أوّل أيّار: عيد العمّال الذي احتفلت به الأرجنتين منذ 1890
عطلةٌ وطنيّةٌ ثابتة في الأوّل من أيار/مايو، وأوّل إحياءٍ لها في الأرجنتين كان سنة 1890 حين اجتمع المهاجرون الإيطاليّون والإسبان والألمان في بوينس آيرس مطالبين بيوم عملٍ من ثماني ساعات. من الأسبوع المأساويّ سنة 1919 إلى قانون الثماني ساعات سنة 1929 وإلى السابع عشر من تشرين الأوّل 1945، هذه سيرة اليوم في بلدٍ صنعت الهجرةُ حركتَه العمّاليّة.
قبل أن يكون عطلةً في التقويم كان اجتماعاً لمهاجرين يتكلّمون الإيطاليّة والإسبانيّة والألمانيّة في حديقةٍ ببوينس آيرس سنة 1890، يطالبون بثماني ساعاتِ عملٍ لن تُقرّ قبل تسعةٍ وثلاثين عاماً.
بوينس آيرس – ArgentiNews
الأوّل من أيار/مايو عطلةٌ وطنيّةٌ ثابتة في الأرجنتين، ولها هنا جذرٌ أقدم ممّا يظنّه كثيرون: ففي 1 أيار/مايو 1890، أي بعد أربع سنواتٍ فقط من أحداث «هايماركت» في شيكاغو التي وُلد منها اليوم، أُقيم في بوينس آيرس أوّل إحياءٍ للمناسبة.
نظّمته «اللجنة العمّاليّة الدوليّة»، وحضره آلافٌ من العمّال في «الپرادو إسپانيول»، وأُلقيت فيه الخطب بأربع لغات: الإسبانيّة والإيطاليّة والألمانيّة والفرنسيّة — وهي صورةٌ تلخّص الحركة العمّاليّة الأرجنتينيّة في نشأتها، إذ صنعها المهاجرون الذين حملوا معهم من أوروبا الاشتراكيّةَ والفوضويّةَ ونقاباتِ الحِرَف.
وخرج من ذلك الاجتماع عريضةٌ رُفعت إلى الكونغرس تطالب بيوم عملٍ من ثماني ساعات، وبمنع عمل الأطفال دون الرابعة عشرة، وبالراحة الأسبوعيّة. ولن يُقرّ أوّل هذه المطالب قانوناً إلّا سنة 1929.
الأسبوع المأساويّ 1919
لم يكن الطريق هادئاً. ففي كانون الثاني/يناير 1919 تحوّل إضرابٌ في مصانع «فاسينا» المعدنيّة ببوينس آيرس إلى أعنف مواجهةٍ عمّاليّةٍ في تاريخ البلاد: أطلقت الشرطة النار على المضربين، وامتدّ الإضراب إلى المدينة كلّها، ثمّ خرجت مجموعاتٌ شبه عسكريّةٍ إلى الشوارع.
سُمّي ما جرى «الأسبوع المأساويّ»، وتتراوح تقديرات الضحايا بين مئاتٍ وأكثر من ألف. وكان من أثقل ما فيه اعتداءاتٌ طالت حيّ «أونسه» ذا الأغلبيّة اليهوديّة في ما يُعدّ أوّل مذبحةٍ معاديةٍ لليهود في أميركا اللاتينيّة.

من القانون 11.544 إلى 17 تشرين الأوّل
سنة 1929 أُقرّ القانون 11.544 فحدّد يوم العمل بثماني ساعاتٍ والأسبوع بثمانٍ وأربعين ساعة — بعد تسعةٍ وثلاثين عاماً من عريضة 1890. وهو ما يزال إلى اليوم القانون الأساس في تنظيم ساعات العمل في الأرجنتين.
ثمّ جاء المنعطف الأكبر في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1945، حين زحف عمّال الضواحي الصناعيّة إلى ساحة مايو مطالبين بالإفراج عن العقيد خوان دومينغو بيرون، وزير العمل الذي كان قد أقرّ لهم قوانين الإجازة المدفوعة والراتب الثالث عشر والمحاكم العمّاليّة. ومن ذلك اليوم وُلدت البيرونيّة، وصار العمل المنظّم قوّةً مركزيّةً في السياسة الأرجنتينيّة لم تخرج منها حتّى اليوم.

كيف يُحيا اليوم الآن
الأوّل من أيّار في الأرجنتين اليوم يومٌ هادئٌ في الشارع أكثر ممّا هو يوم مسيرات. تُقيم النقابات الكبرى وأحزاب اليسار فعاليّاتٍ في الساحات، ويُلقي رؤساء الاتّحادات كلماتٍ، ويوجّه رئيس الجمهوريّة رسالةً بالمناسبة. لكنّ المشهد الأوسع هو مشهد عطلةٍ عائليّة: المحالّ مغلقة، والمدينة صامتة، والمائدة أسادو.
والسبب في ذلك أنّ الحشد العمّاليّ الأرجنتينيّ له موعدٌ آخر أهمّ منه: 17 تشرين الأول/أكتوبر، «يوم الولاء»، وهو ليس عطلةً في التقويم لكنّه يجمع من الناس أضعافَ ما يجمعه أوّل أيّار.
وتتصدّر المشهد النقابيّ ثلاث مظلّات: الاتّحاد العامّ للعمّال (CGT) وهو الأقدم والأكبر، ومركزا العمّال الأرجنتينيّين (CTA) بجناحيهما. ويبلغ معدّل الانتساب النقابيّ في الأرجنتين من أعلى المعدّلات في أميركا اللاتينيّة، وإن كان نصف العاملين تقريباً خارج القطاع المسجّل — وهذه هي المسألة التي تتصدّر خطابات كلّ أوّل أيّار في السنوات الأخيرة.











التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.