الموازي1,545الرسمي1,53016°غائمبوينس آيرس
الجمعة، 16 أكتوبر
الطفل الذي نسي أن يكبر.. الجزيرة نت تحاور "الرجل المكتبة" ألبرتو مانغويل

الطفل الذي نسي أن يكبر.. الجزيرة نت تحاور "الرجل المكتبة" ألبرتو مانغويل

في حوار مع الجزيرة نت بباريس، تحدّث الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل عن معاني القراءة وتجربته مع بورخيس ومكتبته التي تضم أكثر من 40 ألف كتاب، وعن الدكتاتورية الأرجنتينية وفلسطين والربيع العربي وأدب بلا تصنيفات.

الطفل الذي نسي أن يكبر.. الجزيرة نت تحاور "الرجل المكتبة" ألبرتو مانغويل

في مقهى الذاكرة الباريسية

في حي سان جيرمان بباريس، على بعد خطوات من جامعة السوربون ومن الحي اللاتيني، جلس الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل إلى الجزيرة نت في حوار مطوّل عن القراءة والهوية والسياسة والأدب. وقد جرى اللقاء في النزل نفسه الذي كان يحبّه صديقه الشاعر محمود درويش ويقيم فيه، والذي قال مانغويل عنه إنه "وضع السقف عالياً لمن سيأتي بعده". صاحب اللقب الشهير "الرجل المكتبة"، والذي وصفه الناقد الأميركي جورج ستاينر بـ"دون جوان المكتبات"، قضى في بداية حياته عامين في بوينس آيرس يقرأ الكتب لأستاذه الضرير خورخي لويس بورخيس، وهي تجربة طبعت مساره كله، ثم أنشأ لنفسه مكتبة تضم أكثر من 40 ألف كتاب، تجسيداً لتخيّل بورخيس الفردوس على شكل مكتبة.

القراءة أوسع من النص

يرى مانغويل أن فعل القراءة أوسع من قراءة النصوص المطبوعة أو المعروضة على الشاشة، فنحن نقرأ المناظر الطبيعية والعيون ووجوه الآخرين، كما نقرأ اللوحة والسينما والمسرح والموسيقى. لكنه يشدد على فرق جوهري: قراءة النص تنطوي على حوار عميق مع اللغة التي نتحدثها، حيث تتحول النصوص إلى ذخيرة للتجربة الحية تنتقل من شخص إلى آخر عبر الزمان والمكان، حتى يصبح في مقدوره أن يحاور أبا نواس حواراً معاصراً. وذكّر بأن العرب هم من أعادوا للعالم كتابات أرسطو، وأن العين عند أرسطو أهم أداة للإنسان لأنها التي تفتحه على العالم. واستشهد بقول بورخيس إن الكتاب أدهش ما اخترعه الإنسان، فبقية الأدوات امتداد للجسد أما الكتاب فامتداد للذاكرة والمخيلة. ويضيف أنه يحب الموسيقى والرقص والسينما والرسم والمسرح، لكنه كقارئ يعتقد أن كل هذه الفنون تمرّ عبر الكلمات، لأن التفكر في فيلم أو لوحة أو قطعة موسيقية يستلزم ترجمتها إلى سرد وقصة. وعن أرواح الكتب قال إنها موجودة بالتأكيد، لكن القراء هم الذين يمنحونها إياها.

أعمال تنتظر الشاشة

وعن السينما، أوضح مانغويل أنه تلقى عدة مقترحات لاقتباس أعماله لكنها لم تكن جدية بما يكفي، وأن كتابه "قصة القراءة" هو الوحيد الذي حوّله التلفزيون الكندي والأميركي وبُث في ست أو سبع حلقات بعنوان "إمبراطورية الكلمات". وكان هناك مقترح جدي من الممثل والمخرج الإيطالي مارسيلو ماستروياني لاقتباس روايته "أخبار من بلاد أجنبية"، لكن المشروع تبخر بعد وفاته، كما لم يكتمل عرض شركة إسكتلندية لاقتباس "ستيفنسون تحت أشجار النخيل".

الدكتاتورية ومنبع الرواية الأولى

وعاد مانغويل إلى الأرجنتين في السابعة من عمره سنة 1955 وبقي فيها حتى 1969، وحرص على التوضيح أنه غادر لأنه أراد السفر لا لأسباب سياسية، وأنه لا يريد أن يبدو في هيأة المناضل أو أن يأخذ مكان أصدقائه الذين سُجنوا وعُذّبوا ونُفوا. ولفت إلى مفارقة تلك المرحلة: أن الصورة كانت أوضح من خارج البلاد، من أوروبا وفرنسا تحديداً، لأن الدكتاتورية العسكرية كانت تعتّم على جرائمها. وقال إن روايته الأولى "أخبار من بلاد أجنبية" ولدت من معرفته بأن جنوداً فرنسيين مارسوا التعذيب في حرب الجزائر ذهبوا لتعليم أصوله في الأرجنتين، ومن قصة صديق منفي في البرازيل التقاه في الثمانينيات وأخبره أن أستاذهما الذي شجعهم على القراءة وحب الشعر تحوّل إلى مخبر يحرّض العسكر على طلابه. وجعل بطل الرواية جندياً فرنسياً مرهفاً محباً للأدب ولزوجته وطفله، قبل أن يُكتشف أنه جاء لتعليم التعذيب. ورفض في المقابل فكرة أن المنفى والسجن ضروريان للمبدع، واعتبرها فكرة خطيرة استغلتها المجتمعات البرجوازية لتترك الفنان يتألم دون أن تدفع حقوقه.

تشاؤم وهوية وفلسطين

بدا مانغويل متشائماً حين سئل عن الكتاب كحصن أخير في وجه العولمة، فقال إننا نعيش عصراً كارثياً، وإن التعايش الحذر ممكن مع العنف والكوارث الطبيعية لكنه مستحيل مع التدمير الممنهج للحياة الحميمية، ووجّه انتقادات حادة لعدد من الحكام بينهم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. وفي شأن الهوية، ميّز بين هوية يفرضها المجتمع من الخارج وأخرى نختارها ونصنعها بأنفسنا، داعياً الشباب إلى عدم الرضوخ لقوالب جاهزة وإلى نحت هويتهم يوماً بعد يوم. وعن فلسطين، استشهد بالصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي الذي قال "لا توجد حلول دون إعادة الأرض للفلسطينيين"، مؤكداً أن أي حوار أو مفاوضات قبل إعادة الأراضي المحتلة بلا معنى، وأن خطة السلام الأميركية لن تنجح. ورأى أن ثورات الربيع العربي أثبتت وجود أمل في التغيير من الداخل، وأشار إلى تقدّم مشاركة المرأة في الحراك الجزائري وإلى الحركة الثقافية في تونس، لكنه أسف لأن بعض التجارب أفرزت دكتاتورية جديدة عبر العسكر أو الإسلام السياسي، وختم بأن الشباب يحملون بذور الأمل، وبأنه ينبغي ألا تُغلق نوافذ الأمل أبداً.

أدب بلا تصنيفات

وعن تداخل الأجناس في كتاباته، قال إن الأدب وُلد بلا تصنيفات، والدليل ملحمة جلجامش التي تمزج الشعر والرواية والمقال والوثيقة التاريخية، وإن الأكاديميين والمكتبيين هم من فصلوا بينها لاحقاً، معتبراً أن الأدب يعود اليوم إلى حريته الأولى. واختار أن يُنهي الحوار بعبارة غوستاف فلوبير "اقرأ لتحيا".

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo