الاثنين، 31 أغسطس
ميركوسور.. القوة الاقتصادية التي تربط الأرجنتين بجيرانها

ميركوسور.. القوة الاقتصادية التي تربط الأرجنتين بجيرانها

بوينس آيرس – أخبار الأرجنتين

ليس من السهل فهم الاقتصاد الأرجنتيني أو علاقاته التجارية من دون التوقف عند ميركوسور (MERCOSUR)، التكتل الاقتصادي الذي يجمع عددًا من أهم اقتصادات أمريكا الجنوبية، والذي يمثل بالنسبة إلى الأرجنتين سوقًا أساسية لصادراتها ومصدرًا مهمًا للواردات والاستثمارات، وبعد أكثر من 35 عامًا على تأسيسه، يدخل ميركوسور مرحلة جديدة مع انضمام بوليفيا كدولة طرف جديدة، وتطبيق الاتفاق التجاري المؤقت مع الاتحاد الأوروبي، في وقت يحاول فيه أعضاء التكتل توسيع تجارتهم مع العالم.

ما هو ميركوسور؟

ميركوسور، أو السوق المشتركة للجنوب، تأسس في 26 مارس 1991 عندما وقعت الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي معاهدة أسونسيون في باراغواي، وكان الهدف الأساسي إنشاء مساحة اقتصادية مشتركة تسمح بتسهيل التجارة والاستثمارات وتعزيز اندماج اقتصادات دول المنطقة، وبمرور السنوات توسع التكتل، وأصبحت بوليفيا دولة طرف جديدة، بينما لا تزال فنزويلا معلقة العضوية في حقوقها والتزاماتها داخل التكتل.

أما الدول الأعضاء الفاعلة حاليًا فهي:

الأرجنتين
البرازيل
باراغواي
أوروغواي
بوليفيا

وتوجد إلى جانبها دول مرتبطة بصفة دول منتسبة، من بينها تشيلي وكولومبيا والإكوادور وبيرو وغويانا وسورينام وبنما.

لماذا ميركوسور مهم للأرجنتين؟

بالنسبة إلى الأرجنتين، لا يمثل ميركوسور مجرد اتفاق سياسي بين دول الجوار، بل هو جزء أساسي من تجارتها الخارجية، وتشير بيانات وزارة الخارجية الأرجنتينية إلى أن التجارة مع دول ميركوسور شكلت في عام 2025 نحو 18.9% من إجمالي صادرات السلع الأرجنتينية و29% من وارداتها، وكانت البرازيل اللاعب الأكبر بفارق واضح، إذ استحوذت على 77.6% من صادرات الأرجنتين إلى دول التكتل، وكانت مصدرًا لنحو 83.7% من واردات الأرجنتين من ميركوسور، وتظهر أهمية العلاقة بصورة أوضح عند النظر إلى التجارة الأرجنتينية-البرازيلية مباشرة، ففي عام 2025 بلغ حجم التجارة بين البلدين 31.195 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013، بزيادة 12% مقارنة بعام 2024.

سوق ضخمة للمنتجات الأرجنتينية

يمنح ميركوسور الشركات الأرجنتينية وصولًا تفضيليًا إلى سوق إقليمية ضخمة، مع تطبيق قواعد مشتركة للتجارة والمنشأ، وتشير وثيقة رسمية أرجنتينية إلى أن التكتل يوفر وصولًا تفضيليًا إلى سوق تضم نحو 300 مليون نسمة، مع إعفاءات جمركية داخلية للسلع التي تستوفي قواعد المنشأ الخاصة بميركوسور، وهذا مهم بالنسبة لقطاعات عديدة، من بينها السيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية والطاقة والصناعات التحويلية، كما أن التكامل الصناعي بين الأرجنتين والبرازيل يجعل البلدين أكثر ارتباطًا من مجرد علاقة تصدير واستيراد تقليدية.

يجد ميركوسور نفسه أمام سؤال أساسي: هل يبقى تكتلًا إقليميًا يركز على التجارة بين أعضائه، أم يتحول إلى منصة تفاوضية واقتصادية أكبر

ميركوسور ليس تجارة فقط

رغم أن التجارة كانت المحرك الأساسي لإنشاء التكتل، فإن ميركوسور توسع ليشمل ملفات سياسية واجتماعية وحقوقية، فالتكتل يمتلك مؤسسات مثل برلمان ميركوسور، ومعهد حقوق الإنسان، والمعهد الاجتماعي، والمحكمة الدائمة لمراجعة النزاعات، كما أن الديمقراطية أصبحت أحد المبادئ الأساسية للتكتل، وهو ما ظهر بوضوح في بيانات قادة الدول خلال قمة ميركوسور الأخيرة في أسونسيون في يونيو 2026.

الاتحاد الأوروبي.. الصفقة الأكبر

أحد أكبر التطورات في تاريخ ميركوسور جاء مع الاتحاد الأوروبي، بعد نحو 25 عامًا من المفاوضات، تم توقيع الاتفاق بين الجانبين في 17 يناير 2026، وبدأ تطبيق الاتفاق التجاري المؤقت في 1 مايو 2026، وتكتسب الصفقة أهمية كبيرة بالنسبة إلى الأرجنتين؛ لأنها تفتح فرصًا أكبر أمام صادراتها إلى السوق الأوروبية، وفي المقابل تسمح بزيادة دخول المنتجات الأوروبية إلى سوق ميركوسور، لكن الاتفاق لا يخلو من الجدل، خصوصًا داخل أوروبا، حيث أبدى مزارعون ودول أوروبية مخاوف من المنافسة التي يمكن أن تمثلها المنتجات الزراعية القادمة من أمريكا الجنوبية.

الأرجنتين تريد ميركوسور أكثر انفتاحًا

تدفع حكومة الرئيس خافيير ميلي باتجاه جعل ميركوسور أكثر انفتاحًا على الأسواق العالمية، بدل أن يبقى التكتل مركزًا على التجارة الداخلية بين دول أمريكا الجنوبية، وهذا التوجه ينسجم مع السياسة الاقتصادية التي تتبناها الحكومة، والتي تركز على خفض الحواجز التجارية وفتح الاقتصاد أمام المنافسة والاستثمارات الخارجية،لكن داخل ميركوسور توجد أحيانًا اختلافات في الرؤية بين الدول الأعضاء، خصوصًا حول سرعة فتح الأسواق، والتعريفات الجمركية، وكيفية التفاوض مع دول خارج التكتل، وهذه الخلافات أصبحت أكثر وضوحًا مع اختلاف المواقف السياسية والاقتصادية بين حكومات المنطقة.

البرازيل.. الشريك الذي لا يمكن تجاهله

حتى مع التوتر السياسي الأخير بين ميلي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تبقى البرازيل الشريك التجاري الأهم للأرجنتين داخل ميركوسور، فالاقتصادان مرتبطان بشبكة واسعة من التجارة والاستثمارات، وخصوصًا في قطاع السيارات، إلى جانب الزراعة والطاقة والصناعات المختلفة، وهذا يجعل أي أزمة سياسية بين بوينس آيرس وبرازيليا ذات أهمية تتجاوز العلاقات الدبلوماسية، لأن استمرار الخلافات يمكن أن ينعكس على الشركات والتجارة وسلاسل الإنتاج في البلدين.

تكتل في مواجهة عالم متغير

يأتي مستقبل ميركوسور في وقت تتغير فيه خريطة التجارة العالمية بسرعة، الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر للتكتل على مستوى العالم؛ ففي بيانات التجارة التي أوردتها الحكومة البرازيلية، استحوذت الصين على نحو 29% من صادرات ميركوسور في 2023، مقابل 14% للاتحاد الأوروبي و12% للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، يفتح اتفاق الاتحاد الأوروبي بابًا جديدًا أمام التكتل، بينما تظل الولايات المتحدة والصين وأوروبا أسواقًا ومصادر استثمار رئيسية لدول المنطقة.

وهكذا يجد ميركوسور نفسه أمام سؤال أساسي: هل يبقى تكتلًا إقليميًا يركز على التجارة بين أعضائه، أم يتحول إلى منصة تفاوضية واقتصادية أكبر تربط أمريكا الجنوبية بالاقتصاد العالمي؟

ماذا يعني ذلك للأرجنتين؟

بالنسبة إلى الأرجنتين، الإجابة مهمة للغاية، فالبلاد تمتلك موارد ضخمة في الزراعة والطاقة والتعدين والصناعة، وتحتاج إلى أسواق خارجية لتوسيع صادراتها وجذب العملات الأجنبية والاستثمارات، ولهذا فإن نجاح ميركوسور في فتح أسواق جديدة يمكن أن يمنح المنتجات الأرجنتينية فرصًا أكبر، خصوصًا في ظل صعود صادرات الطاقة والمنتجات الزراعية، لكن في المقابل، فإن فتح الأسواق يعني أيضًا دخول منتجات أجنبية إلى الأرجنتين وزيادة المنافسة أمام الشركات المحلية، ولهذا فإن معركة ميركوسور المقبلة لن تكون فقط حول كمية التجارة، بل حول من سيستفيد منها، وكيف ستتوزع مكاسبها بين اقتصادات الدول الأعضاء.

ميركوسور بالأرقام

1991: تأسيس التكتل بمعاهدة أسونسيون.

5: الدول الأطراف الفاعلة حاليًا.

7: الدول المنتسبة إلى التكتل.

نحو 300 مليون: حجم السوق الذي يوفره التكتل لأعضائه وفق وثيقة رسمية أرجنتينية.

31.2 مليار دولار: حجم التجارة بين الأرجنتين والبرازيل في 2025.

18.9%: حصة ميركوسور من صادرات الأرجنتين في 2025.

29%: حصة التكتل من واردات الأرجنتين في العام نفسه.

1 مايو 2026: بدء التطبيق المؤقت لاتفاق التجارة بين ميركوسور والاتحاد الأوروبي.

الخلاصة

بعد 35 عامًا من تأسيسه، لم يعد ميركوسور مجرد مشروع لتسهيل التجارة بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي. دخول بوليفيا كدولة طرف، وتطبيق اتفاق التجارة مع الاتحاد الأوروبي، وتزايد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا على أسواق أمريكا الجنوبية، كلها عوامل تجعل التكتل أمام مرحلة جديدة.

وبالنسبة إلى الأرجنتين، يبقى ميركوسور أحد أهم مفاتيح تجارتها الخارجية، لكن نجاحه في السنوات المقبلة سيتوقف على قدرته على تحقيق توازن بين حماية الأسواق المحلية وفتح أبواب جديدة أمام الصادرات والاستثمارات.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo