الاثنين، 31 أغسطس
منبوذ الفيفا محبوب الشعراء.. مارادونا من الملاعب للأدب

منبوذ الفيفا محبوب الشعراء.. مارادونا من الملاعب للأدب

جولة في نصوص شعراء وروائيي أميركا اللاتينية الذين كتبوا عن دييغو مارادونا، من قصيدة بينيديتي وسرد غاليانو إلى بيورو وساشيري وكاسياري، مرورا بموقف بارغاس يوسا الملتبس.

منبوذ الفيفا محبوب الشعراء.. مارادونا من الملاعب للأدب

شاعر يهدي قصيدة لِلاعب

لم تتوقف صورة دييغو مارادونا عند حدود المستطيل الأخضر، فقد صار مادة خصبة للروائيين وكتّاب القصة القصيرة والشعراء والمسرحيين في أميركا اللاتينية، تلك القارة التي تُعدّ فيها كرة القدم معبودة الجماهير حقا. الشاعر الأوروغواياني ماريو بينيديتي أهدى إليه عام 2008 قصيدة بعنوان "اليوم، زمنك الحقيقي"، يقول فيها: "اليوم، زمنك الحقيقي.. لا فضل لأحد عليك.. وحتى لو نسي الآخرون الاحتفاء بك.. ستبقى الليالي بلا حب بعيدة.. ما زالت لك عينان فتيتان.. ستحظى بالحياة وستحظى بالموت.. وأنت تنتصر على ظلّك". وكان بينيديتي معروفا بشغفه بكرة القدم مثل كثير من أبناء الأوروغواي. وقد أبدى في إحدى مقابلاته انزعاجه من الطريقة التي تناول بها الصحفيون حياة مارادونا، مظهرا تعاطفا وحزنا على ما آل إليه.

غاليانو: خطيئته أنه الأفضل

مواطنه إدواردو غاليانو خصّ اللاعب بموضع في مجموعته القصصية "مغلق بسبب كرة القدم"، وتحديدا في قصة "القرن 21"، حيث كتب: "وقد حُكِم على مارادونا أن يصدق أنه مارادونا وأجبِر على أن يكون نجم كل حفلة، وطفل كل معمودية، والموت في كل عزاء. النجاح هو أكثر تدميرا من الكوكايين. ولن يكون بمقدور تحاليل البول والدم أن تكشف عن هذا المخدّر". وفي كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل" قال إن خطيئة مارادونا أنه الأفضل. وكان قد صرّح لمجلة "إلغرافيكو" عام 1995: "علينا أن نفهمه في بعض الأحيان، دون أن نبرر له كل تصرفاته: أنا أيضا أكاد أنفجر غضبا من بعض أفعاله. بالفعل هو شخص يتحدث كثيرا، يقول ويتراجع عن كلامه، متعجرف، عنيد؛ لكن علينا أن نفهمه بل أن نشكره، من أجل الأشياء التي منحنا إياها. آمل ألا يعترض مارادونا طريق مارادونا". هكذا فسّر غاليانو الظاهرة: لاعب فقير شق طريقه بذكاء وحطم الحواجز الاجتماعية حتى رأته الجماهير قديسا، ومارادونا آخر يحطم نفسه بالغرور والتصرفات اللامسؤولة.

يوسا وموقف ملتبس

وإذا كان موقف غاليانو واضحا، متسقا مع انتماء يساري قريب من فكر مارادونا، فإن رأي الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا الحائز على نوبل للآداب 2010 كان مختلفا وغير واضح المعالم. فهو المحسوب على الاتجاه السياسي اليميني، وقد كتب عام 2006 في مجلة "دينر": "ذلك الوجه الحالم الساذج المليء بالنوايا الحسنة، يستميل مثبطي العزيمة والمحبطين، وهم أنفسهم الذين يحيطونه ويعتنون به؛ إلا أن المؤكد هو أنه وفي لحظة النزول للملعب، يتقن اللعب بقوة يمكن أن نقول إنها لا تتوافق مع جسده". لكنه في لقاء في البرازيل عام 2013 انتقده قائلا إن الناس لم يعودوا يرغبون في صورة مع كاتب، بل مع موسيقي أو لاعب مشهور مثل مارادونا "الذي لا يعرف التفكير سوى بقدميه". وبينما كانت نيته التقليل من قيمة اللاعب، فإن القدم تحديدا كانت سر نجاح "البصل الصغير"، كما يلقبه الأرجنتينيون كناية عن قصر قامته.

بين الأسطورة والغفران

الروائي المكسيكي خوان بيورو أفرد له فصلا في كتابه "الآلهة المستديرة"، فكتب: "كان لمارادونا طابع الوحش، كان الاختلاف. كان يكفي أن تصل قدميه تمريرة فينهي المباراة لصالح فريقه. ربما أثرت تلك القوة نفسيا عليه… خلق مارادونا عالما مشابها لرغباته، وتجاهل الواقع، ذلك الضباب الخالي من السحر والمحيط بالملعب". ويتوقف بيورو عند لحظة هدف أخير: "ركض دييغو مبتهجا، وفجأة شاهد كاميرا التلفاز، فتوجه مباشرة نحوها وصرخ أمام عدستها مثل حيوان جريح. الأسد المنبوذ في عيون الفيفا، كان قد عاد إلى منطقته"، مضيفا أنه كان ضحية إعجاب الجماهير به، وأنه بحث عن انتقام لم ينفذه. أما الروائي الأرجنتيني إدواردو ساشيري، صاحب رواية "السر في عيونهم"، فكتب قصة قصيرة بعنوان "عليكم أن تغفروا لي"، عاد فيها إلى الهدف الذي سجله مارادونا في المرمى الإنجليزي عام 1986، وكأن ذلك الهدف يغفر له عثراته.

صلاة شعب حزين

ويبقى ما كتبه الأرجنتيني إرنان كاسياري في مؤلفه "احترمني، أنا أمك" أقرب النصوص إلى ما مثّله مارادونا لبني وطنه: "هل تعرف لماذا أصلي؟ لأنه كان هناك لحظات لم يكن فيها لدينا شيء، لا شيء على الطاولة، لكنك منحت السعادة لعائلتي. كان ألفونسين يثير الفوضى وحمدا لله أنه في تلك اللحظة بالتحديد، وقع علينا خبر فوزك بالمونديال من السماء.. في المستقبل لن يذكر أحد عجرفتك وألفاظك البذيئة؛ بل سيقولون إنك كنت قادرا على النهوض بشعب حزين وإسعاده حد الجنون، حتى في الأوقات الأكثر سوداوية، وكي لا تموت تلك اللحظات، أصلي".

من الموقع القديم

لم يكن ملهما لمحبي كرة القدم فحسب؛ بل للروائيين وكتاب القصة القصيرة والشعراء والمسرحيين في قارة أميركا اللاتينية، التي تعتبر فيها كرة القدم، حقا، معبودة الجماهير.


في الشعر والقصة

بعنوان "اليوم، زمنك الحقيقي"، عنون الشاعر الأوروغواياني ماريو بينيديتي قصيدته التي أهداها للاعب الراحل دييغو مارادونا عام 2008. تقول القصيدة "اليوم، زمنك الحقيقي.. لا فضل لأحد عليك.. وحتى لو نسي الآخرون الاحتفاء بك.. ستبقى الليالي بلا حب بعيدة.. وبعيدا سيبقى، الحزن.. ستحيا بآخرين.. لا يهم ما تقول المرايا.. ما زالت لك عينان فتيتان.. تريان ولا تنظران أكثر مما يجب.. ستحظى بالحياة وستحظى بالموت.. ها هو عام يمر تلو عام.. وأنت تنتصر على ظلّك.. هللويا.


كان بينديتي معروفا بشغفه بكرة القدم مثل كثير من الأوروغوايانيين، وفي إحدى مقابلاته أظهر انزعاجه من الطريقة التي يتناول فيها الصحفيون حياة مارادونا، مظهرا تعاطفا وحزنا على ما آل إليه الأخير.


وفي مجموعته القصصية "مغلق بسبب كرة القدم"، وتحديدا في قصة "القرن 21" كتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو عن مارادونا "وقد حُكِم على مارادونا أن يصدق أنه مارادونا وأجبِر على أن يكون نجم كل حفلة، وطفل كل معمودية، والموت في كل عزاء. النجاح هو أكثر تدميرا من الكوكايين. ولن يكون بمقدور تحاليل البول والدم أن تكشف عن هذا المخدّر".


وكم أثارت تصريحات وتصرفات مارادونا الجدل، لغرابتها وجرأتها واندفاعها. لم يكن مارادونا دبلوماسيا في حديثه، وكان ناقدا لكل ما لا يعجبه، فضلا عن حياته الشخصية المعقدة والمعروضة مجانا لأقلام وعدسات الصحفيين.


مع هذا، فيبدو أن حالة من التعاطف كانت تغلب على النصوص التي تتحدث عنه. غاليانو نفسه قال في كتابه الآخر "كرة القدم بين الشمس والظل" إن خطيئة مارادونا أنه الأفضل.

وفي عام 1995، تحدث غاليانو لمجلة "إلغرافيكو" عن مارادونا قائلا "علينا أن نفهمه في بعض الأحيان، دون أن نبرر له كل تصرفاته: أنا أيضا أكاد أنفجر غضبا من بعض أفعاله. بالفعل هو شخص يتحدث كثيرا، يقول ويتراجع عن كلامه، متعجرف، عنيد؛ لكن علينا أن نفهمه بل أن نشكره، من أجل الأشياء التي منحنا إياها. آمل أن يتابع عمله.. آمل ألا يعترض مارادونا طريق مارادونا".


هكذا فسّر غاليانو ظاهرة مارادونا، مارادونا اللاعب الفقير الذي شق طريقه بذكاء وحطم الحواجز الاجتماعية، والتفت حوله الجماهير على اختلاف أطيافها؛ بل رأته قديسا وأكثر من ذلك. ومارادونا آخر يحطم نفسه بالغرور أو التصرفات اللامسؤولة.


وبينما كان موقف غاليانو واضحا في كتاباته عن مارادونا، كما هو واضح في موقفه السياسي اليساري والقريب لفكر مارادونا، فإن رأي الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا، الحائز على نوبل للآداب 2010، كان مختلفا.


يُحسب يوسا على الاتجاه السياسي اليميني عبر الكثير من تصريحاته. أما رؤيته لمارادونا فلم تكن واضحة. عام 2006، نشر في مجلة "دينر" متحدثا عن مارادونا "ذلك الوجه الحالم الساذج المليء بالنوايا الحسنة، يستميل مثبطي العزيمة والمحبطين، وهم أنفسهم الذين يحيطونه ويعتنون به؛ إلا أن المؤكد هو أنه وفي لحظة النزول للملعب، يتقن اللعب بقوة -يمكن أن نقول- إنها لا تتوافق مع جسده".


بيد أن يوسا -المعروف بتناقض تصريحاته- انتقده خلال أحد لقاءاته في البرازيل عام 2013، بقوله "لم يعد الناس يرغبون الآن بالتقاط صورة مع كاتب؛ بل مع موسيقي أو لاعب مشهور مثل مارادونا، الذي لا يعرف التفكير سوى بقدميه". ولئن كانت نية يوسا أن يقلل من أهمية مارادونا في تصريحه هذا؛ لكنه في الحقيقة مدحه من حيث لا يعلم، فالقدم سر نجاح "البصل الصغير" كما يلقب مارادونا في الأرجنتين كناية عن قصر قامته.


منبوذ الفيفا محبوب الأدباء

وفي كتابه "الآلهة المستديرة" أفرد الروائي المكسيكي خوان بيورو فصلا لمارادونا قال فيه "كان لمارادونا طابع الوحش، كان الاختلاف. كان يكفي أن تصل قدميه تمريرة فينهي المباراة لصالح فريقه. ربما أثرت تلك القوة نفسيا عليه… خلق مارادونا عالما مشابها لرغباته، وتجاهل الواقع، ذلك الضباب الخالي من السحر والمحيط بالملعب".

وفي موضع آخر يقول "لنوقف الأسطورة في الهدف الأخير، فبعد التسجيل، ركض دييغو مبتهجا، وفجأة شاهد كاميرا التلفاز، فتوجه مباشرة نحوها وصرخ أمام عدستها مثل حيوان جريح. الأسد المنبوذ في عيون الفيفا، كان قد عاد إلى منطقته. كان دييغو، ضحية إعجاب الجماهير به وكان يبحث عن انتقام، لكنه لم ينفذه".


الروائي إدواردو ساشيري، كاتب رواية "السر في عيونهم"، كتب أيضا قصة قصيرة بعنوان "عليكم أن تغفروا لي"، وبها يعود إلى الهدف الذي سجله مارادونا في المرمى الإنجليزي عام 1986، وكأنه في نصه يقول إن ذلك الهدف يغفر لمارادونا عثراته.


بيد أن ما كتبه الكاتب الأرجنتيني إرنان كاسياري في مؤلفه "احترمني، أنا أمك"، يقترب أكثر لما كان مارادونا يمثله بالنسبة للأرجنتيين.. "هل تعرف لماذا أصلي؟ لأنه كان هناك لحظات لم يكن فيها لدينا شيء، لا شيء على الطاولة، لكنك منحت السعادة لعائلتي. كان ألفونسين يثير الفوضى وحمدا لله أنه في تلك اللحظة بالتحديد، وقع علينا خبر فوزك بالمونديال من السماء.. كم أرغب في إخبار العالم أننا حظينا بأوقات فرح قليلة خلال 20 عاما الماضية، وقد كانت تلك الأوقات القليلة، بفضلك. في المستقبل لن يذكر أحد عجرفتك وألفاظك البذيئة؛ بل سيقولون إنك كنت قادرا على النهوض بشعب حزين وإسعاده حد الجنون، حتى في الأوقات الأكثر سوداوية، وكي لا تموت تلك اللحظات، أصلي".

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo