متحف الفن الحديث في بوينس آيرس: من «المتحف الشبح» إلى مصنع التبغ القديم في سان تيلمو
متحف الفن الحديث في بوينس آيرس، المعروف بـ«الموديرنو»، مؤسسة عامة أنشئت عام 1956 بمبادرة من الناقد رافائيل سكيرو. يشغل منذ 1989 مبنى مصنع التبغ القديم «بيكاردو» على جادة سان خوان في حيّ سان تيلمو، وتضم مجموعته قرابة 11,000 عمل من الفن الأرجنتيني والعالمي الحديث والمعاصر.
بدأ متحف الفن الحديث في بوينس آيرس حياته بلا جدران، حتى سمّته الصحافة «المتحف الشبح»، وكانت أول معارضه على ظهر سفينة جابت عشرين مدينة حول العالم.
متحف للطليعة
متحف الفن الحديث في بوينس آيرس Museo de Arte Moderno de Buenos Aires، الذي يسميه أهل المدينة «الموديرنو»، متحف عام للفن الحديث والمعاصر يقع على جادة سان خوان رقم 350 في حيّ سان تيلمو، وتبلغ مساحته نحو 11,000 متر مربع.
كانت رسالته منذ البداية أن يكون متحفاً طليعياً، ونقطة التقاء لأحدث إنتاج في كل الفنون، يحرّك التفاعل بينها ويضعها في إطار مؤسسي. وقد ظل هذا الطموح يرافقه من سنواته الأولى المتنقلة إلى مقره الحالي في مصنع تبغ قديم.
الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -34.6218, -58.3705. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
رافائيل سكيرو: «المتحف هو أنا»
أنشئ المتحف عام 1956 بمبادرة من الناقد الفني رافائيل سكيرو Rafael Squirru، مؤسسه وأول مديريه، وقد افتُتح في 11 أبريل من ذلك العام. كان سكيرو يومها محامياً شاباً شغوفاً بالثقافة، وصار من أكبر المروّجين للفن الأرجنتيني ورفيقاً لفناني عصره، وكان صديقاً لفنانين مثل توماس مالدونادو وبينيتو كينكيلا مارتين.
نصّ مرسوم التأسيس على أن يكون مقر المتحف في المبنى الحديث لـ«مسرح البلدية الجنرال سان مارتين» في شارع كورّيينتس، من تصميم المعماري ماريو روبرتو ألفاريس. غير أن المبنى كان لا يزال قيد الإنشاء، ولم يكتمل إلا في منتصف عام 1960، فعاش المتحف سنواته الأربع الأولى متنقلاً، وأطلقت عليه الصحافة لقب «المتحف الشبح». وكان سكيرو يجيب الصحفيين حين يسألونه عن المتحف بعبارة فرنسية معناها: «المتحف هو أنا».

معرض عائم حول العالم
لم يمنع غياب المقر سكيرو من إطلاق نشاط المتحف. فكانت أولى مبادراته «المعرض العائم الأول لخمسين رساماً أرجنتينياً»: على متن السفينة «شابيشو» جاب المتحف عشرين مدينة حول العالم في 164 يوماً، حاملاً أعمال أكثر من 50 فناناً أرجنتينياً، منهم كارلوس ألونسو وخوان باتيه بلاناس وأنطونيو بيرني وراكيل فورنر ورامون غوميس كورنيت.
وتبعت ذلك معارض أقيمت في أماكن متفرقة من المدينة، بعضها مخصص للفنون البصرية وبعضها خارج عالم الفن تماماً، مثل الحديقة النباتية. وفي عام 1960 اكتمل أخيراً مبنى مسرح سان مارتين، فصار للمتحف مكان خاص به.
وفي عام 1966، في إطار معرض «ذو اللحية الزرقاء» الذي جمع الرسم والموسيقى والعمارة للويس بينيديت وفيسنتي ماروتا والموسيقي ميغيل أنخيل روناندو، زار المتحف ألفريد بار، أول مدير لمتحف الفن الحديث في نيويورك. ورأى سكيرو تشابهاً بين المؤسستين، فقال إن متحفه بدأ، كالمتحف الذي أداره بار، بكل تواضع.

مصنع التبغ في جادة سان خوان
في عام 1989 استقر المتحف في مقره النهائي على جادة سان خوان 350، حيث كان يعمل قديماً مصنع التبغ «بيكاردو». يعود المبنى إلى عام 1918، وقد شُيّد للمصنع بواجهة لافتة متأثرة بعمارة النهضة الجديدة في شمال إيطاليا.
بدأت أعمال تهيئته لوظيفته الجديدة عام 1987، مع الحفاظ على بعض سماته الأصلية، كالواجهة من الطوب الأحمر الشبيهة بمخازن منطقة الميناء لكن بتشطيب أكثر عناية، والباب الكبير المصنوع من الخشب المقوّى بصفائح الحديد والمسامير الخشنة.
وفي هذا المقر، في عهد المديرين راؤول سانتانا (1991–1997) ولاورا بوتشيلاتو (1997–2013)، أقيمت معارض لا تُنسى، منها معارض يوزف بويس (1993) وجماعة «كوبرا» (1994) ويوكو أونو (1998) وخوان كارلوس روميرو (2000) وفيديريكو مانويل بيرالتا راموس (2003)، إلى جانب معارض المجموعة.

التوسعة: من 2005 إلى إعادة الافتتاح عام 2018
في عام 2005، مع تزايد المقتنيات والحاجة إلى فضاءات أكثر مرونة للمعارض، ظهرت الحاجة إلى التوسعة. وتبرّع المعماري المعروف إميليو أمباس بالمشروع، الذي لم يقتصر على توسيع مساحة العرض بل وفّر أيضاً أماكن ملائمة لحفظ التراث وفق توصيات المجلس الدولي للمتاحف. وقد رشّح أمباس المعماري كارلوس سالابيري الذي قاد المشروع مع مكتب «إم/إس جي/إس/إس/إس».
جمع المشروع بين مبنى المتحف القائم في مصنع التبغ القديم والمبنى الواقع على زاوية جادة سان خوان وشارع ديفينسا، الذي كان تابعاً لمتحف السينما. وبعد تجديد دام خمس سنوات وكلّف 15 مليون دولار أعيد فتح المبنى الرئيسي للجمهور في ديسمبر 2010، وفي تلك المرحلة الأولى اكتملت أيضاً واجهة مبنى الزاوية.
وبعد 62 عاماً على تأسيسه، صار للموديرنو لأول مرة مقر مكتمل، إذ أعيد افتتاحه في 12 يوليو 2018 بعد إنجاز التوسعة. أصبح للمتحف سبع قاعات عرض، واتسعت مساحة العرض من 2,300 إلى 4,000 متر مربع، ثلاث قاعات منها مخصصة للمجموعة، والبقية لمعارض الفن الحديث والمعاصر الأرجنتيني والعالمي.
ويقوم المسار الجديد على حركة عبر الجزء الخلفي من المبنى تلتقي في درج نحتي جديد من الحديد والرخام والمرايا يربط المستويات الخمسة. وفُتحت نوافذ تُدخل الضوء الطبيعي وتطل على سان تيلمو، وأضيفت قاعة للتعليم، وفضاء تفاعلي للأسر يربط الفن بالعلوم والتكنولوجيا، ومقهى ومتجر للكتب الفنية مساحته 155 متراً مربعاً.

المجموعة: نحو 11,000 عمل
بدأ سكيرو بناء المجموعة منذ يومه الأول في الإدارة، وهي اليوم قرابة 11,000 عمل. فبالشراء وبهبات الفنانين والأفراد دخلتها أعمال ألبرتو غريكو وكينيث كيمبل ولويس ويلس ولويس فيليبي نويه وميغيل أنخيل فيدال وإدواردو ماك إنتاير وراكيل فورنر وأنطونيو بيرني. وواصل المدير التالي أوغو باربانيولي النهج، فأضاف أعمال ألبرتو إيريديا وخوان كارلوس كاستانيينو وليون فيراري ومانولو ميشاريس.
وأبرز ما دخل المجموعة الهبة الكبرى لـمجموعة الدكتور إغناسيو بيروفانو، التي قدّمتها شقيقته خوسيفينا بيروفانو دي ميورا عام 1981. تكوّنت هذه المجموعة منذ الخمسينيات بالتعاون مع توماس مالدونادو، الذي كتب إلى جامعها عام 1954 أنه متحمس لفكرة أن تكون مجموعته أساساً لـ«متحف الفن الحديث» المنشود. وكان الرجلان يريدان بناء أرجنتين حديثة، وسلاحهما مجموعة من الفن التجريدي تسهم في تصميم بلد جديد. وقد عرض المتحف هذه المجموعة في السنوات الأخيرة في «حلقات» متتابعة تكريماً لـ«الطريق إلى التجريد».
وتضم المجموعة كذلك أعمالاً لخوان ديل بريتي (1989) وهبتها الفنانة أوخينيا كرينوفيتش، والإرث الكبير للفنان ألبرتو إيريديا (2000). وفي عهد لاورا بوتشيلاتو بدأت مجموعة للتصوير الفوتوغرافي المعاصر، وأنشئت مجموعة للتصميم الصناعي والغرافيكي بمشورة المعماري ريكاردو بلانكو (1940–2017). وفي عام 2014 تلقى المتحف من مؤسسة أوغوستو وليون فيراري 72 عملاً على الورق لليون فيراري.
ومن الأسماء الأخرى الحاضرة في المجموعة يوزف ألبرس وفاسيلي كاندينسكي وإميليو بيتوروتي وشول سولار ومارتا مينوخين ورومولو ماتشيو ومارسيلو بومبو.

الموديرنو اليوم
في أغسطس 2013 تولت فيكتوريا نورثورن إدارة المتحف، وسعت إلى استعادة بعض قيمه التأسيسية عبر برنامج واسع من المعارض لفنانين محليين، منهم ليليانا ماريسكا ودييغو بيانكي وسيرخيو أفيشو وإدغاردو أنطونيو فيغو وأنطونيو بيرني ومارتا مينوخين، ولفنانين عالميين كرّس لهم معارض مثل معرض بيكاسو.
ورافق المعارضَ قسمُ تعليم متجدد يخرج بالمتحف أحياناً خارج جدرانه ليبلغ جماهير جديدة. وفي عام 2013 أطلق المتحف دورة سينمائية بعنوان «السينما شيء آخر»، وفاءً لارتباطه التاريخي بالسينما التجريبية، ويُختار لها محور كل عام. كما عمّق سياسته في النشر، فأصدر أولى الدراسات عن فنانين أرجنتينيين من الجيل الأوسط، مثل ليليانا ماريسكا وتوماس ساراسينو وآنا غاشاردو ومارينا دي كارو.
وأعاد المتحف فتح أبوابه عام 2018 بمعرض «حكاية عالمين: الفن التجريبي 1944–1989» الذي شغل قاعاته كلها، من إعداد نورثورن والقيّم خافيير فيشا وكلاوس غورنر من متحف الفن الحديث في فرانكفورت. وقد وضع المعرض روائع مجموعة فرانكفورت في حوار مع أبرز أعمال فن أمريكا اللاتينية بين الأربعينيات والثمانينيات، في 500 عمل لـ117 فناناً ومجموعة من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وأوروبا.
ويقع ملحق المكتبة والأرشيف في شارع أدولفو ألسينا رقم 963.
بطاقة المتحف
- الاسم الرسمي: متحف الفن الحديث في بوينس آيرس Museo de Arte Moderno de Buenos Aires
- التأسيس: 1956، بمبادرة من الناقد رافائيل سكيرو
- الافتتاح في المقرّ الحالي: 1989 في مقره الحالي؛ أعيد افتتاحه بعد التوسعة في 12 يوليو 2018
- المبنى: مصنع التبغ القديم «بيكاردو» (1918)، بواجهة من الطوب الأحمر متأثرة بالنهضة الجديدة في شمال إيطاليا؛ توسعة بمشروع تبرّع به إميليو أمباس وقادها كارلوس سالابيري
- العنوان: جادة سان خوان 350، سان تيلمو، بوينس آيرس
- المجموعة: قرابة 11,000 عمل من الفن الأرجنتيني والعالمي الحديث والمعاصر، مع مجموعات للتصوير الفوتوغرافي والتصميم
- أبرز المقتنيات: مجموعة الدكتور إغناسيو بيروفانو للفن التجريدي، 72 عملاً على الورق لليون فيراري، إرث ألبرتو إيريديا
- الجهة المشرفة: مؤسسة عامة










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.