منتخب الأرجنتين لكرة القدم: ثلاث كؤوس عالم وأكثر الألقاب القارّية في تاريخ أمريكا الجنوبية
منتخب الأرجنتين لكرة القدم هو الفريق الوطني للرجال الذي يمثّل البلاد في المسابقات الدولية، ويديره الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم منذ تأسيسه عام 1893. فاز بكأس العالم 3 مرّات (1978 و1986 و2022) وبكوبا أمريكا 16 مرّة، وهو رقمٌ قياسي. يعرض الملفّ تاريخه وألقابه ونجومه ومدرّبيه ومنافساته الكبرى وملعبه، ونتيجته في مونديال 2026 وما بعد اعتزال ميسي.
قميصٌ بخطوطٍ سماوية وبيضاء يعرفه العالم منذ قرن، وثلاث كؤوس عالم بين 1978 و2022، ونهائيٌّ رابع خسره في صيف 2026: هذه قصّة «الألبيسيليستي» من أوّل مباراةٍ أمام الأوروغواي إلى ما بعد ميسي.
الاتحاد والبدايات
يدير المنتخب الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم (AFA)، وأصله رابطةٌ أسّسها سنة 1893 المعلّم الاسكتلندي ألكسندر واتسون هاتون في بوينس آيرس، فهو أقدم اتحادٍ كروي في أمريكا الجنوبية. وكانت كرة القدم قد وصلت إلى البلاد مع البحّارة والمهندسين والعمّال البريطانيين في القرن التاسع عشر، ثمّ انتشرت بسرعةٍ بين المهاجرين الإيطاليين والإسبان وأبنائهم.
لعب المنتخب أوّل مباراةٍ رسمية له يوم 20 يونيو 1902 في مونتيفيديو أمام الأوروغواي، وفاز 6-0. ومنذ ذلك اليوم صار الجار عبر نهر لا بلاتا خصمه الأوّل لعقود. والاتحاد عضوٌ مؤسّس في اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول) منذ 1916، وعضوٌ في الفيفا منذ 1912.
وفي العقود الأولى من القرن العشرين كان المنتخب يتألّف من لاعبي أندية بوينس آيرس وروساريو أساساً، ثمّ صار الاتحاد يختار لاعبيه من الدوري المحلّي حتّى السبعينيات. ومنذ الثمانينيات صار أغلب لاعبيه يحترفون في أوروبا، فلا يجتمعون إلّا في أيّام المباريات الدولية.
ويتّخذ المنتخب اليوم مركز تدريبه في بلدة إيزيزا قرب مطار بوينس آيرس الدولي، وقد سُمّي المركز سنة 2023 باسم ليونيل ميسي.

القميص السماوي والأبيض
يُعرف المنتخب في الأرجنتين وخارجها باسم «الألبيسيليستي»، أي «الأبيض والسماوي»، نسبةً إلى قميصه ذي الخطوط العمودية بلونَي العلم الأرجنتيني. وقد استقرّ هذا القميص في العقد الأول من القرن العشرين، ويُلبس معه عادةً سروالٌ أسود وجوارب بيضاء أو سوداء.
أمّا القميص البديل فكان أزرق داكناً في معظم تاريخه، وبه لعب المنتخب مباراته الشهيرة أمام إنجلترا في مونديال 1986. وفوق شعار الاتحاد على القميص ثلاث نجوم، واحدةٌ لكلّ لقبٍ عالمي.
من نهائي 1930 إلى لقب 1978
بلغت الأرجنتين نهائي أوّل كأس عالم في الأوروغواي سنة 1930، وخسرته أمام صاحب الأرض 4-2 في مونتيفيديو. ثمّ مرّت عقودٌ طويلة كان المنتخب فيها قويّاً في القارّة وضعيفاً في كأس العالم، بل غاب عن بعض نسخها أو خرج مبكّراً.
فقد قاطعت الأرجنتين بطولات 1938 و1950 و1954 لأسبابٍ تتعلّق بخلافاتٍ مع الفيفا ومع اتحاداتٍ أخرى، وفي مونديال 1958 بالسويد خسرت أمام تشيكوسلوفاكيا 6-1 وخرجت من الدور الأول، فسُمّيت تلك الهزيمة في الصحافة الأرجنتينية «كارثة السويد». ودفعت تلك النتيجة المدرّبين إلى الاهتمام أكثر باللياقة والتنظيم الدفاعي على الطريقة الأوروبية.
تغيّر ذلك سنة 1978 حين استضافت الأرجنتين البطولة. فبقيادة المدرّب سيزار لويس مينوتي والقائد دانيال باساريلا، فازت في النهائي يوم 25 يونيو 1978 على هولندا 3-1 بعد الوقت الإضافي على ملعب مونومنتال، وسجّل ماريو كيمبيس هدفين وكان هدّاف البطولة بستّة أهداف.
وجرت تلك البطولة في ظلّ الحكم العسكري الذي تولّى السلطة في مارس 1976، فرأى فيها كثيرون مناسبةً استغلّتها السلطة لتحسين صورتها في الخارج، فيما يرى لاعبو ذلك الجيل أنّ لقبهم انتصارٌ رياضي يخصّ الناس لا الحكومة. وما زال فوز الأرجنتين على البيرو 6-0 في الدور الثاني، الذي أوصلها إلى النهائي، موضع جدلٍ إلى اليوم.

مارادونا ومكسيكو 1986
جاء اللقب الثاني في كأس العالم 1986 بالمكسيك، مع المدرّب كارلوس بيلاردو والقائد دييغو مارادونا. ففي ربع النهائي يوم 22 يونيو 1986 فازت الأرجنتين على إنجلترا 2-1 على ملعب أزتيكا، وسجّل مارادونا هدفين: الأول بيده، وقد سمّاه هو «يد الله»، والثاني بعد أن راوغ نصف الفريق الإنجليزي وحارسه، واختير لاحقاً «هدف القرن».
ثمّ فازت الأرجنتين في النهائي يوم 29 يونيو 1986 على ألمانيا الغربية 3-2، واختير مارادونا أفضل لاعب في البطولة. وبعد أربع سنوات قاد مارادونا المنتخب إلى نهائي 1990 في إيطاليا، لكنّه خسر أمام ألمانيا الغربية 1-0 بركلة جزاء.
وفي مونديال 1994 بالولايات المتّحدة استُبعد مارادونا بعد مباراتين لثبوت تناوله مادّةً محظورة، فخرج الفريق من دور الستّة عشر. وتوالت بعد ذلك خيبات كأس العالم: الخروج أمام هولندا في ربع نهائي 1998، ثمّ من الدور الأول سنة 2002 رغم أنّ الفريق كان من المرشّحين، ثمّ أمام ألمانيا في ربع نهائي 2006 بركلات الترجيح وفي 2010 بأربعة أهداف دون ردّ.

كوبا أمريكا: الرقم القياسي
الأرجنتين صاحبة الرقم القياسي في عدد ألقاب كوبا أمريكا، بطولة منتخبات أمريكا الجنوبية، إذ فازت بها 16 مرّة، متقدّمةً بلقبٍ واحد على الأوروغواي. وكان أوّلها سنة 1921، وفازت بها ثلاث مرّات متتالية بين 1945 و1947، وكان آخرها سنتا 1991 و1993 قبل أن تنتظر 28 عاماً.
ثمّ عادت إلى اللقب في 2021 بالبرازيل، بفوزٍ على البرازيل 1-0 في ملعب ماراكانا بهدفٍ من أنخيل دي ماريا، وفي 2024 بالولايات المتّحدة بفوزٍ على كولومبيا 1-0 في الوقت الإضافي بهدفٍ من لاوتارو مارتينيز. وفازت أيضاً بأوّل كأسٍ للقارّات سنة 1992، وبكأس «الفيناليسيما» بين بطلَي أوروبا وأمريكا الجنوبية في 1993 و2022، أمّا نسخة 2026 أمام إسبانيا فقد أُلغيت بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
ذهبيّتان أولمبيّتان
فاز المنتخب الأولمبي الأرجنتيني، وهو منتخب اللاعبين دون 23 عاماً مع عددٍ محدود من الكبار، بذهبية كرة القدم في أولمبياد أثينا 2004 بقيادة المدرّب مارسيلو بييلسا، دون أن تدخل مرماه أيّ أهداف في البطولة، وكان كارلوس تيفيز هدّافها.
ثمّ احتفظ باللقب في أولمبياد بكين 2008 بقيادة المدرّب سيرخيو باتيستا، بفوزٍ على نيجيريا 1-0 في النهائي بهدفٍ من أنخيل دي ماريا، وكان ليونيل ميسي وخوان رومان ريكيلمي بين لاعبيه. وكانت الأرجنتين قد خسرت نهائيَّي أولمبياد 1928 و1996.
نجومٌ عبر الأجيال
مرّ على المنتخب لاعبون صاروا جزءاً من تاريخ اللعبة كلّها. ففي الأربعينيات لعب له ألفريدو دي ستيفانو قبل أن يشتهر في إسبانيا مع ريال مدريد. وفي السبعينيات برز ماريو كيمبيس هدّاف مونديال 1978، ثمّ جاء دييغو مارادونا الذي حمل الفريق في الثمانينيات.
وفي التسعينيات صار غابرييل باتيستوتا هدّاف المنتخب التاريخي بأكثر من 50 هدفاً، إلى أن تجاوزه ليونيل ميسي سنة 2016. وفي العقدين التاليين برز خافيير ماسكيرانو وأنخيل دي ماريا وسيرخيو أغويرو، ثمّ جيل 2022 ومنه الحارس إميليانو مارتينيز وجوليان ألفاريز وإنزو فرنانديز وأليكسيس ماك أليستر.
وأنهى ميسي مسيرته الدولية وهو صاحب الرقم القياسي في عدد المباريات مع المنتخب، بأكثر من 200 مباراة، وفي عدد الأهداف.

المدرّبون: من مينوتي إلى سكالوني
ارتبطت ألقاب المنتخب بثلاثة مدرّبين. فقد بنى سيزار لويس مينوتي (1974-1982) فريقاً يلعب كرةً هجومية تعتمد على التمرير، وفاز بمونديال 1978. ثمّ جاء كارلوس بيلاردو (1983-1990) بأسلوبٍ أكثر انضباطاً دفاعياً، وفاز بمونديال 1986 ووصل إلى نهائي 1990. وانقسم المشجّعون طويلاً بين «المينوتية» و«البيلاردية» كما لو كانتا مدرستين.
ومن المدرّبين البارزين بعدهما ألفيو باسيلي الذي فاز بكوبا أمريكا 1991 و1993، ومارسيلو بييلسا، ودييغو مارادونا نفسه بين 2008 و2010، وأليخاندرو سابيلا الذي بلغ نهائي 2014.
وتولّى ليونيل سكالوني المنصب مؤقّتاً في 2018 بعد خروج المنتخب من مونديال روسيا، ثمّ ثُبّت فيه. وقاد الفريق إلى كوبا أمريكا 2021 وكأس العالم 2022 وكوبا أمريكا 2024 ونهائي كأس العالم 2026.

قطر 2022: النجمة الثالثة
بدأت الأرجنتين كأس العالم 2022 في قطر بهزيمةٍ مفاجئة أمام السعودية 2-1، ثمّ فازت على المكسيك وبولندا، وتخطّت أستراليا 2-1، ثمّ هولندا بركلات الترجيح، ثمّ كرواتيا 3-0. وفي النهائي يوم 18 ديسمبر 2022 على ملعب لوسيل تعادلت مع فرنسا 3-3 بعد الوقت الإضافي، ثمّ فازت بركلات الترجيح 4-2.
وتصدّى الحارس إميليانو مارتينيز لفرصةٍ حاسمة في الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي ثمّ لركلة ترجيح، وسجّل أنخيل دي ماريا الهدف الثاني في الشوط الأول، فيما سجّل الفرنسي كيليان مبابي ثلاثة أهداف للمنافس. وانتشرت في البطولة أغنيةٌ ردّدها المشجّعون في المدرّجات تبدأ بكلمة «موتشاتشوس»، أي «يا شباب»، وصارت نشيد ذلك الجيل.
خرج ملايين الأرجنتينيين إلى الشوارع ابتهاجاً، وتجمّع جمعٌ ضخم حول المسلّة في بوينس آيرس، وأعلنت الحكومة يوم استقبال اللاعبين عطلةً وطنية. واضطرّ موكب الحافلة المكشوفة إلى التوقّف وانتقل اللاعبون بالمروحيات بسبب الزحام.

مونديال 2026 وما بعد ميسي
دخلت الأرجنتين كأس العالم 2026 في الولايات المتّحدة والمكسيك وكندا حاملةً للّقب، وتصدّرت مجموعتها التي ضمّت الجزائر والنمسا والأردن. ثمّ فازت على الرأس الأخضر ومصر وسويسرا، وعلى إنجلترا 2-1 في نصف النهائي بعد أن كانت متأخّرة حتّى الدقائق الأخيرة.
وفي النهائي يوم 19 يوليو 2026 على ملعب ميتلايف قرب نيويورك خسرت أمام إسبانيا 1-0 بهدفٍ لفيران توريس في الشوط الإضافي الثاني، فحلّت وصيفةً للمرّة الرابعة في تاريخها بعد 1930 و1990 و2014.
وفي 31 أغسطس 2026 أعلن ليونيل ميسي اعتزاله اللعب الدولي بعد 21 عاماً مع المنتخب، فبدأ الحديث في الأرجنتين عن مرحلةٍ جديدة يقودها جيلٌ برز في السنوات الأخيرة، وعن الشارة التي ستنتقل إلى قائدٍ آخر، استعداداً لكوبا أمريكا 2028 وتصفيات مونديال 2030.


المنافسات الكبرى
أقدم منافسات المنتخب وأطولها مع الأوروغواي، وتُسمّى «كلاسيكو ريو دي لا بلاتا»، وقد لعب الطرفان أكثر من 180 مباراة منذ 1902، وتواجها في نهائي مونديال 1930.
أمّا المنافسة مع البرازيل فهي الأشهر في القارّة، إذ يتنافس البلدان على لقب أقوى منتخبات أمريكا الجنوبية وعلى عدد الألقاب، ويتجادل مشجّعوهما في المفاضلة بين بيليه ومارادونا ثمّ بين نيمار وميسي.
وللمنافسة مع إنجلترا طابعٌ خاصّ، بدأ بطرد القائد أنطونيو راتين في ربع نهائي مونديال 1966 بلندن، ثمّ ازداد حدّةً بعد حرب جزر المالفيناس (فوكلاند) سنة 1982، فصارت مباراة 1986 في نظر الأرجنتينيين أكثر من مباراة كرة. وتواجه الفريقان بعدها في مونديالات 1998 و2002 و2026.
ولا تتوقّف المنافسة على أمريكا الجنوبية وإنجلترا، فقد صار لقاء ألمانيا موعداً متكرّراً في كأس العالم، إذ تواجه الفريقان في ثلاثة نهائيات (1986 و1990 و2014) وفي ربع نهائي 2006 و2010. وفي تصفيات كأس العالم في أمريكا الجنوبية تلعب الأرجنتين على أرضها وخارجها أمام تسعة منتخبات، وتُعدّ مباريات المرتفعات في لاباز بوليفيا وكيتو الإكوادور من أصعبها بسبب نقص الأكسجين.

ملعب مونومنتال
يلعب المنتخب أغلب مبارياته على أرضه في ملعب مونومنتال بحيّ نونييث في شمال بوينس آيرس، وهو ملعب نادي ريفر بليت، افتُتح سنة 1938 واستضاف نهائي مونديال 1978. وبعد توسعته التي انتهت سنة 2023 صار يتّسع لأكثر من 80 ألف متفرّج، وهو أكبر ملاعب أمريكا الجنوبية.
ويلعب المنتخب أحياناً في ملاعب أخرى، منها ملعب «لا بومبونيرا» لنادي بوكا جونيورز، وملعب ماريو ألبرتو كيمبيس في قرطبة، وملاعب في مندوسا وسانتياغو ديل إستيرو.
ويرافق المنتخب في مبارياته جمهورٌ معروف بالأغاني الجماعية والأعلام والطبول، ويسافر عشرات الآلاف منهم إلى البطولات الكبرى، كما حدث في قطر 2022 وفي الولايات المتّحدة 2026، حين امتلأت مدرّجات كثيرة بالقمصان السماوية والبيضاء.











التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.