التاسع من تمّوز: عيد الاستقلال والبيت الصغير في توكومان
في 9 تموز/يوليو 1816 اجتمع تسعةٌ وعشرون نائباً في بيتٍ مستأجَرٍ بمدينة سان ميغيل دي توكومان وأعلنوا الاستقلال عن إسبانيا «وعن كلّ سيطرةٍ أجنبيّةٍ أخرى». وثيقة الإعلان طُبعت بثلاث لغات: الإسبانيّة والكيتشوا والأيمارا. عطلةٌ وطنيّةٌ ثابتة بقدّاسٍ وعرضٍ عسكريٍّ وصحنِ لوكرو.
تسعةٌ وعشرون نائباً في صالةٍ لا تتجاوز بضعة أمتار، وإعلانٌ طُبع بالإسبانيّة والكيتشوا والأيمارا ليُقرأ في أعالي الپيرو: هكذا وُلد بلدٌ اسمه الأرجنتين.
بوينس آيرس – ArgentiNews
حين اجتمع المؤتمر العامّ في سان ميغيل دي توكومان سنة 1816 كانت أحوال الثورة في أسوأ أوقاتها: سقطت تشيلي بيد الملكيّين، وعادت مونتيفيديو إلى إسبانيا، وتقدّمت الجيوش الملكيّة من أعالي الپيرو، وعاد فرناندو السابع إلى عرشه في مدريد بعد سقوط نابليون فبدأ يستعيد مستعمراته واحدةً واحدة.
وفي ذلك السياق بالذات، في 9 تموز/يوليو 1816، وقف النوّاب في صالة بيتٍ مستأجَرٍ من عائلة بازوتيرّا وأعلنوا «إرادة المقاطعات المتّحدة في أميركا الجنوبيّة بالانفصال عن ملك إسبانيا فرناندو السابع وخلفائه ومتروپوله». وبعد نحو أسبوعٍ أُضيفت عبارةٌ حاسمة: «وعن كلّ سيطرةٍ أجنبيّةٍ أخرى» — وذلك ردّاً على مشاريع تنصيب أميرٍ أوروبيٍّ على البلاد.
تسعةٌ وعشرون نائباً ومن غاب عنهم
وقّع الإعلانَ تسعةٌ وعشرون نائباً، ترأّس جلستَه فرانسيسكو نارسيسو دي لاپريدا. ومثّل المؤتمرُ مقاطعات الشمال والغرب والوسط، لكنّ مقاطعات الساحل — إنتري ريوس وسانتا فيه وكورينتس والمنطقة الشرقيّة — قاطعته، لأنّها كانت في ذلك الحين في فلك خوسيه أرتيغاس وفي نزاعٍ مع بوينس آيرس.
وحضر نوّابٌ عن تشاركاس وميثكي وتشيتشاس — وهي اليوم في بوليفيا — وهو ما يذكّر بأنّ حدود «المقاطعات المتّحدة» سنة 1816 لم تكن حدود الأرجنتين اليوم.
والتفصيل الذي كثيراً ما يُنسى: أنّ وثيقة الإعلان طُبعت ووُزّعت بثلاث لغات — الإسبانيّة والكيتشوا والأيمارا — كي تُقرأ على سكّان أعالي الپيرو الذين كان يُراد كسبهم إلى جانب الثورة.

بيتٌ كاد يُهدَم
البيت الذي جرى فيه الإعلان كاد يختفي. تداولته الدولة استعمالاً بعد الاستقلال — صار داراً للبريد ثمّ محكمةً ثمّ مدرسة — وتهدّم أكثره في أواخر القرن التاسع عشر حتّى لم يبقَ منه إلّا صالة الإعلان نفسها، التي أُقيم عليها سقفٌ زجاجيٌّ لحمايتها وسُمّيت «معبد الوطن».
ثمّ أُعيد بناء البيت كاملاً سنة 1943 بحسب صورةٍ فوتوغرافيّةٍ التُقطت له سنة 1869 — وهي من أقدم الصور الفوتوغرافيّة في الأرجنتين — فعاد إلى هيئته الاستعماريّة الأولى بواجهته ذات الأعمدة الملتوية. وهو اليوم «البيت التاريخيّ للاستقلال»، ومتحفٌ وطنيٌّ يزوره مئات الآلاف سنويّاً، وفيه عرضٌ ضوئيٌّ ليليّ يُعيد تمثيل ذلك اليوم.

كيف يُحتفل به
التاسع من تمّوز عطلةٌ وطنيّةٌ ثابتة، وتُقام فيه ثلاثة طقوسٍ ثابتة: «التي ديوم» في كاتدرائيّة توكومان أو في كاتدرائيّة بوينس آيرس بحضور الرئيس، ثمّ العرض العسكريّ — وهو تقليدٌ قديمٌ يعود إلى مطلع القرن العشرين وإن تقطّع في السنوات الأخيرة — ثمّ الاحتفالات الشعبيّة.
وعلى المائدة يعود اللوكرو كما في 25 أيّار، مع الشوكولاتة الساخنة و«الچورّوس»، فتمويه الشتاء هنا قارس: التاسع من تمّوز في قلب الشتاء الجنوبيّ.
ويحمل التاريخ نفسه اسم أعرض جادّةٍ في بوينس آيرس — جادّة 9 تمّوز التي تقوم في وسطها المسلّة — وأسماء مئات الشوارع والمدارس والبلدات في طول البلاد.

مئتان وعشر سنوات
في سنة 2026 أتمّت الأرجنتين مئتين وعشر سنوات على إعلان الاستقلال. وكانت الذكرى المئوية الثانية سنة 2016 مناسبةً كبرى أُقيم فيها اجتماعٌ لرؤساء دولٍ في توكومان.
وتبقى مفارقةٌ يذكرها المؤرّخون الأرجنتينيّون: أنّ الاستقلال أُعلن سنة 1816، لكنّ البلاد لم تحصل على دستورٍ ثابتٍ إلّا سنة 1853، ولم تتوحّد فعليّاً إلّا سنة 1862. فبين إعلان الاستقلال وقيام الدولة ستّةٌ وأربعون عاماً من الحروب الأهليّة.










التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.