّ كلّ الإسبان في إقليم توكومان إلى التجمّع في سانتياغو ديل إستيرو. ثم لجأ الإسبان إلى تطويق الوديان بمدن جديدة: سان ميغيل دي توكومان (1565) وسالتا (1582) ولا ريوخا (1591) وخوخوي (1593).

الانتفاضة الكبرى: حين تسلّم الحاكم فيليبي دي ألبورنوس منصبه، جاءه وفد من مئتين من دياغيتا والفين، فغضب عليهم وأمر بجلدهم وقصّ شعورهم، وكان قصّ الشعر أشدّ إهانة للرجل عندهم. فأعلن زعيمهم تشاليمين الثورة في يوليو 1630، وتبادلت الجماعات السهام رمزاً للتحالف، وطردت مستوطنيها أو قتلتهم. أُخلِيت مدينة لوندريس، وحوصرت لا ريوخا وهوجمت ثلاث مرّات. وردّ الإسبان بسياسة إرهاب: جثث مشنوقة على الطرق ورؤوس على الرماح وإعدامات علنية بالتقطيع. وفي عام 1637 أُسر تشاليمين فشُنق وقُطّع، ونُقل أربعمئة ناجٍ من الوالفين والأباوكان إلى قرطبة عبيداً في الإنكوميندا. وخلّفت سبع سنوات من الحرب أعداداً كبيرة من القتلى.

الحرب الثالثة (1658–1667): ظهر فيها مغامر أندلسي يُدعى بيدرو بوركيس Pedro Bohórquez، واسمه الأصلي بيدرو تشاميخو، زعم أنّه من سلالة الإنكا باسم «إنكا والبا»، فقبله الدياغيتا قائداً وجمع جيشاً من ستة آلاف مقاتل، وجعل من تولومبون عاصمة مملكة قصيرة العمر حصّنها على الطراز الأوروبي بمدافع من الخشب الصلب. ثم استسلم عام 1659 طمعاً في العفو، فأُرسل إلى ليما وأُعدم هناك. وواصل الحلف القتال بقيادة خوسيه إنريكيس، حتى هُزم الكيلمس عام 1665 وسقط آخر معاقل الدياغيتا في أمايتشا ديل فايي في 2 يناير 1667.

ولكي يمنع الإسبان أيّ ثورة جديدة، فرّقوا الدياغيتا واقتلعوهم من أرضهم، وكان أقسى مثال على ذلك ترحيل الكيلمس سيراً على الأقدام إلى جوار بوينس آيرس. أمّا تولومبون القديمة فدُمّرت نحو عام 1689 وسيق من نجا من أهلها إلى الإنكوميندا. ولجأ بعض أهل الوديان إلى تشاكو الجنوبي متحالفين مع الأبيبون والموكوفي، ويفسّر ذلك جزئياً الانتفاضات الكبرى التي شهدها تشاكو عقب نهاية حروب كالتشاكي، ومنها تدمير مدينة «كونسيبسيون دي بوينا إسبيرانسا» الإسبانية. وخلت الوديان من سكّانها، وتضرّر اقتصاد توكومان عقوداً.

المنطقة المركزية في موقع إل شينكال الأثري كما تُرى من «معبد القمر»، وتحيط بها الجبال والغابة، 2012.
المنطقة المركزية في موقع إل شينكال الأثري كما تُرى من «معبد القمر»، وتحيط بها الجبال والغابة، 2012.Fjturban · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

ما بعد الحرب: الأرض والاعتراف

عومل بعض الجماعات التي لم تشارك في الحرب بشيء من التساهل، وأبرزها الأمايتشا الذين سُمح لهم بالبقاء في أرض أجدادهم. وفي عام 1716 صدر «المرسوم الملكي» الذي اعترف لهم بملكية الأرض، ولا تزال جماعة أمايتشا ديل فايي تستند إليه حتى اليوم في تثبيت كيانها وأرضها الممتدّة من ممرّ إنفييرنيشو عبر قمم كالتشاكي حتى الضفّة الشرقية لنهر سانتا ماريا.

وتذكر المصادر أنّ حكومة الأرجنتين المستقلّة ازدرت اللغات الأصلية حتى لم تُحفظ أيّ بيانات عن متكلّميها في القرن التاسع عشر. ومنذ عام 1995 بدأ المعهد الوطني لشؤون الشعوب الأصلية يمنح الجماعات الشخصية القانونية، فتسجّلت أمايتشا ديل فايي عام 1997 وتلتها عشرات الجماعات في توكومان وسالتا وكاتاماركا ولا ريوخا وسانتياغو ديل إستيرو.

وفي تشيلي يُطلق اسم «الدياغيتا التشيليين» على أهل ثقافة زراعية فخّارية في إقليمَي أتاكاما وكوكيمبو، عاشت في وديان كوبيابو وواسكو وإلكي وليماري وتشوابا، وتحالفت مع الإنكا نحو عام 1470. وبعد الغزو الإسباني تناقص عددهم تناقصاً حادّاً، فمن نحو 30,000 في العهد الإنكي إلى 1,200 فقط في أواخر القرن السادس عشر. وتعترف تشيلي بهم شعباً أصلياً منذ عام 2006، وقد بلغ عددهم 153,231 عام 2024، فهم ثالث الشعوب الأصلية فيها بعد الأيمارا والمابوتشي.

واجهة متحف الباتشاماما في أمايتشا ديل فايي بإقليم توكومان، بجدرانها الحجرية ووجوهها المنحوتة ولافتة تدعو إلى زيارته، 2018.
واجهة متحف الباتشاماما في أمايتشا ديل فايي بإقليم توكومان، بجدرانها الحجرية ووجوهها المنحوتة ولافتة تدعو إلى زيارته، 2018.Bernard Gagnon · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

المعتقدات: الشمس والباتشاماما والأسلاف

مارست شعوب شمال غرب الأرجنتين القديمة، ومنها الدياغيتا، رؤية للعالم قريبة ممّا يُعرف بالديانات الإحيائية. وتقف في قلبها أربع مقدّسات: عبادة الشمس، والباتشاماما، و«الأوتورونغو» أي الجاغوار المقدّس، وتبجيل الأسلاف. فالشمس مصدر الحياة ومنظّم الزمان والمكان وضامن دورات الزراعة، ولها طقوس في الانقلابين والاعتدالين. أمّا الأوتورونغو فليس حيواناً فحسب، بل هيئة شبه بشرية تجسّد القوّة المقدّسة وتتوسّط بين عالم البشر وعالم ما وراء الطبيعة.

للاتصال بالآلهة والأسلاف كان المعالجون يتناولون في الطقوس بذور «السيبيل» cebil المُحدثة لحالات الوعي المتبدّل، طلباً للوحي في شؤون الزرع والشفاء. ولم تكن لديهم طبقة كهنة كما عند الإنكا، بل كان لكلّ قرية كاهن «شامان» يتولّى الطقوس وصحّة الناس. وكانت أجساد الأسلاف المحنّطة، «الماشكي»، تُكسى بالمنسوجات الفاخرة وتُحفظ في الكهوف، وتُخرج لتشهد الاحتفالات الكبرى، لأنّها تمثّل النسب الذي يُشرعن حقّ الجماعة في أرضها.

ونحت الدياغيتا مسلّات حجرية قائمة لتكريم الأسلاف، ارتبطت بطقوس الخصب الموسمية، وكانوا يدفنون موتاهم أحياناً في جرار فخّارية مع اللاما أو الغوناكو المذبوحة ومتاعهم، والجسد منثنٍ على جنبه ورأسه نحو مشرق الشمس، اعتقاداً بحياة بعد الموت للروح فيها الدور الأول.

وفي تقاليد الدياغيتا تظهر الباتشاماما امرأة قصيرة كبيرة القدمين بقبّعة عريضة، أمّ الجبال والبشر، وهيكلها الطبيعة كلّها. ومذابحها «الأباتشيتا»، وهي أكوام حجارة على جوانب الطرق، وفي وسط ساحة أمايتشا ديل فايي واحدة منها. ويرافقها موكب فيه «البوخشاي» سيّد الكرنفال، و«الشاستاي» إله الحيوانات والصيد، و«النيوستا» العذراء الإنكية. وفي الأول من أغسطس تُدفن قرب البيوت قِدر فخّارية فيها طعام مطبوخ، ومعها الكوكا والخمر والسجائر والشيتشا «لإطعام» الأرض، ويربط الناس في معاصمهم وكواحلهم وأعناقهم خيوطاً من صوف اللاما الأبيض والأسود مغزولة إلى اليسار اتّقاءً لغضبها. أمّا اليوم فالمسيحية هي الدين السائد، وتقوم في أمايتشا ديل فايي كنيسة كاثوليكية في ساحتها الرئيسية.

العادات والأعياد والأساطير

أكبر أعياد الدياغيتا اليوم هو العيد الوطني للباتشاماما الذي يُقام كلّ فبراير في أمايتشا ديل فايي، متزامناً مع أيام الكرنفال، ويدوم أسبوعاً يُشكر فيه للأرض ويُطلب منها الخصب للماشية والمحاصيل. وفي اليوم الأخير تُختار امرأة من مسنّات البلدة لتؤدّي دور الباتشاماما، فتركب عربة بثياب فاخرة ترافقها «النيوستا» رمز الخصب، و«الشاستاي» و«البوخشاي»، وتقدّم للحاضرين خمر الموسم الجديد.

ومن أساطيرهم حكاية «تشاشا» و«بوخشاي» التي تُروى في لا ريوخا: فتاة جميلة أحبّت الأمير بوخشاي اللاهي فأعرض عنها، فصعدت إلى الجبال تبكي حتى صارت سحابة تعود كلّ صيف مع قمر فبراير رذاذاً ومطراً خفيفاً. وندم بوخشاي فظلّ يبحث عنها حتى مات وحيداً سكران بالشيتشا. ومن هنا عيد «التشاشا»: فالكلمة في الكيتشوا تعني «ماء الندى»، رمز الانتظار الأزلي للسحاب والماء في أرض عطشى، و«بوخشاي» تعني اللعب والفرح، وهو يعيش في الكرنفال ثلاثة أيام ثم يُدفن حتى العام التالي.

وتحافظ الجماعات على حِرفها: غزل صوف الغنم واللاما ونسج الأبسطة والبونتشو والشالات على النول التقليدي، وهي صنعة تتعلّمها البنات صغيرات من أمّهاتهنّ وجدّاتهنّ، وفخّار أمايتشا الأسود الذي يُشوى في حفرة بنار الروث. وفي عام 1986 أسّس حرفيون ومزارعون من أمايتشا ولوس ساسوس وسانتا ماريا وكيلمس وأمبيمبا تعاونية «لا باتشاماما» لبيع منتجاتهم بلا وسطاء. ومن مؤسّسات البلدة أيضاً المكتبة الشعبية «أمادو خواريس» التي تأسّست رسمياً في 1 أبريل 1907، وتشارك في مراكز الدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية.

أعلام من الدياغيتا

خوان كالتشاكي: زعيم تولومبون الذي قاد الانتفاضة الأولى نحو عام 1561 متحالفاً مع زعيم الأوماغواكا فيلتيبوكو، وطرد الإسبان حتى سانتياغو ديل إستيرو، وبه سُمّيت الوديان.

تشاليمين (ويُذكر أيضاً تشيليمين): زعيم والفين الذي أشعل الانتفاضة الكبرى عام 1630 وقاوم سبع سنوات حتى أُسر وأُعدم عام 1637. وبيدرو بوركيس: المغامر الأندلسي الذي قاد الدياغيتا في مطلع الحرب الثالثة باسم «إنكا والبا» وأُعدم في ليما.

ومن العصر الحديث الناشطة المتحوّلة جنسياً ديانا ساكايان Diana Sacayán (1975–2015).

بطاقة الشعب

  • الاسم الذاتي: دياغيتا، ودياغيتا كالتشاكي، ودياغيتا كاكانو في سانتياغو ديل إستيرو
  • اللغة: الإسبانية؛ لغة الكاكان الأصلية شبه منقرضة ولم يبقَ منها إلا أسماء الأماكن والألقاب
  • العدد: 90,794 نسمة (تعداد 2022)
  • المقاطعات: توكومان، سالتا، كاتاماركا، لا ريوخا، سانتياغو ديل إستيرو، سان خوان، وبوينس آيرس بالهجرة
  • أهمّ المدن والبلدات: أمايتشا ديل فايي، تافي ديل فايي، تولومبون، كافاياتي، كاتشي، مولينوس، سان كارلوس، سانتا ماريا، بيلين، غواندكول
  • الدين والمعتقد: الكاثوليكية مع طقوس الباتشاماما
  • تنظيمات وجماعات: جماعة أمايتشا ديل فايي الأصلية، اتحاد شعوب أمّة الدياغيتا في توكومان، اتحاد جماعات شعب الدياغيتا الكاكانو

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo