الاثنين، 31 أغسطس
فجوة الفائدة في الأرجنتين: 20% على الودائع مقابل ما يصل إلى 200% على القروض

فجوة الفائدة في الأرجنتين: 20% على الودائع مقابل ما يصل إلى 200% على القروض

سلّطت تقارير صحافية في الأرجنتين الضوء على اتساع الفارق بين الفائدة التي تدفعها المصارف لمودعيها وتلك التي تتقاضاها من المقترضين، في ظاهرة تُعرف بـ"هامش الوساطة المصرفية".

تتسع الفجوة بين ما يحصل عليه المدخرون في الأرجنتين من عوائد على ودائعهم وما يدفعه المقترضون مقابل الحصول على التمويل، في ظاهرة تعكس الضغوط التي يواجهها النظام المالي وسط ارتفاع معدلات التعثر وتراجع نمو الائتمان.

وبحسب بيانات وتقارير مالية حديثة، يدفع القطاع المصرفي في المتوسط نحو 20% كفائدة اسمية سنوية (TNA) على الودائع لأجل لمدة 30 يومًا، بينما يمكن أن تصل الفائدة الاسمية على بعض القروض الشخصية أو تمويل بطاقات الائتمان إلى نحو 130% سنويًا، لكن التكلفة التي يتحملها العميل قد تكون أعلى بكثير عند احتساب الضرائب والعمولات والمصاريف المرتبطة بالقرض، إذ يمكن أن يصل التكلفة المالية الإجمالية (CFT) في بعض الحالات إلى نحو 200% سنويًا.

فجوة تتجاوز المستويات التاريخية

تعرف هذه المسافة بين أسعار الفائدة على الودائع وأسعار الفائدة على القروض باسم الـSpread المصرفي، أي الفارق بين تكلفة الأموال بالنسبة للبنوك والعائد الذي تحصل عليه من إقراضها للعملاء.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن الفارق بين أسعار الفائدة النشطة على القروض وأسعار الفائدة السلبية على الودائع وصل إلى 45.7 نقطة مئوية، مقابل متوسط تاريخي يقارب 22.6 نقطة، كما أظهرت بيانات أخرى أن متوسط الفارق بين معدلات الفائدة النشطة والسلبية خلال عام 2026 وصل إلى أعلى مستوى له في نحو 14 عامًا.

لماذا يدفع المقترض أكثر بكثير مما يحصل عليه المدخر؟

هناك عدة عوامل تفسر هذه الفجوة، ولا يتعلق الأمر ببساطة بأن البنك "يدفع 20% ويحتفظ بالباقي"، أحد أهم الأسباب هو ارتفاع مخاطر عدم السداد. فمع زيادة عدد العملاء الذين يتأخرون عن دفع أقساط القروض أو مستحقات بطاقات الائتمان، تقوم المؤسسات المالية بإدخال هذه المخاطر في أسعار الفائدة التي تفرضها على المقترضين.

وتزداد المشكلة في قطاع التكنولوجيا المالية والمحافظ الإلكترونية، حيث ترتفع معدلات التعثر بين العملاء الذين لا يمتلكون تاريخًا ائتمانيًا قويًا. وتشير بيانات نقلتها تقارير اقتصادية إلى ارتفاع معدل التعثر في هذا القطاع من 7.3% في أكتوبر 2024 إلى 29.6% في مايو.

السيولة والضرائب عاملان إضافيان

إلى جانب مخاطر التعثر، تلعب تكلفة التمويل والسيولة المتاحة للبنوك دورًا في تحديد أسعار القروض، وتشير تحليلات السوق إلى أن تكلفة الحصول على الأموال بالنسبة للنظام المالي ارتفعت بوتيرة أسرع من أسعار بعض القروض الممنوحة للأفراد، ما أبقى الفارق بين الجانبين مرتفعًا.

كما تدخل الضرائب والرسوم في التكلفة النهائية التي يتحملها المقترض، ومن بينها الضرائب على إجمالي الدخل والدمغة والضرائب المرتبطة بالائتمان والخصم، وكان رئيس البنك المركزي الأرجنتيني، سانتياغو باوسيلي، قد أقر بأن الضرائب تمثل عنصرًا مهمًا في ارتفاع تكلفة التمويل، مشيرًا إلى أن تخفيف العبء الضريبي يمكن أن يساعد على خفض تكلفة القروض.

الائتمان للأفراد يتراجع

المشكلة لا تقتصر على ارتفاع أسعار الفائدة، بل تظهر أيضًا في حجم الائتمان المتاح للاقتصاد، وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام اقتصادية عن شركة Equilibra، تراجع حجم القروض الحقيقية الموجهة إلى الأسر بنسبة 2.6% خلال يوليو، في خامس شهر متتالٍ من الانخفاض.

كما تراجع الائتمان الموجه إلى الشركات بنسبة 3.1%، في رابع شهر متتالٍ من الانكماش، وفي الوقت نفسه، تشير بيانات أخرى إلى أن القروض الشخصية شهدت تراجعًا حقيقيًا بنسبة 0.7% في يوليو، لتسجل بذلك عشرة أشهر متتالية من الانخفاض مقارنة بالتضخم.

البنك المركزي يبحث عن حل

أمام هذه الصورة، بدأ البنك المركزي الأرجنتيني يركز على كيفية تقليص الفجوة بين أسعار الفائدة التي تدفعها البنوك للمودعين وتلك التي تفرضها على المقترضين، ويرى باوسيلي أن زيادة المنافسة بين البنوك وتخفيف بعض الأعباء الضريبية يمكن أن يساعدا في خفض تكلفة التمويل.

في المقابل، لا يبدو أن البنك المركزي يتجه حاليًا إلى خفض متطلبات الاحتياطي الإلزامي للبنوك، إذ يرى أن هذه الأداة مرتبطة بحماية ودائع العملاء والاستقرار النقدي، وليس فقط بزيادة السيولة المتاحة للإقراض.

مشكلة أكبر بالنسبة للمقترضين

ويعني الوضع الحالي أن الأرجنتيني الذي يضع أمواله في وديعة لأجل يحصل على عائد محدود نسبيًا، بينما يواجه الشخص الذي يحتاج إلى قرض تكلفة مرتفعة للغاية.

ويصبح الفرق أكثر وضوحًا عند احتساب التكلفة المالية الإجمالية، التي تشمل الفائدة والضرائب والعمولات والمصاريف الأخرى.

وبذلك، فإن الحديث عن قرض بفائدة تصل إلى 200% لا يعني بالضرورة أن البنك يفرض فائدة اسمية قدرها 200% على كل القروض، وإنما يمكن أن يكون الرقم متعلقًا بالتكلفة الإجمالية للتمويل بعد إضافة مختلف الرسوم والمصاريف.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد الأرجنتيني؟

اتساع فجوة أسعار الفائدة يضعف قدرة الأسر والشركات على الوصول إلى التمويل، وقد يؤثر بالتالي في الاستهلاك والاستثمار والنشاط الاقتصادي، وتزداد أهمية المشكلة في بلد لا يزال فيه حجم الائتمان المصرفي منخفضًا جدًا مقارنة بالاقتصادات الأخرى؛ إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن الائتمان في الأرجنتين يعادل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل أكثر من 80% في البرازيل ونحو 100% في تشيلي.

وفي حال تمكنت السلطات من خفض معدلات التعثر وتحسين السيولة وتعزيز المنافسة وتقليل بعض التكاليف الضريبية، فقد تتراجع تكلفة القروض تدريجيًا.

لكن في الوقت الحالي، يبقى المواطن الأرجنتيني أمام مفارقة واضحة: عائد منخفض نسبيًا على الادخار، مقابل تكلفة مرتفعة جدًا للحصول على التمويل، في وقت يحاول فيه النظام المالي الخروج من أزمة التعثر وانكماش الائتمان.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo