الموازي1,555الرسمي1,54514°غائمبوينس آيرس
الخميس، 1 أكتوبر
أسبوع مايو 1810: ما الذي جرى فعلاً في ساحة بوينس آيرس؟Juan Manuel Blanes · Public domain · ويكيميديا كومنز

أسبوع مايو 1810: ما الذي جرى فعلاً في ساحة بوينس آيرس؟

بين 18 و25 مايو 1810 أزاحت بوينس آيرس آخرَ نائبٍ للملك الإسباني وأقامت أوّل حكومةٍ محلّية. يعرض هذا المقال ما جرى يوماً بيوم، ويقارن الصورة المدرسية المألوفة، من المظلّات إلى أشرطة فرينش وبيروتي، بما تقوله الوثائق وأبحاث المؤرّخين.

ساحةٌ تحت المطر تملؤها المظلّات، ورجلان يوزّعان على الناس أشرطةً سماويّة وبيضاء: صورةٌ حفظها الأرجنتينيون منذ المدرسة، لكنّ الوثائق تروي أسبوعاً مختلفاً.

صورة مدرسية مألوفة

يحفظ كلّ تلميذ أرجنتيني مشهداً واحداً عن يوم 25 مايو 1810: جمهورٌ غفيرٌ يقف تحت المطر في الساحة الكبرى أمام مبنى الكابيلدو (مجلس المدينة)، والمظلّات مفتوحة فوق الرؤوس، ورجلان يحملان سلّةً ويوزّعان على المارّة أشرطةً بلونَي العلم الحالي، والناس يهتفون مطالبين بمعرفة ما يجري في الداخل.

هذا المشهد رسمته كتب المدارس ورسوم الاحتفالات أكثر ممّا رسمته الوثائق. فكثيرٌ ممّا يُروى عن ذلك الأسبوع جاء من مذكّراتٍ كتبها أصحابها بعد الأحداث بعقود، وحين عاد المؤرّخون إلى الأوراق المطبوعة والمحاضر الرسمية في القرن العشرين ظهرت صورةٌ أكثر تعقيداً وأقلّ رومانسية.

الساحة الكبرى في بوينس آيرس كما رسمها شارل هنري بيليغريني عام 1829، وكانت تُسمّى يومها «ساحة النصر»
الساحة الكبرى في بوينس آيرس كما رسمها شارل هنري بيليغريني عام 1829، وكانت تُسمّى يومها «ساحة النصر»مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

الخبر الذي أشعل الأسبوع

كانت إسبانيا منذ 1808 تحت احتلال جيوش نابليون، والملك فرديناند السابع أسيراً في فرنسا. وكانت المستعمرات الأمريكية تدين بالولاء لـ«المجلس المركزي» الذي حكم باسم الملك الغائب. وفي 18 مايو 1810 وصلت إلى بوينس آيرس صحفٌ بريطانية تحمل نبأ سقوط ذلك المجلس أمام الفرنسيين.

كان معنى الخبر واضحاً لدى النخبة المحلّية: إذا لم تبقَ في إسبانيا سلطةٌ شرعية، فبأيّ حقٍّ يحكم نائب الملك بالتاسار هيدالغو دي سيسنيروس؟ فتوالت الاجتماعات في بيت نيكولاس رودريغيث بينيا وفي مصنع الصابون الذي يملكه إيبوليتو فييتس، وهما من وجوه التيّار الداعي إلى حكومةٍ محلّية.

الأيام يوماً بيوم

في 19 و20 مايو أُبلغ قادة الكتائب العسكرية بالخبر، وكان أبرزهم كورنيليو سابيدرا قائد كتيبة «الباتريسيوس». وتنسب إليه مذكّراته أنّه قال لنائب الملك إنّ الزمن تغيّر، وإنّ ما كان ممكناً في مطلع 1809 لم يعد ممكناً في مايو 1810. ومن دون دعم العسكر لم يعد في يد سيسنيروس الكثير.

في 21 مايو تجمّع نحو ستمئة رجل في الساحة، وطالبوا بعقد «كابيلدو مفتوح»، أي اجتماعٍ عامّ يُدعى إليه وجهاء المدينة للتشاور في أمرٍ جلل.

وفي 22 مايو انعقد الاجتماع. وُزّعت نحو 450 دعوة، وحضر 251 مدعوّاً، وجرى التصويت على سؤالٍ واحد: هل يبقى نائب الملك في منصبه؟ ويُحصي المؤرّخ ريكاردو ليفيني 155 صوتاً مع عزله مقابل 69 صوتاً مع بقائه. واستغرق فرز الأصوات وإعلانها يوم 23 مايو.

لكنّ الكابيلدو حاول في 24 مايو حلّاً وسطاً: مجلسٌ حاكمٌ من خمسة أعضاء يرأسه سيسنيروس نفسه، ومعه سابيدرا وخوان خوسيه كاستيلي وعضوان آخران. فبدا الأمر كأنّ نائب الملك خرج من الباب ليعود من النافذة، وثار الغضب في الثكنات وبين الشباب المتحمّسين، فاستقال المجلس قبل أن يبدأ.

وفي 25 مايو أدّى «المجلس الأول» (Primera Junta) اليمين: سابيدرا رئيساً، وماريانو مورينو وخوان خوسيه باسو أمينَين للسرّ، وعضويةُ كاستيلي ومانويل بلغرانو وميغيل دي أثكوينياغا ومانويل ألبيرتي ودومينغو ماتيو وخوان لاريا.

صورة طبق الأصل لمحضر التصويت في الكابيلدو المفتوح يوم 22 مايو 1810
صورة طبق الأصل لمحضر التصويت في الكابيلدو المفتوح يوم 22 مايو 1810Cabildo de Buenos Aires · Public domain · ويكيميديا كومنز

أسطورة المظلّات

أشهر ما في الصورة المدرسية ساحةٌ مسقوفةٌ بالمظلّات. والمشكلة أنّ المظلّة لم تكن سنة 1810 أداةً يومية في يد عامّة سكّان بوينس آيرس، بل شيئاً نادراً لا يملكه إلا القليل. فصورة مئات المظلّات المفتوحة معاً أقرب إلى خيال الرسّامين الذين أعادوا تصوير اليوم بعد زمنٍ طويل، حين صارت المظلّة شائعة.

ولم يكن الحشد نفسه بالحجم الذي توحي به الصورة. فمن حضروا التصويت يوم 22 كانوا بضع مئاتٍ من المدعوّين، ومن ملؤوا الساحة يوم 21 قُدّروا بنحو ستمئة رجل، في مدينةٍ كان عدد سكّانها بضع عشرات من الآلاف.

دومينغو فرينش (1774–1825)، أحد قادة الرجال الذين سيطروا على مداخل الساحة في أسبوع مايو
دومينغو فرينش (1774–1825)، أحد قادة الرجال الذين سيطروا على مداخل الساحة في أسبوع مايومؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

فرينش وبيروتي: لا سلّة ولا ابتسامة

تصوّر الكتب المدرسية دومينغو فرينش وأنطونيو لويس بيروتي رجلين مسالمين يوزّعان الأشرطة على المارّة. والواقع أنّهما كانا يقودان جماعةً من الشبّان المتحمّسين عُرفوا بـ«الشرارات» (chisperos)، يحملون أسلحةً مخفيّةً تحت معاطفهم، ويتحكّمون في الدخول إلى الساحة كي لا يصلها أنصار نائب الملك.

أمّا الأشرطة فقد وُزّعت حقّاً، لكنّها كانت أشبه بعلامةٍ تميّز الأنصار وتفتح لهم الطريق إلى أروقة الكابيلدو حيث يُتّخذ القرار. وتذكر الوثائق أشرطةً بيضاء وأوراقاً مطبوعة. ويرى بعض المؤرّخين، ومنهم ماركيلا تيرنافاسيو، أنّ الألوان ربّما كانت الأحمر والأزرق السماوي. وفي كلّ الأحوال لم تكن تلك أشرطة «العلم الأرجنتيني»، فالشارة السماوية والبيضاء لم تُعتمد رسمياً إلا في فبراير 1812.

إحدى الشارات التي استعملها أنصار الثورة بين 1810 و1812، قبل اعتماد الشارة الوطنية رسمياً
إحدى الشارات التي استعملها أنصار الثورة بين 1810 و1812، قبل اعتماد الشارة الوطنية رسمياًمؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

حكومةٌ باسم الملك

تفصيلٌ آخر تُسقطه الصورة المدرسية: المجلس الأول لم يُعلن الاستقلال. بل أقسم أعضاؤه على حفظ هذه البلاد لفرديناند السابع، الملك الأسير، وحكموا باسمه. ويسمّي المؤرّخون ذلك «قناع فرديناند السابع»، ويختلفون في معناه: أكان ولاءً صادقاً لملكٍ غائب، أم ستاراً يُخفي نيّة الاستقلال حتّى تنضج الظروف؟

الثابت أنّ إعلان الاستقلال لم يأتِ إلا بعد ستّ سنوات، في مؤتمر توكومان يوم 9 يوليو 1816. أمّا ما جرى في مايو 1810 فكان قطيعةً مع سلطة نائب الملك، وبدايةَ طريقٍ طويلٍ امتلأ بالحروب والخلافات الداخلية.

نقشٌ بارز للنحّاتة الأرجنتينية لولا مورا (1901) يصوّر أحداث ثورة مايو
نقشٌ بارز للنحّاتة الأرجنتينية لولا مورا (1901) يصوّر أحداث ثورة مايوLola Mora (1866 - 1936) / Cambalachero (foto) · Public domain · ويكيميديا كومنز

من طلب الاجتماع العام؟

حتّى الرواية «الجادّة» عن الأسبوع راجعها المؤرّخون. فقد شاع أنّ الثوار هم من فرضوا عقد الكابيلدو المفتوح. لكنّ المؤرّخ روبرتو مارفاني رأى، بعد تحليلٍ دقيقٍ للوثائق، أنّ سيسنيروس نفسه هو الذي سعى إلى هذا الاجتماع، أملاً في أن يمنحه وجهاء المدينة المحافظون غطاءً يُبقيه في السلطة. فانقلبت الأداة على صاحبها.

وقد تغيّرت معرفة المؤرّخين بالأسبوع كلّه في منتصف القرن العشرين، حين عثر باحثون على مطبوعاتٍ ومحاضر أصلية من تلك الأيام لم تكن معروفة، فصحّحوا كثيراً ممّا نقلته المذكّرات المتأخّرة.

أعضاء المجلس الأول، تفصيل من لوحة للرسّام خوليو بيلا إي برادِس (1910)
أعضاء المجلس الأول، تفصيل من لوحة للرسّام خوليو بيلا إي برادِس (1910)Julio Vila y Prades · Public domain · ويكيميديا كومنز

لماذا تبقى الأسطورة؟

لا تعني هذه التصحيحات أنّ ثورة مايو أقلّ شأناً. فقد كانت لحظةً فاصلة انتقلت فيها السلطة من موظّفٍ يعيّنه التاج الإسباني إلى حكومةٍ ولدت في المدينة نفسها. لكنّ الصورة المبسّطة، بمظلّاتها وأشرطتها، صُنعت لتعليم الأطفال الولاء لرموز الوطن، فصارت مع الزمن «حقيقةً» يعرفها الجميع.

والفرق بين الصورتين ليس تفصيلاً ترفيهياً: الأولى تقدّم شعباً موحّداً هادئاً ينتظر تحت المطر، والثانية تكشف صراعاً سياسياً بين جماعاتٍ مسلّحة ووجهاءَ ورجالِ دين وعسكر، وتسوياتٍ فشلت قبل أن تنجح. وهذا الصراع هو ما سيطبع السنوات التالية كلّها.

بيان المجلس الحاكم المؤقّت إلى سكّان ريو دي لا بلاتا بعد أحداث مايو 1810
بيان المجلس الحاكم المؤقّت إلى سكّان ريو دي لا بلاتا بعد أحداث مايو 1810Primera Junta · Public domain · ويكيميديا كومنز
مبنى الكابيلدو في بوينس آيرس قرابة 1890، قبل هدم جزءٍ من جناحه الأيمن
مبنى الكابيلدو في بوينس آيرس قرابة 1890، قبل هدم جزءٍ من جناحه الأيمنمؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

للتوسّع: فيليبي بينيا، «أساطير التاريخ الأرجنتيني» (Los mitos de la historia argentina)، الجزء الأول، دار بلانيتا، 2004.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo