حديقة ليساما في سان تيلمو: على الجرف الذي يُرجَّح أنّ بوينس آيرس وُلدت عنده
حديقة مساحتها 4.6 هكتار على جرف كان يطلّ قديماً على ريو دي لا بلاتا، في حيّ سان تيلمو. كانت ضيعة خاصّة لخوسيه غريغوريو دي ليساما، وباعتها أرملته للبلدية سنة 1894، فصمّمها كارلوس تايس، وفي قصرها يقوم المتحف التاريخي الوطني، وأمامها الكنيسة الروسية الأرثوذكسية بقبابها الزرقاء.
يرى بعض المؤرّخين أنّ أرض حديقة ليساما هي الموضع الذي أسّس فيه بيدرو دي ميندوسا مدينة بوينس آيرس أوّل مرّة سنة 1536.
موضع التأسيس الأوّل
حتى القرن التاسع عشر كان الطرف الشرقي من أرض الحديقة يطلّ مباشرة على ساحل ريو دي لا بلاتا، في الموضع الذي تمرّ فيه اليوم جادّة باسيو كولون، وهذا ما يفسّر الجرف الحادّ الذي تنحدر عليه الحديقة.
ويرى بعض المؤرّخين أنّ هذا المكان، الذي كان يُعرف يومها باسم «بونتاس دي بوينس آيرس»، هو الذي أقام فيه بيدرو دي ميندوسا التأسيس الأوّل لمدينة بوينس آيرس سنة 1536. وقد هُجرت تلك المستوطنة الأولى في السنة التالية بعد حصار السكّان الأصليين لها، ولذلك بقي موقعها موضع نقاش بين الأثريين والمؤرّخين.
تبلغ مساحة الحديقة بحسب سجلّ المساحات الخضراء في المدينة 4.6 هكتار، وتقع في حيّ سان تيلمو ضمن الكومونة 1، بين شارعي ديفينسا وبرازيل وجادّتي مارتين غارسيا وباسيو كولون، على تخوم حيّي لا بوكا وباراكاس.
الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -34.62673, -58.36954. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
من «ضيعة الإنجليز» إلى ضيعة ليساما
وزّع خوان دي غاراي هذه الأراضي سنة 1580 على ألونسو دي بيرا، وبقيت زمناً طويلاً خارج المخطّط العمراني للمدينة. ومرّت بعد ذلك على ملّاك عدّة: اشتراها سنة 1812 في مزاد علني الاسكتلندي دانيال ماكينلاي الذي بدأ تشجيرها، ثمّ باعها ورثته سنة 1846 للإنجليزي تشارلز ريدجلي هورن.
وسّع هورن الأرض وبنى قصراً على شارع ديفينسا، وظلّ العلم البريطاني يرفرف فوقه سنوات، فاعتاد أهل المدينة تسميتها «ضيعة الإنجليز»، وبهذا الاسم تظهر في خرائط ذلك الزمن. ثمّ اضطرّ هورن إلى المنفى في مونتيفيديو سنة 1852 بعد سقوط خوان مانويل دي روساس.
وفي سنة 1857 بيعت الأرض لمالك الأراضي خوسيه غريغوريو دي ليساما، القادم من سالطا، فضمّ إليها أراضي تمتدّ حتى شارع برازيل، ورمّم القصر، وحوّل المكان إلى حديقة خاصّة كبيرة صمّمها منسّق الحدائق البلجيكي شارل فيريكه، إذ كان ليساما شغوفاً بعلم النبات.

هدية الأرملة وتصميم تايس
بعد وفاة ليساما سنة 1889 باعت أرملته أنخيلا دي آلساغا الأرض سنة 1894 لبلدية بوينس آيرس بثمن رمزي، على أن تتحوّل إلى حديقة عامّة تحمل اسم زوجها.
في سنة 1896 وضع منسّق الحدائق الفرنسي كارلوس تايس تصميم الحديقة العامّة الجديدة. واشترت البلدية البيوت المطلّة على شارعي ديفينسا وبرازيل وهدمتها لتوسيع الأرض، واستُخدم ركامها لرفع مستوى الأرض من جهة شارع برازيل.
وضمّت الحديقة في عقودها الأولى منشآت كثيرة: قطاراً للأطفال بمحطّته، ومسرحاً مكشوفاً بُني سنة 1908، وبحيرة بالقوارب، وكشكاً، ومزرعة ألبان، وعريشة وحديقة ورود، وحلبة للتزلّج. وفي سنة 1914 حلّ محلّ البحيرة مسرح مكشوف كانت مدرّجاته أوّلاً من الخشب ثمّ صارت من الإسمنت المكسوّ بالحجر.
وفي سنة 1931 أمر رئيس البلدية خوسيه غيريكو بهدم السياج الذي كان يحيط بالأرض منذ أيّام ليساما، فصارت الحديقة مفتوحة للناس على الدوام.

المتحف التاريخي الوطني والكنيسة الروسية
في قصر ليساما الموسَّع على شارع ديفينسا أُقيم سنة 1897 المتحف التاريخي الوطني، وهو متحف حكومي متخصّص في تاريخ الأرجنتين، يضمّ مقتنيات من عصور ما قبل الإسبان، ومن ثورة مايو، وعبور جبال الأنديز، وثقافة الشعوب الأصلية، ومحطّات أخرى من تاريخ البلاد.
وأمام الحديقة، على شارع برازيل، شُيّدت بين 1898 و1901 كنيسة الثالوث الأقدس الروسية الأرثوذكسية، من تصميم المهندس ألخاندرو كريستوفرسن. تقوم الكنيسة بين بيوت منخفضة الأسقف، فتعلو قبابها الزرقاء فوق الحيّ.
وعلى زاوية شارعي برازيل وديفينسا مقهيان من المقاهي التاريخية المعترف بها في المدينة: «إل بريتانيكو» و«إل إيبوبوتامو».

جرف ومدرّجات ونوافير
تتميّز حديقة ليساما بتضاريس نادرة في بوينس آيرس. فالمدينة قائمة على أرض شبه مستوية، وأحد تضاريسها القليلة هو الجرف الذي يرسم الحافّة القديمة لريو دي لا بلاتا، ويبلغ انحداره أشدّه في ثلاثة مواضع: حديقة ليساما، وساحة فرنسا، ومنحدرات بلغرانو. ولذلك في الحديقة ممرّات ريفية ودرجات ومطلّات كان يُرى منها النهر في الماضي.
عند زاوية شارعي ديفينسا وبرازيل يقوم نصب بيدرو دي ميندوسا الذي افتُتح في 23 يونيو 1937، من عمل النحّات خوان كارلوس أوليبا نابارو: تمثال برونزي لميندوسا واقفاً أمام لوح رخامي كبير نُحتت عليه صورة رجل من السكّان الأصليين.
وعلى شارع برازيل مسرح مكشوف بمدرّجات حجرية تقام عليه عروض في الهواء الطلق. ونزولاً نحو باسيو كولون مطلّ بدرجين يحيطان بنافورة كبيرة فيها تماثيل برونزية لنبتون وحوريات الماء، اشتُريت من دار «دو فال دوسن» الفرنسية. وعلى جادّة مارتين غارسيا نصب الصداقة الأرجنتينية الأوروغوائية، هدية الأوروغواي للمدينة في الذكرى الأربعمئة لتأسيسها الأوّل.
المعارض وحضور الحديقة في الأدب
يقام في الحديقة في عطلة نهاية الأسبوع معرضان: الأقدم للمشغولات اليدوية والملابس والزينة، ومركزه حول نصب بيدرو دي ميندوسا؛ والأحدث للأغراض المستعملة وأشياء متنوّعة، ويمتدّ على الرصيف الواسع لجادّة مارتين غارسيا.
وتجري أجزاء كبيرة من رواية «عن الأبطال والقبور» للكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو داخل الحديقة وفي محيطها. وحملت اسمها مسرحية «باركي ليساما» للمخرج خوان خوسيه كامبانيا، التي عُرضت أوّل مرّة سنة 2013.










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.