متحف أوراسيو كيروغا في سان إغناسيو: بيت سيّد القصّة القصيرة في غابة ميسيونس
متحف أوراسيو كيروغا الإقليمي، المعروف أيضاً باسم «بيت أوراسيو كيروغا»، متحف أدبي في بلدة سان إغناسيو بمقاطعة ميسيونس شمال شرق الأرجنتين، أُقيم في البيت الذي عاش فيه الكاتب الأوروغوايي وعمل. يحفظ أثاثه وصوره وأدواته وأوانيه وأوراقاً بخطّ يده، ويعمل في الوقت نفسه مركزاً ثقافياً فيه قاعة للعروض، وقد أعلنته حكومة المقاطعة معلماً تاريخياً إقليمياً.
في بيت على أطراف غابة ميسيونس عاش أوراسيو كيروغا وكتب، ومن مناظرها وُلدت «حكايات الغابة» التي قرأها أطفال القارّة جيلاً بعد جيل.
بيت الكاتب في سان إغناسيو
متحف أوراسيو كيروغا الإقليمي Museo Provincial Horacio Quiroga، الذي يُعرف كذلك باسم «بيت أوراسيو كيروغا» Casa de Horacio Quiroga، متحف يقع في مدينة سان إغناسيو بمقاطعة ميسيونس في الشمال الشرقي من الأرجنتين. أُقيم المتحف في البيت الذي عاش فيه الكاتب أوراسيو كيروغا وعمل، وهو واحد من أساتذة القصّة القصيرة في أمريكا اللاتينية.
لا يقتصر المكان على دور المتحف؛ فهو يضمّ قاعة للعروض ويعمل مركزاً ثقافياً تُستعمل مساحاته للنشاطات الفنّية والثقافية والاجتماعية. وقد أعلنته حكومة مقاطعة ميسيونس معلماً تاريخياً إقليمياً، اعترافاً بقيمة البيت في تاريخ الأدب وفي ذاكرة المقاطعة.
والبيت محاط بمناظر الغابة الاستوائية التي شغلت كيروغا طوال حياته. فمن هذه المناظر استمدّ مادّة كتابه «حكايات الغابة» Cuentos de la selva الذي صدر في بوينس آيرس عام 1918، وهو من أشهر ما كتب وأكثره انتشاراً بين القرّاء الصغار.
الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -27.26502, -55.55211. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
ما يحفظه المتحف
يحفظ المتحف مقتنيات عاش بها الكاتب في يومه العادي: الأثاث الذي استعمله، والصور الفوتوغرافية، والأدوات التي كان يشتغل بها، وأواني المائدة، إلى جانب أوراق مخطوطة بخطّ يده. ومن أبرز ما يُعرض فيه درّاجة كيروغا النارية، وهي من أكثر القطع التي ترتبط بصورته في البلدة.
ولهذه المقتنيات صلة مباشرة بسيرة الرجل؛ فقد كان منذ صباه مولعاً بالكيمياء والتصوير والميكانيك وركوب الدرّاجات وحياة الريف، وكان يقضي ساعات طويلة في ورشة لإصلاح الآلات والأدوات. وفي بيته في ميسيونس أقام ورشة خاصّة، وكان يقرأ بلا كلل الكتب التقنية وأدلّة الميكانيك والفيزياء والصناعات اليدوية.
ولذلك يرى الزائر في البيت صورة الكاتب الذي بنى بيده، وزرع، وصنع القوارب، وصوّر، إلى جانب صورة الأديب الذي جعل من الغابة بطلاً من أبطال قصصه.

من هو أوراسيو كيروغا
وُلد أوراسيو سيلفستري كيروغا فورتيسا في 31 ديسمبر 1878 في مدينة سالتو شمال غرب الأوروغواي، على ضفّة نهر الأوروغواي. كان أبوه برودينسيو فاكوندو كيروغا نائب القنصل الأرجنتيني في سالتو، وأمّه باستورا فورتيسا. ويعود نسب أبيه إلى أخ أصغر للزعيم الأرجنتيني فاكوندو كيروغا.
طبعت المآسي حياته منذ البداية: فقد مات أبوه برصاصة انطلقت من بندقيّته عرَضاً أمام أسرته، وكان أوراسيو في شهره الثاني. ثمّ تزوّجت أمّه عام 1891 من أسينسيو باركوس الذي أصبح له زوج أمّ طيّباً، لكنّه أُصيب بجلطة دماغية عام 1896 تركته شبه مشلول، ثمّ انتحر بعد ذلك بحضور أوراسيو وهو في الثامنة عشرة.
درس في مونتيفيديو، عاصمة الأوروغواي، ونشر منذ شبابه في مجلّات محلّية. وبعد رحلة إلى باريس عام 1900 عاد منها فقيراً، أسّس مع أصدقائه في مونتيفيديو جماعة أدبية تجريبية سمّوها «مجمع العلم المرح». غير أنّ حادثاً مأساوياً آخر أنهى هذه المرحلة: فبينما كان ينظّف مسدّساً لصديقه فيديريكو فيرّاندو الذي كان يستعدّ لمبارزة، انطلقت منه رصاصة قتلت الصديق. احتُجز كيروغا أربعة أيام ثمّ أُطلق سراحه بعد ثبوت أنّ القتل وقع خطأً، فحلّ الجماعة وعبر نهر لا بلاتا إلى الأرجنتين عام 1902.

الطريق إلى ميسيونس
في بوينس آيرس عمل كيروغا مدرّساً للغة الإسبانية. وفي يونيو 1903، وقد صار مصوّراً بارعاً، رافق الشاعر ليوبولدو لوغونيس في بعثة إلى ميسيونس موّلتها وزارة التربية لدراسة أطلال البعثات اليسوعية في المقاطعة، فكان مصوّر الرحلة وموثّقها. وكانت تلك الرحلة أوّل لقاء له بالغابة التي ستصبح موضوعه الأكبر، ومنها خرجت روايته القصيرة «المطارَدون» (1905).
وفي عام 1906 قرّر العودة إلى «غابته المحبوبة». فاستفاد من التسهيلات التي كانت الحكومة تقدّمها لاستغلال الأراضي، واشترى بالشراكة مع صديقه الأوروغوايي فيسنتي غوسالبو مزرعة مساحتها 185 هكتاراً في ميسيونس على ضفّة نهر بارانا الأعلى، وأخذ يستعدّ للإقامة فيها.
وفي عطلة عام 1908 انتقل إلى أرضه الجديدة، فأقام المنشآت الأولى وبدأ بناء البيت الخشبي الذي سيستقرّ فيه. ثمّ تزوّج من تلميذته آنا ماريا سيريس بعد معارضة من أهلها، وحملها إلى ميسيونس، ولحق بهما والداها فسكنا في بيت قريب.

سنوات العائلة في الغابة
في هذا البيت وُلدت ابنته الأولى إيغليه عام 1911، وفي العام نفسه بدأ كيروغا مع شريكه غوسالبو استغلال مزارع المتّة، وعُيّن قاضياً للصلح في السجلّ المدني في سان إغناسيو، يفصل في النزاعات الصغيرة ويعقد الزيجات ويصدر شهادات الوفاة. وفي العام التالي وُلد ابنه داريو.
تولّى كيروغا تربية ولديه بنفسه، وعوّدهما منذ الصغر على الغابة والجبل، وعرّضهما لمخاطر محسوبة ليتعلّما الاعتماد على نفسيهما؛ فتعلّمت البنت تربية الحيوانات البرّية، وتعلّم الصبي استعمال البندقية وقيادة الدرّاجة النارية والتجديف وحده في قارب صغير.
لكنّ الحياة في الغابة لم تُرِح الزوجة. ففي عام 1915 أنهت آنا ماريا سيريس حياتها بتناول مادّة تُستعمل في تحميض الصور، وقضت ثمانية أيام تحتضر وكيروغا يعتني بها. وبعد وفاتها غادر مع ولديه إلى بوينس آيرس، حيث عمل في القنصلية العامّة للأوروغواي.

الغابة في أدبه
في بوينس آيرس جمع كيروغا قصصه في كتب، أوّلها «قصص الحبّ والجنون والموت» (1917) الذي حقّق نجاحاً كبيراً لدى الجمهور والنقّاد، وثبّته أستاذاً للقصّة القصيرة في أمريكا اللاتينية. وفي العام التالي صدر «حكايات الغابة»، وهو مجموعة قصص للأطفال أبطالها حيوانات تعيش في غابة ميسيونس، وقد أهداه إلى ولديه اللذين رافقاه في سنوات الفقر.
تتابعت بعد ذلك كتبه: «المتوحّش» (1919)، و«أناكوندا وقصص أخرى» (1921)، و«الصحراء»، ثمّ «المنفيّون» (1927) الذي يُعدّ أنضج مجموعاته. وتتميّز قصصه بنثر حيّ يجمع الواقعية الطبيعية والحداثة، وكثيراً ما تظهر الطبيعة فيها قوّة مخيفة تتربّص بالإنسان، ولذلك قورن بالكاتب الأمريكي إدغار آلان بو، وكان هو نفسه يعدّ بو أستاذه الأوّل.
وكانت ميسيونس حاضرة في هذا كلّه: فالغابة ونهر بارانا وحياة المستوطنين فيها صارت مادّة لعدد كبير من قصصه، وجعلت اسمه مرتبطاً بهذه المقاطعة ارتباطاً لا ينفصل.

العودة والقارب «غافيوتا»
عاد كيروغا إلى ميسيونس في عشرينيات القرن العشرين. وفي جزء من بيته أقام ورشة شرع فيها في بناء قارب سمّاه «غافيوتا» أي «النورس»، فتحوّل البيت إلى ما يشبه حوض بناء السفن. وأتمّ القارب وأنزله إلى الماء، ثمّ قاده في النهر نزولاً من سان إغناسيو حتّى بوينس آيرس، وقام به برحلات نهرية كثيرة.
وفي عام 1927 تزوّج من ماريا إيلينا برافو، زميلة ابنته إيغليه في المدرسة. ومنذ عام 1932 استقرّ في ميسيونس للمرّة الأخيرة مع زوجته وابنتهما ماريا إيلينا الملقّبة «بيتوكا»، بعد أن حصل على مرسوم ينقل وظيفته القنصلية إلى مدينة قريبة.
غير أنّ تغيّر الحكومة أدّى إلى إبعاده عن القنصلية، فسعى أصدقاؤه، ومنهم الكاتب إنريكي أموريم، إلى تأمين تقاعد أرجنتيني له. وتكشف رسائله إلى أموريم عن سنوات صعبة، إذ لم تحبّ زوجته الثانية الحياة في الغابة، وصارت الخلافات بينهما يومية. وفي هذه المرحلة صدرت مجموعته «ما وراء» (1935)، وأخذ يخطّط لكتابة سيرته الذاتية.
النهاية والذاكرة
في عام 1935 بدأت أعراض المرض تظهر على كيروغا، وتوفّي في بوينس آيرس في 19 فبراير 1937. وبقي البيت في سان إغناسيو الشاهد الأبرز على السنوات التي عاشها في ميسيونس، والمكان الذي تجتمع فيه أدواته وأثاثه وأوراقه.
ولكيروغا بيت آخر صار متحفاً في مسقط رأسه: ففي سالتو بالأوروغواي تحوّل البيت الذي آل إلى الأسرة بالإرث واستعملته للاصطياف إلى «متحف بيت كيروغا» منذ 23 ديسمبر 2004، تكريماً للكاتب. أمّا بيت سان إغناسيو فهو بيت الغابة، حيث كتب وعاش أشهر مراحل حياته.
الموقع
يقع المتحف في شارع أوراسيو كيروغا في سان إغناسيو، على بُعد نحو 500 متر من قوس المدخل المؤدّي إلى السرية الحادية عشرة من الدرك الوطني، في الاتّجاه نحو الميناء الجديد.
ويدخل المتحف ضمن «المنطقة الجنوبية»، وهي منطقة سياحية فرعية في مقاطعة ميسيونس تضمّ أقسام أبوستوليس والعاصمة وكانديلاريا وسان إغناسيو وكونسبسيون وسان خافيير.
بطاقة المتحف
- الاسم الرسمي: متحف أوراسيو كيروغا الإقليمي Museo Provincial Horacio Quiroga
- المبنى: البيت الذي عاش فيه أوراسيو كيروغا وعمل في سان إغناسيو، معلم تاريخي إقليمي بإعلان من حكومة مقاطعة ميسيونس
- العنوان: شارع أوراسيو كيروغا، على بُعد 500 متر من قوس مدخل السرية 11 للدرك الوطني باتّجاه الميناء الجديد، سان إغناسيو، ميسيونس
- المجموعة: أثاث الكاتب وصوره وأدواته وأواني مائدته وأوراق مخطوطة بخطّ يده
- أبرز المقتنيات: درّاجة كيروغا النارية، أثاثه، أوراقه المخطوطة










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.