الموازي1,555الرسمي1,53511°صحوبوينس آيرس
الثلاثاء، 22 سبتمبر
أكثر من ألف عام من السجن في تشيلي لمتورطين في هجوم مابوتشي.. ماذا عن المابوتشي في الأرجنتين؟

أكثر من ألف عام من السجن في تشيلي لمتورطين في هجوم مابوتشي.. ماذا عن المابوتشي في الأرجنتين؟

حكمت محكمة تشيلية بالسجن لمدد تتجاوز مجتمعة ألف عام على 18 عضوا من جماعة راديكالية تابعة لمابوتشي بسبب إحراق طاحونة تاريخية عام 2022، مع أحكام تفوق 80 عاما لقادة الجماعة.

أصدرت محكمة تشيلية أحكامًا بلغ مجموعها 1055 عامًا من السجن بحق 18 شخصًا أدينوا بالمشاركة في هجوم مسلح وإحراق مجمع «مطحنة غرولموس» التاريخي في جنوب تشيلي عام 2022، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بأعمال العنف المنسوبة إلى جماعات مابوتشية مسلحة في البلاد.

مقدمة

أدانت المحكمة الجنائية في مدينة كانيتي المتهمين بجرائم شملت الحريق العمد، والسرقة باستخدام العنف، ومحاولات القتل، وحيازة الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية، في هجوم استهدف عائلة غرولموس وأدى إلى تدمير المطحنة التاريخية وإصابة عدد من الأشخاص بجروح خطيرة.

القضية تعيد إلى الواجهة ملف المابوتشي، وهم أحد أكبر الشعوب الأصلية في جنوب أميركا، والذين يعيشون في كل من تشيلي والأرجنتين. وبينما ارتبط اسم بعض الجماعات المابوتشية في تشيلي خلال السنوات الأخيرة بأعمال عنف ونزاعات على الأراضي، فإن وجود المابوتشي في الأرجنتين له سياق مختلف، ويتركز بصورة خاصة في باتاغونيا.

ماذا حدث في هجوم مطحنة غرولموس؟

وقعت الأحداث في 29 أغسطس/آب 2022 في منطقة كونتولمو بإقليم بيوبيو جنوب تشيلي، عندما هاجمت مجموعة مسلحة مجمع عائلة غرولموس، وكان المجمع يضم مطحنة تاريخية يعود تشغيلها إلى عام 1915، وكانت تستخدم قوة المياه في عمليات الطحن، كما تحول جزء منها إلى متحف عائلي. وكانت المنشأة مصنفة ضمن التراث المعماري في المنطقة، وبحسب ملف القضية، وصل المهاجمون وهم يحملون بنادق ومسدسات وذخائر، قبل أن يطلقوا النار ويضرموا النار في المطحنة والمباني المحيطة بها، وأصيب عدد من أفراد العائلة خلال الهجوم. وكان كارلوس غرولموس يبلغ 79 عامًا آنذاك، وقد أصيب بجروح أدت إلى بتر إحدى ساقيه، بينما فقد كريستيان سيد، الذي كان موجودًا في المكان، الرؤية في عينه اليمنى إثر إصابته بطلق ناري.

من هي جماعة «مقاومة مابوتشي لافكنشي»؟

ينتمي المحكوم عليهم إلى جماعة «مقاومة مابوتشي لافكنشي» (Resistencia Mapuche Lafkenche - RML)، وهي جماعة مسلحة تنشط في منطقة أراوكو جنوب تشيلي، ووفقًا للنيابة والمحكمة، كان الأشخاص الـ18 أعضاء في التنظيم، فيما تلقى خمسة من قادته الأحكام الأعلى، التي تجاوزت 80 عامًا لكل منهم. وحصل تسعة بالغين آخرين على أحكام وصلت إلى أكثر من 65 عامًا، فيما صدرت أحكام مختلفة بحق ثلاثة كانوا قاصرين وقت وقوع الهجوم.

ويبلغ مجموع الأحكام 1055 عامًا، لكن هذا الرقم هو مجموع العقوبات الصادرة بحق جميع المدانين، وليس حكمًا بالسجن لمدة 1055 عامًا على شخص واحد، كما أن وصف القضية بأنها قضية «مابوتشية» لا يعني أن جميع المابوتشي متورطون فيها؛ فالمحاكمة تتعلق بأفراد محددين وبجماعة محددة، كما أن بعض المدانين لا ينحدرون أصلًا من السكان المابوتشي، وفق وكالة الأنباء الإسبانية EFE.

قضية تقع في قلب نزاع أوسع في جنوب تشيلي

وقع الهجوم في منطقة تشهد منذ سنوات نزاعًا معقدًا يتعلق بالأراضي وحقوق السكان الأصليين وعلاقة الدولة التشيلية بالمجتمعات المابوتشية، وتتركز أجزاء مهمة من هذا النزاع في مناطق بيوبيو وأراوكانيا، حيث توجد مطالبات مابوتشية باستعادة أراضٍ تعتبرها مجتمعات محلية أراضي أجدادها، في مقابل ملكيات خاصة ومصالح زراعية وغابات وشركات تعمل في المنطقة، وفي المقابل، شهدت المنطقة هجمات حرق وتخريب واعتداءات مسلحة نسبت السلطات التشيلية بعضها إلى جماعات مابوتشية مسلحة.

وكان هجوم مطحنة غرولموس من الأحداث التي صنفتها السلطات التشيلية ضمن أعمال العنف المرتبطة بهذا النزاع، وقد أشار تقرير EFE إلى أن الهجوم كان من أبرز الأحداث التي دفعت الحكومة التشيلية آنذاك إلى التعامل معه باعتباره عملًا إرهابيًا.

لكن المابوتشي موجودون أيضًا في الأرجنتين

ورغم ارتباط الأخبار الأمنية الأخيرة بالمابوتشي في جنوب تشيلي، فإن هذا الشعب موجود أيضًا بأعداد كبيرة في الأرجنتين، وخصوصًا في منطقة باتاغونيا، وتظهر نتائج التعداد الوطني الأرجنتيني لعام 2022 أن الأشخاص الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم مابوتشي أو منحدرون من شعب المابوتشي ينتشرون في أنحاء مختلفة من البلاد.

وتتركز أكبر نسبة منهم في أربع مقاطعات:

المقاطعةنسبة إجمالي السكان المابوتشي في الأرجنتين
نيوكوين27.4%
ريو نيغرو20.7%
بوينس آيرس20.4%
تشوبوت16.2%
وتجمع هذه المقاطعات الأربع 59.7% من السكان الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم مابوتشي أو منحدرون من المابوتشي في التعداد، وهذا يوضح أن القضية المابوتشية ليست شأنًا تشيليًا فقط، بل لها حضور واضح داخل الأرجنتين، خصوصًا في باتاغونيا.

ماذا يقول القانون الأرجنتيني عن المابوتشي؟

يمنح الدستور الأرجنتيني الشعوب الأصلية حقوقًا محددة، فالمادة 75، الفقرة 17 من الدستور، التي أضيفت في إصلاح عام 1994، تعترف بـ«الوجود العرقي والثقافي السابق» للشعوب الأصلية الأرجنتينية، وتضمن احترام هويتها، والاعتراف بالشخصية القانونية لمجتمعاتها، وحقوقها في حيازة وملكية الأراضي التي تشغلها تقليديًا بصورة جماعية، إضافة إلى مشاركتها في إدارة الموارد الطبيعية والمصالح التي تمسها.

وتوجد في الأرجنتين آليات رسمية لتسجيل المجتمعات الأصلية وإجراء مسوحات للأراضي التي تشغلها تقليديًا، من خلال مؤسسات من بينها المعهد الوطني لشؤون السكان الأصليين (INAI).

نزاعات الأراضي في باتاغونيا

لكن الاعتراف الدستوري بحقوق السكان الأصليين لم ينهِ النزاعات على الأراضي، ففي باتاغونيا الأرجنتينية، توجد نزاعات بين بعض المجتمعات المابوتشية وملاك أراضٍ خاصين أو جهات حكومية حول ملكية واستخدام أراضٍ تقول المجتمعات إنها جزء من أراضيها التقليدية، ومن الأمثلة الحديثة النزاعات في محيط فيا لا أنغوستورا وبحيرة ناهويل أوابي، حيث صدرت خلال أغسطس/آب 2026 أوامر بإخلاء إحدى المجتمعات المابوتشية من أراضٍ متنازع عليها، بينما استمرت نزاعات قضائية أخرى حول أراضٍ مجاورة. وتقدم الأطراف روايات متعارضة بشأن تاريخ الوجود في تلك المناطق وحقوق الملكية عليها، وتكمن حساسية هذه القضايا في وجود تداخل بين عدة عناصر: الملكية الخاصة، والحقوق الدستورية للشعوب الأصلية، وإثبات الوجود التقليدي، وقرارات المحاكم، وإجراءات الدولة المتعلقة بتسجيل المجتمعات ومسح الأراضي.

تغير في سياسة الدولة الأرجنتينية

ومن التطورات المهمة أن الحكومة الأرجنتينية أصدرت في ديسمبر/كانون الأول 2024 المرسوم 1083/2024 الذي أنهى حالة الطوارئ المتعلقة بحيازة وملكية الأراضي التي تشغلها المجتمعات الأصلية، وألغى تعليق تنفيذ قرارات الإخلاء الذي كان قائمًا بموجب قانون 26.160 وتمديداته، وبررت الحكومة القرار بالحاجة إلى حماية حقوق الملكية وإنهاء حالة الطوارئ التي استمرت سنوات طويلة، بينما أثار التغيير اعتراضات من جهات مدافعة عن حقوق السكان الأصليين، التي ترى أن إنهاء الحماية السابقة قد يزيد من تعرض بعض المجتمعات لخطر الإخلاء، وبالتالي، فإن النزاع في الأرجنتين يدور بصورة أساسية حول الأرض والحقوق التاريخية والملكية والإجراءات القانونية، ولا ينبغي الخلط بينه وبين الجرائم التي حوكم بسببها أعضاء جماعة RML في تشيلي.

لماذا يهم الخبر الأرجنتين؟

تكمن أهمية الحكم التشيلي بالنسبة إلى القارئ الأرجنتيني في أن المابوتشي شعب يمتد وجوده تاريخيًا عبر جانبي جبال الأنديز، ويعيش اليوم في كل من تشيلي والأرجنتين، لكن التشابه ينتهي عند هذا الحد في كثير من الأحيان؛ فالقضايا المطروحة في البلدين ليست متطابقة، والجماعة التي حوكم أفرادها في تشيلي هي تنظيم محدد لا يمثل جميع المابوتشي.

وفي الأرجنتين، يعيش عدد كبير من المابوتشي كمجتمعات معترف بها، بينما تتركز النزاعات الراهنة بصورة كبيرة حول الأراضي والملكية والاعتراف القانوني بالمجتمعات، وهكذا، فإن الحكم التشيلي الذي جمع 1055 عامًا من العقوبات بحق 18 مدانًا يمثل تطورًا قضائيًا كبيرًا في النزاع الأمني في جنوب تشيلي، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على قضية أوسع تمتد إلى الأرجنتين: حقوق شعب المابوتشي، وتاريخه، ومطالبه بالأراضي، وحدود العلاقة بين هذه المطالب وبين القضايا الجنائية التي تتورط فيها جماعات مسلحة محددة.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo