الموازي1,555الرسمي1,54514°غائمبوينس آيرس
الخميس، 1 أكتوبر
موت ماريانو مورينو في عرض البحر: حادثٌ أم اغتيال سياسي؟Juan de Dios Rivera · Public domain · ويكيميديا كومنز

موت ماريانو مورينو في عرض البحر: حادثٌ أم اغتيال سياسي؟

ماريانو مورينو، أمين سرّ المجلس الأول ومؤسّس أوّل صحيفةٍ حكومية في بوينس آيرس، خسر صراعه السياسي أواخر 1810، فأُرسل في مهمّةٍ دبلوماسية إلى لندن، ومات في الطريق بعد جرعة دواءٍ أعطاه إيّاها قبطان السفينة. يروي المقال حياته القصيرة ويعرض ما يُعرف وما لا يُعرف عن موته.

في الرابع من مارس 1811 مات على ظهر سفينةٍ بريطانية رجلٌ في الثانية والثلاثين، كان قبل أشهرٍ قليلة أقوى عقلٍ في حكومة بوينس آيرس الثورية، وما زال السؤال عن موته مفتوحاً.

موتٌ بعيداً عن الوطن

لم يمت ماريانو مورينو في معركة ولا في سجن، بل في قمرةِ سفينةٍ تجارية بريطانية تُدعى «فيم» (Fame)، في عرض المحيط الأطلسي، يوم 4 مارس 1811. وكان في طريقه إلى لندن ممثّلاً لحكومة بوينس آيرس. ولُفّ جثمانه وأُنزل إلى البحر قرب جزيرة سانتا كاتارينا على ساحل البرازيل.

كان في الثانية والثلاثين من عمره. وقبل ذلك بأقلّ من سنة كان الرجلَ الذي يكتب قرارات الثورة ويحرّر صحيفتها ويقود جناحها الأكثر جذرية. لذلك لم يمرّ موته المفاجئ مروراً عادياً، وظلّ منذ ذلك اليوم موضعَ شكٍّ وجدل.

محامٍ من بوينس آيرس تعلّم في الشمال

وُلد مورينو في بوينس آيرس يوم 23 سبتمبر 1778، ودرس في «الكلية الملكية سان كارلوس». ثمّ سافر سنة 1800 إلى مدينة تشوكيساكا (سوكري في بوليفيا اليوم)، حيث كانت جامعتها أهمّ مراكز دراسة القانون في جنوب القارّة، وفيها احتكّ بأفكار عصر التنوير.

وفي سنة 1802 كتب رسالةً قانونية هاجم فيها نظام «الميتا»، أي السخرة التي كان السكّان الأصليون يُساقون بموجبها إلى العمل في المناجم. ثمّ عاد إلى بوينس آيرس محامياً، وتزوّج من ماريا غوادالوبي كوينكا التي عرفها في الشمال.

ماريا غوادالوبي كوينكا، زوجة ماريانو مورينو، في صورةٍ مصغّرة رسمها صائغٌ من البيرو العليا عام 1804
ماريا غوادالوبي كوينكا، زوجة ماريانو مورينو، في صورةٍ مصغّرة رسمها صائغٌ من البيرو العليا عام 1804Un platero del Alto Perú · Public domain · ويكيميديا كومنز

قلم الثورة

اشتهر مورينو سنة 1809 بمذكّرةٍ عُرفت باسم «عريضة ملّاك الأراضي» (Representación de los Hacendados)، دافع فيها عن فتح التجارة مع بريطانيا في وجه احتكار التجّار المرتبطين بإسبانيا. وحين قام المجلس الأول في 25 مايو 1810 صار أمين سرّه لشؤون الحرب والحكم.

في الأشهر التالية أسّس صحيفة «غاثيتا دي بوينس آيرس» التي صدر عددها الأول يوم 7 يونيو 1810، وهو اليوم الذي تحتفل فيه الأرجنتين حتّى اليوم بعيد الصحفيين. ونشر ترجمةً إسبانية لكتاب «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو. ويُنسب إليه أيضاً «مخطّط العمليات» (Plan de Operaciones)، وهو برنامجٌ سرّيٌّ قاسٍ لتثبيت الثورة، ويختلف المؤرّخون في صحّة نسبته إليه.

غلاف «عريضة ملّاك الأراضي» التي كتبها مورينو عام 1809 دفاعاً عن حرّية التجارة
غلاف «عريضة ملّاك الأراضي» التي كتبها مورينو عام 1809 دفاعاً عن حرّية التجارةMariano Moreno (1778 - 1811) · Public domain · ويكيميديا كومنز
الصفحة الأولى من العدد الأول لصحيفة «غاثيتا دي بوينس آيرس»، 7 يونيو 1810
الصفحة الأولى من العدد الأول لصحيفة «غاثيتا دي بوينس آيرس»، 7 يونيو 1810Mariano Moreno (1778 - 1811) · Public domain · ويكيميديا كومنز
«العقد الاجتماعي» لروسو بالإسبانية، طبعة بوينس آيرس 1810 التي أصدرها مورينو
«العقد الاجتماعي» لروسو بالإسبانية، طبعة بوينس آيرس 1810 التي أصدرها مورينوMariano Moreno (1778 - 1811) · Public domain · ويكيميديا كومنز

الخلاف مع سابيدرا

انقسم المجلس الأول سريعاً بين جناحين: جناحٍ يقوده مورينو يريد ثورةً سريعةً حازمة تقطع مع النظام القديم، وجناحٍ معتدلٍ حول رئيس المجلس كورنيليو سابيدرا يفضّل التدرّج ويستند إلى العسكر.

وكانت المعركة الحاسمة حول نوّاب الأقاليم الذين وصلوا إلى بوينس آيرس. أراد سابيدرا ضمّهم إلى المجلس الحاكم نفسه، ورفض مورينو ذلك لأنّه يرى أنّ مكانهم مؤتمرٌ يضع دستوراً لا حكومةٌ تدير الحرب. وفي 18 ديسمبر 1810 صُوّت على ضمّهم، فخسر مورينو، وتحوّل المجلس الأول إلى «المجلس الكبير» (Junta Grande).

استقال مورينو، وقَبِل مهمّةً دبلوماسية في لندن للتفاوض مع الحكومة البريطانية. وقد رأى كثيرون في هذه المهمّة طريقةً مهذّبة لإبعاده عن المدينة.

التعليمات التي زوّد بها مجلس بوينس آيرس ممثّله في البلاط البريطاني، الدكتور ماريانو مورينو
التعليمات التي زوّد بها مجلس بوينس آيرس ممثّله في البلاط البريطاني، الدكتور ماريانو مورينوJunta de Buenos Aires · Public domain · ويكيميديا كومنز

الرحلة الأخيرة

أبحر مورينو مطلع 1811 على السفينة «فيم» ومعه أخوه مانويل. وفي أثناء الرحلة مرض، فأعطاه قبطان السفينة جرعةً كبيرة من دواءٍ مُقيّئٍ يحتوي على مركّبٍ من الأنتيمون، وكان من الأدوية الشائعة في ذلك العصر. فساءت حاله سريعاً، ومات بعد ذلك.

روى أخوه مانويل أنّ آخر ما قاله: «تحيا الوطن، وإن هلكتُ أنا». ونشر مانويل سنة 1812 كتاباً عن حياة أخيه وذكرياته صار مصدراً أساسياً لكلّ من كتب عنه بعد ذلك.

«اللحظات الأخيرة للدكتور ماريانو مورينو»، لوحة للرسّام إيجيديو كويرتشولا (1912)
«اللحظات الأخيرة للدكتور ماريانو مورينو»، لوحة للرسّام إيجيديو كويرتشولا (1912)Egidio Querciola · Public domain · ويكيميديا كومنز

حادثٌ أم اغتيال؟

منذ البداية انقسمت الروايات. فالرواية الأولى ترى أنّ الأمر كان خطأً طبياً: رجلٌ مريضٌ أعطاه بحّارٌ لا يعرف الطبّ جرعةً مفرطة من دواءٍ خطير، في زمنٍ كانت فيه أدوية الأنتيمون تقتل كثيرين ممّن يتناولونها.

والرواية الثانية ترى أنّه اغتيالٌ سياسي. وتستند إلى أنّ مورينو كان له أعداءٌ أقوياء في بوينس آيرس، وأنّ إبعاده عن المدينة سبق موته بأسابيع، وأنّ القبطان أعطاه الجرعة دون استشارة أحد، وأنّ الجثمان أُلقي في البحر فلم يبقَ ما يُفحص. ويُتّهم في هذه الرواية خصومه السياسيون، لكن لا توجد وثيقةٌ تثبت أنّ أحداً أمر بقتله.

والخلاصة التي يقف عندها أكثر المؤرّخين أنّ الشكّ مشروعٌ والدليل غائب: لا يمكن نفي الاغتيال، ولا يمكن إثباته.

رسالة من غوادالوبي كوينكا إلى زوجها عام 1811، كتبتها وهي لا تعلم بموته
رسالة من غوادالوبي كوينكا إلى زوجها عام 1811، كتبتها وهي لا تعلم بموتهGuadalupe Cuenca (siglo XIX) · Public domain · ويكيميديا كومنز

رسائل لم تصل

من أكثر فصول القصّة إيلاماً أنّ زوجته غوادالوبي ظلّت في بوينس آيرس تكتب إليه رسائل تحكي له أخبار البيت والمدينة وتشكو من خصومه. فقد كان الخبر يحتاج إلى أشهرٍ ليعبر المحيط، فبقيت تكتب لرجلٍ كان قد مات.

وبقي مورينو في الذاكرة الأرجنتينية رمزاً للثوري الشابّ صاحب القلم والمبادئ. وسار أنصاره المعروفون بـ«المورينيين» على خطّه في الصراعات السياسية التي تلت موته، وتحمل اسمه اليوم مدنٌ وشوارع وساحات.

نصبٌ تذكاريٌّ لماريانو مورينو
نصبٌ تذكاريٌّ لماريانو مورينوWalteriot · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

للتوسّع: فيليبي بينيا، «أساطير التاريخ الأرجنتيني» (Los mitos de la historia argentina)، الجزء الأول، دار بلانيتا، 2004.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo