حديقة بالنياريو سود: كورنيش كوستانيرا سور الذي كان مسبح بوينس آيرس الشعبي
حديقة بالنياريو سود هي الشريط الأخضر على كورنيش كوستانيرا سور في بويرتو ماديرو، حيث افتُتح المسبح البلدي سنة 1918 وصار لعقود متنزّه الطبقتين الوسطى والشعبية في بوينس آيرس. انقطع عن النهر حين رُدمت الضفّة وقامت المحمية البيئية، ثمّ رُمّم في أواخر التسعينيات وعاد مقصداً للعائلات وأكشاك الشواء.
أدراج حجرية طويلة كانت تنزل إلى ماء النهر، ولم يعد تحتها اليوم ماء.
شريط على الكورنيش القديم
يسجّل سجلّ المساحات الخضراء في بوينس آيرس باسم حديقة بالنياريو سود (Parque Balneario Sud) شريطاً مساحته 15.8 هكتاراً على امتداد جادّة تريستان أتشابال رودريغيس في حيّ بويرتو ماديرو، بين الأحياء الجديدة من جهة والمحمية البيئية كوستانيرا سور من الجهة الأخرى.
هذا الشريط هو ما بقي من كوستانيرا سور، الكورنيش الجنوبي الذي كان يطلّ على ريو دي لا بلاتا مباشرة: رصيف عريض جدّاً يحدّه جدار ساند، تنزل منه أدراج حجرية إلى مستوى أدنى، ومن هناك درج يمتدّ على طول الضفّة كان يوصل إلى قاع النهر الطيني. أمّا اليوم فالماء بعيد، وما تحت الجدار صار أرضاً يابسة.
الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: -34.61491, -58.3517. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
مسبح لمن لا يسافر
كانت الأرض الواقعة خلف ميناء ماديرو، بين شارعي بلغرانو وبرازيل، متروكة منذ بناء الميناء. سنة 1916 كلّفت البلدية مدير المتنزّهات، المهندس الزراعي ومصمّم الحدائق بينيتو خابيير كاراسكو، بدراسة مشروع لتحويل هذه الضفّة المهجورة. كانت الفكرة الأولى مسبحاً يستفيد من مياه حارّة قيل إنّها موجودة في المكان، ثمّ تحوّلت إلى متنزّه ومسبح على النهر.
أُقرّ المشروع في يونيو 1916 وتأجّل تنفيذه لأسباب مالية، ثمّ بدأت الأعمال سنة 1918، وفي 11 ديسمبر 1918 افتتح العمدة خواكين ليامبياس المسبح البلدي كوستانيرا سور. أراد كاراسكو مكاناً للنزهة والنظافة لسكّان المدينة الذين يفتقدونه، ومتنزّهاً على النهر لمن لا يقدر على السفر إلى الشواطئ البعيدة.
كانت القواعد صارمة. في المسبح ثلاثمئة كشك لتبديل الملابس، ولا يختلط الرجال بالنساء، والسباحة مسموحة من السادسة إلى الحادية عشرة صباحاً ومن الثالثة إلى السابعة مساءً. وفي عهد العمدة كارلوس نويل صدرت لائحة تلزم السبّاح بثوب سباحة في حالة جيّدة ومنشفة، وتمنعه من البقاء في الماء أكثر من نصف ساعة.
زُرع الرصيف بأشجار الأكاسيا والتيبا، وزُيّن بمزهريات وأعمدة إنارة مستوردة من فرنسا. وسنة 1924 افتتح نويل امتداد الكورنيش شمالاً حتى شارع قرطبة، الذي يحمل اليوم اسم سيسيليا غريرسون، بحضور الرئيس مارسيلو ت. دي ألبيار والأمير الإيطالي أومبرتو دي سافويا.
مقاهي كالناي ورصيف بلوس أولترا
نجح الكورنيش على الفور، حتى إنّ البلدية كلّفت سنة 1924 المعماري المجري أندريس كالناي بتصميم مجموعة من المباني تؤجَّر مطاعمَ وحاناتٍ للجعة. أفخمها شغلته «سيرفيسيريا ميونيخ»، وشغلت المباني الأصغر «دون خوان دي غاراي» و«بريساس ديل بلاتا» و«لا بيرلا» و«لا رامبلا»، وكانت ليلاً مكاناً للسهر وحفلات الموسيقى في الهواء الطلق.
من مباني كالناي بقيت خمسة: «لا ألاميدا» ما زال مقهى يحمل الاسم نفسه، و«بريساس ديل بلاتا» صار قاعة مناسبات، والبيت النموذجي للعمّال الذي صمّمه للصليب الأحمر صار كنيساً، ومبنى ميونيخ صار مقرّاً لإدارة متاحف بوينس آيرس. وبقي مبنى آخر مهجوراً، وهُدم الباقي.
ومن معالم الكورنيش رصيف بلوس أولترا، اللسان الممتدّ الذي بُني سنة 1918، ونال اسمه بعد عشر سنوات حين نُصب في طرفه تمثال برونزي لإيكاروس تخليداً لرحلة الطائرة المائية «بلوس أولترا» سنة 1926 من بالوس دي لا فرونتيرا إلى بوينس آيرس، وهي أوّل رحلة جوّية بين إسبانيا وأمريكا. أُغلق الرصيف سنة 2002 بعد أن تدهورت حاله، وأُعيد ترميمه سنة 2014 مدخلاً إلى المحمية البيئية.

نافورة لولا مورا
عند تقاطع جادّة أتشابال رودريغيس مع شارع بادري ميغوني، قبالة المدخل الجنوبي للمحمية، تقوم نافورة النيريدات للنحّاتة الأرجنتينية لولا مورا. نُحتت من رخام كرارا الأبيض في روما، وتمثّل حوريات البحر يشهدن ولادة فينوس: في الحوض صدفة كبيرة تغوص فيها ثلاثة خيول يمسك كلّاً منها رجل عارٍ، وفوق صخرة في الوسط حوريتان تحملان صدفة صغيرة تجلس عليها فينوس.
افتُتحت النافورة سنة 1903 قرب كاسا روسادا، لكنّ عُري تماثيلها أثار احتجاج الجماعات المحافظة، فنُقلت سنة 1918 إلى الكوستانيرا التي كانت تُعمَّر يومها، وأشرفت لولا مورا بنفسها على نقلها. وسنة 1997 أعلنتها الحكومة الوطنية معلماً ذا أهمية تاريخية وطنية.

الانحدار ثمّ العودة
مع مرور العقود تراجع كلّ شيء: هُجر ميناء ماديرو، وتلوّثت مياه النهر، وافتُتح في الأربعينيات كورنيش آخر في شمال المدينة. أغلقت المطاعم والحانات، وفي السبعينيات صار الكورنيش مهمَلاً، وانتشرت على رصيفه العريض أكشاك غير مرخّصة للشواء تبيع شطائر التشوريبان.
ثمّ جاء الردم. سنة 1978 بدأ إلقاء أنقاض الهدم في النهر أمام الكورنيش، ولمّا أُلغي المشروع نمت على الأرض المردومة المحمية البيئية، فانفصل المسبح عن الماء نهائياً. وفي منتصف التسعينيات، مع تحوّل بويرتو ماديرو إلى حيّ راقٍ، بدأت البلدية تفكّر في استعادة الكورنيش، وفي أواخر 1998 افتتح رئيس حكومة المدينة فرناندو دي لا روا أعمال ترميمه.
واليوم عاد الكورنيش مقصداً لسكّان المدينة وضواحيها. تأتي العائلات بسيّاراتها وطعامها لتقضي الأحد في الهواء الطلق، ويقصد كثيرون «الكاريتوس»، أكشاك الشواء التي تبيع التشوريبان وشطائر لحم الخنزير، ويصطفّ الباعة على الدرابزين، وتُقام على رصيف بلوس أولترا سهرات كاريوكي في ليالي عطلة الأسبوع.
معلومات عملية
- الحيّ: بويرتو ماديرو (الكومونة 1.0)
- المساحة: 15٫8 هكتار بحسب سجلّ المساحات الخضراء لحكومة المدينة
- العنوان: جادّة تريستان أتشابال رودريغيس، كوستانيرا سور، بويرتو ماديرو










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.